أحمد بوكماخ اسم نقش على صخر الذاكرة

المسائية العربية

حميد زريويل

التلاوة
التلاوة

“أحمد والعفريت”، “زوزو يصطاد السمك”، “سروال علي”، “الثرثار ومحب الاختصار”… قصص مازال جيل بأكمله، من مغاربة ما بعد الاستقلال، يتذكرونها بكثير من الشغف والحسرة. نوستالجيا الزمن الجميل تجرهم إلى سلسلة “اقرأ”. يتباهون بترديد مقاطعها في أحاديثهم، ويتفاخرون بكونهم خريجي مدرسة “أحمد بوكماخ”.
الماضي الذهبي لسلسلة صيغت بلغة عربية جميلة، واقتبست مضامينها من روايات إسبانية، وإنجليزية وفرنسية بل وحتى يابانية وصينية، لتتمخض عن منتوج مغربي حفر في أذهان تلاميذ أصبحوا آباء بطعم طفولي، يتذكرونها وكأنهم قرؤوها بالأمس القريب فقط.
المعلم أحمد بوكماخ، طنجاوي قصير القامة، وذو نظرات حادة، لم يكن يتصور يوما وهو يحاول تأليف كتاب لتلاميذ قسمه، أنه سيصبح مرجعا لأجيال تربت على أبجدياته، حتى صارت “تلاوة اقرأ” قطعة تؤثث كل بيت مغربي.
المربي الفاضل والابن “المتمرد”
تاريخ ولادته غير مضبوط في الحالة المدنية لكن، حسب عبد الإله بوكماخ، شقيق المرحوم، أنه ولد في مطلع العشرينيات إبان اشتعال حرب الريف. يتيم الأم عن عمر يناهز ثماني سنوات، نشأ ابن البقال البكر في ظروف صعبة. اشتغل في متجر أبيه كمحطة أولى، وبدأ رحلة العصامية منذ سن مبكرة. قضى طفولته متنقلا بين بيع المواد الغذائية والتهام الكتب والروايات.
متجر مقسم إلى جزأين: جزء للسلع وآخر للكتب، ساعده أن يتربى بين العمل والقراءة، ويحلق بفكره إلى عوالم الخيال وسحر الكلمة في سن مبكرة، ليقرر بعد ذلك الالتحاق بمدرسة الجامع الكبير بالسوق الداخل، ويبدأ مساره الدراسي ثم المهني بعد أن أصبح معلما بها.
عندما بلغ الثامنة عشرة، بدأ أحمد بوكماخ نشاطه في حزب “الشورى” آنذاك، “وبصفته مكلفا بمتجر والده كان يعقد به أحيانا اجتماعات موضوعها المطالبة بالاستقلال، والانتظام داخل صفوف الحركة الوطنية”، يقول عبد الإله بوكماخ الذي يصغره بثلاثين عاما. نضال كلف أباه تهمة من العيار الثقيل، وثلاث سنوات حبسا نافذا قضاها في السجن بمدينة الرباط، بعد العثور على لافتة داخل المتجر أزعجت سلطات الحماية.
بعد سجن الأب، أصبح الابن البكر المسؤول الأول عن الأسرة، إذ قضى المدة بين تسيير المتجر وبين إعالة إخوته السبعة وزوجة أبيه. بعد خروج أبيه من السجن “بقيت العلاقة متوترة شيئا ما بين أحمد بوكماخ ووالده”، يقول عبد الإله. توتر فكري أكثر منه عائلي بين أب مسالم متدين يرتاد الزوايا ومجالس الذكر والتصوف بانتظام، وبين ابن “عصري، وحداثي»، حسب تعبير الأخ.
توترت العلاقة بين الأب والابن، مرة أخرى، حين تشبث بوكماخ بقرار الزواج بأم بناته الثلاث: فدوى، نازك وغزلان، فيما كان الأب يريد تزويجه بفتاة أخرى. رواية الأخ تختلف عما حكته لنا رشيدة بوكماخ، أخت المرحوم: “العلاقة كانت جد عادية، كأي أب وابنه، كل ما في الأمر أن أخي كان يريد عقد زفافه في بيت أحد أصدقائه، فيما رفض أبي ذلك، معتبرا أن بيت العائلة هو الأولى بهذه المناسبة”.
مسار العلاقة بدأ في التحسن مع مضي الوقت، وخصوصا في السنوات الأخيرة لحياة أبيه، إذ تصالح معه وداوم على زيارته في أيامه الأخيرة برفقة أسرته الصغيرة إلى أن توفي الأب سنة 1975.