لحسن كجديحي

أجنحة العاصفة…

المسائية العربية

لحسن كجديحي
لحسن كجديحي

                                                                                  لحسن كجديحي

كان السرير كقنطرة ممددة أمامه. جر وسادة من الحلفاء الممزوجة بالصوف الأسود كانت بالقرب من السرير. اعتلاها. وضع منكبه الأيسر على حافة السرير. ضغط بكل قواه التي بقيت في جسمه. كان الجسم ثقيلا ككيس صلصال. وأحس برافعة داخلية تساعده على رفع جسمه الثقيل على السرير. وكان السرير ربوته الجميلة. وكانت القنطرة و الربوة شيئا واحدا.وفتح النافذة… كانت واسعة بما يكفي للنظر إلى القرية. تنفس بعمق.. كان في تنفسه يبدو كما لو أنه يريد أن يسحب كل الهواء الموجود في فضاء القرية إلى جسمه. وأطل من النافذة الواسعة.رووا له بأن أمه كانت  قد رقدت تحت  شجرة الخروب قبل سبعين عاما. قيل إنها كانت في طريقها إلى الحقول حينما تقدم منها الموت وطلب منها أن تصاحبه في رحلة طويلة. وبكل الاحترام الذي يبديه السيد الموت نحو النساء اللواتي قضين حياتهن في الكد        و إسعاد أزواجهن وأولادهن منحها القدرة على العودة إلى الدار. هناك أسرت لابنها رغبتها في أن تدفن قرب الشجرة. وكانت جذور الشجرة في الوادي.. وغادرت الأم الدار الأولى نحو الدار الآخرة. ظل يجر جسمه الناقص. يزحف… لا خيار أمامه غير الزحف. مازال الممر إلى النافذة طويلا. لن يهدأ له بال إذا لم يصل إلى هناك. لن يمر الوقت إذا لم يفتح النافذة. قبل يومين قال لأحد زواره إنه لا يخاف الموت.

هناك شيء ما يقع في القرية ولا يعرفه. لقد تكلم الفقيه في البوق قبل أزيد من ساعة. سمعه.. سمع صوتا في البوق. وبحكم أن داره توجد في المدخل الشمالي للقرية وأن الريح كانت تهب من الجنوب لم يتبين ما كان يحمله الصوت. كان تسلل النور صباحا حين انطلق الصوت يثقب هدوء القرية. لسبب ما عميق و غامض ينظر المكلوم إلى الساعة التي في معصمه كلما ارتفع الصوت فوق الصومعة.البوق جهاز لإخبار الناس. لا بد أن شيئا ما وقع البارحة ليلا في القرية…يئس من وحدانيته الممتدة أمامه طيلة الزمن الضائع. سافر إلى المدينة..

صحا هذا الصباح متأخرا بعد أن غرق في سبات عميق، نور الشمس يغمر الغرفة، أحس بعطش فقام متثاقلا، ظهره يؤلمه، و آلام حادة في رأسه، دقات الساعة الحائطية الرتيبة تضاعف من ضجره، في الحمام الضيق رش الماء على وجهه و مسح رأسه بيديه ثم نهل من ماء الصنبور، رفع رأسه إلى المرآة المعلقة أمامه و التي بدأت الرطوبة تأكل جوانبها، ثم ابتسم، بدت ابتسامته باهتة و دون معنى، ترك وجهه مبللا و سار نحو المطبخ، أعد قهوة سوداء دون سكر وسار نحو الشرفة وأزاح الستار ووقف يتأمل المشهد أمامه… بقايا سحب شاردة في سماء زرقاء بلورية، سرب من الطيور يحلق بغير انتظام، و سطوح المنازل أمامه فارغة من ربات الغسيل أو سراق الحب من بنات و أبناء الجيران. بائع الجرائد العجوز في كشكه عمر الثقافة، هكذا يدعوه الزبناء، كان على معرفة كبيرة بالأخبار السياسة أكثر من السياسيين أنفسهم، يعرف كل أسماء الرؤساء و الملوك و العواصم… تلاميذ المدارس لا يترددون في استفساره، يتأمل المارة مدخنا كيفه من خلال قناته المعهودة ، دخانها يكاد يحجب وجهه، بعضهم يقف أمام الكشك يقرأ العناوين مجانا ثم ينسحب، عمر لا يكترث بهؤلاء فهم كثر كما يقول ويضيف ساخرا : المعرفة يجب أن تكون بالمجان، رحم الله طه حسين … بعضهم ينحني للأرض ليلتقط صحيفة و يناول البائع نقودا و ينسحب… قريبا من الكشك حاوية أزبال دون غطاء، مليئة بالقمامة، حولها قطط شاردة تحكي زمن الفقر المذقع، صادف أن  شاحنة البلدية التي تجمع الأزبال لم تمر بعد، فوق إحدى الحاويات قط سمين يبحث عن رزقه، ينبش، و كلب ضال يقترب، عظامه تكاد تخترق جلده الأغبر، البطن ضامر تحمله قوائم نحيلة جدا،حرب ضروس لا شك ستقع بين الحيوانين ،لكن القط لم يهتم به، اقترب الكلب من الحاوية و بدأ يبحث، تآلف القط و الكلب معا، ابتسم المكلوم في أعماقه لهذا التسامح…في الجهة المقابلة موقف الأطوبيس… رجال و أطفال و نساء ينتظرون، منهم من أعياه الانتظار، بعضهم يجلس على كراسي خشبية قديمة، لم تتغير منذ سنوات، رجل يقترب من امرأة حتى ليكاد يلتصق بها، ربما زوجته، لا يستطيع أن يجزم.. الأطوبيس لم يصل بعد، ربما الرجل يتمنى ألا يصل،… على الرصيف رجل أصلع ذو لحية رقطاء،الارتخاء بدأ يدب في أوصاله، قصير القامة، يرتدي جلبابا أسود خشن و يشد بيد طفلة، الطفلة تحمل محفظة مدرسية و ترتدي سروالا طويلا خريفيا وقميصا بلون النحل الطنان ، يبدو ذلك من ألوان القميص و تنتعل حذاء جلديا رخيصا، الرجل يوبخ الطفلة، الطفلة تبكي و الرجل لا يكترث لبكائها، الطفلة تبدل جهدا واضحا لتواكب خطوات الرجل…، شرطي المرور البدين أعياه الوقوف في ملتقى الطرق، أنف كبير

 و يبدو دون رقبة، لا يتوقف عن رفع يديه، بذلته رزقاء أحالتها أشعة الشمس إلى لون باهت، المسدس المتدلي عن يمينه يبدو أنه غير محشو، السيارات لا تكف عن المرور أمامه في كلا الاتجاهين كأنها لا تعيره اهتماما، يبدو للمكلوم  أنه متذمر… ينتظر نهاية خدمته لينسحب إلى بيته منهوكا…شاب يضع يده على كتف صديقته و يسيران معا، يتحدث الشاب كثيرا، بينما هي صامتة، تلبس سروالا من نوع الجينز أزرق و قد شُد بحزام أبيض، و قميصا يبرز مفاتنها بشكل مفضوح، الشفتان مزمومتان، العنق طويل قليلا، قرطان طويلان يتدليان و يلمعان، و الشاب يحمل على كتفه جاكتة سوداء، و يضع على نحره ربطة عنق على شكل فراشة.

حينما يعجز المنطق عن إيجاد الرابط الوهمي ما بين الأمل و الحقيقة، و يعلن الملاحظ عجزه عن وصف لوحةٍ تحوي خيوطاً للشمسِ في يومٍ ماطر، يكون حينها المساء قد حل أخيراً. فهو ما زال يذكر اليوم الذي كان فيه الرجال يمرون خاشعين. مطأطئي الرؤوس، كانوا يسيرون وراء النعش. و كان الصمت كموسى حادة تقطع المكان. وكانت السماء وحيدة و قلقة وبدا أن العصافير قد توقفت عن الطيران والزقزقة حتى يمر النعش والرجال في طريقهم إلى المقبرة. نظر المكلوم وراءه. كانت الصور تتزاحم أمام عينيه. وكان الباب لا يزال مغلقا. صمت. صمت. وكانت القرية التي أهدته هواءها وثمار أشجارها تبدو بدورها وكأنها تستمع لذلك الصمت المحمل بالحنين وبالحزن. وكان الرجال يتقدمون وراء النعش بينما القرية تستمع لصوت الرجال وهم يرددون بشكل حزين…                                                                                                                                        لا إله إلا الله   .. محمد رسول الله…لا إله إلا الله …محمد رسول الله.

كان أمرا غريباً للغاية، رأى و هو يتخيل في الطريق المشمس، خمس زهرات نوار الشمس لا تنظر إلى الشمس! وتوارثت التواري عن الشمس من الأجداد إلى الأحفاد، فأصغر الزهرات حجماً لا تنظر، وجدتها لا تنظر، وأبواها لا ينظران وأخوها الصغير لا ينظر…كان يرى زهور عباد الشمس منذ سنوات تنظر ناحية الشمس في لهفة كأنها معشوقة ينظر نحوها الجميع، والآن تنظر بعيداً عن الشمس، تتنحي عنها، وتغرب عن النظر نحوها، تنظر نحو الأرض فقط معربة عن غضبها من تلك الشمس الجالسة فوق رؤوس المخلوقات جميعاً رغماً عنهم. ويختلف تعامل المخلوقات معها، فالبشر يختبئون منها خلف الجدران والأسقف أو يستخدم المضطر للسير تحتها بعض الأوراق لتغطية رأسه من لفحة الشمس الحارقة.

إن هذا الوعي المحبط اليائس سيسقط في فخ الميتافزيقا، إذ يقدم لنا طرحا مفارقا لمأساته ذا طابع سوداوي، حيث يلتقط الوعي المكلومي المغترب، بل يعانى قسوة ووحشة معايشة وجوده العدمي داخل فضاء العبث والزوال واللاجدوى وظلالية الحضور. فالكل باطل، قبض الريح، كالسراب المراوغ الذي لا يلبث أن يختفي ويتبدد كلما حاولت الذات الإمساك به فكأنها تقبض على الفراغ والعدم، غير أن هذه الصياغة المفارقة ناضجة بالحضور الواقعي المرير لقسوة العيش في البلد الوبيء، وبالوعي الحاد المؤسي بوحشة الضياع داخل فضاءات المدن الكبرى، وغربة الفرد وانسحاقه واستلابه متعدد المستويات داخل هذه المدن الجاهلية، كما أسماها الفارابي، أو الجائرة كما أطلق عليها إخوان الصفاء في رسائلهم.

اضف رد