أطفال الشوارع يموتون في صمت لا عين درفت دمعا، ولا لسان استنكر ، ولا ضمير حي تحرك …

المسائية العربية

محمد السعيد مازغ

محمد السعيد مازغ

بقلم : محمد السعيد مازغ

 

         

          بالقرب من جامع خربوش على مقربة من سوق القصابين والسمارين و مقهى فرنسا في قلب ساحة جامع الفنا المراكشية، شهد الناس جثة هامدة ممددة على الارض، وبمجرد ما اقتربوا منها تعرفوا على صاحبها، فهو شاب مشرد عرف بتقليده لابطال الكاراتيه، وبعشقه للحركات الرياضية وإعجابه الكبير بالممثل السينمائي فاندام، وكان كلما حط بمكان أو مر بالقرب من مقهى بساحة جامع الفنا واحياء جيليز إلا وتعمد تمتيع الحاضرين بحركاته وصيحاته المستمدة من عالم رياضة فنون الحرب، فاشتهر باسم فاندام .

وفاة هذا الشاب لم تكن حدثا استثنائيا، فموجة البرد بمراكش اعتادت على ان تقطف في كل سنة ارواح البؤساء والمشردين ممن لا مأوى لهم ولا ملجأ، بلغ عددهم حسب علمي  ثمانية، وقد يكون العدد أكثر من ذلك على اعتبار شح المعلومة والحصار المضروب عليها ضدا على القانون وبنود الدستور. نعم تخطفهم الموت وأراحهم من عيشة الذل والمهانة، لفظهم المجتمع وقست عليهم ظروف الحياة ، فلا هم تمتعوا بطفولتهم، ولا هم عاشوا اسوياء كغيرهم، والغريب ان الملاجئ والخيريات إذا ما ارخيت السمع لمدرائها ومسؤوليها لاقتنعت ان الساهرين عليها لا يغمض لهم جفن حتى يوفروا كل الحاجيات الضرورية من اكل وشرب ولباس وتعليم وانشطة رياضية وتثقيفية، بل ورحلات ترفيهية، وكم اطلعت التلفزة المغربية المشاهدين في روبرتاجاتها عن جمعيات تعتني بأطفال الشوارع، و المستفيدين منها ، فتخالهم وكأنهم في جنات وعيون يسبحون، والحال ان المشردين واطفال الشوارع في الازقة والطرقات يرقدون كأسماك علب السردين، أو داخل الاصلاحيات والسجون يقبعون، والنزر القليل ، والقليل جدا من يحظى بسرير بالخيريات،  او تجد لديه الرغبة في العيش داخل زنازنها التي ينطبق عليها المثل القائل :”سياسة زخرفة الواجهة والداخل يعلم الله مدى كنهه “

      كلما اشتد البرد بمراكش وتسلل صقيعه  عبر جبال الاطلس البيضاء المطلة على المدينة بشموخ الابطال، هرع الناس الى الملابس الدافئة من جلابيب ومعاطف وبدلات شتوية، ومددوا اجسادهم داخل البطانيات الصوفية طلبا للدفء، وعدل رواد المقاهي من وقتهم وودعوا جلساتهم الحميمية باكرا وقبل ان تتجمد اطرافهم ،علما ان مقاهي مدينة مراكش من عاداتها الا تغلق ابوابها في وجه روادها باكرا، وحتى الملاهي وعلب الليل تفقد جزءا من زبنائها خلال هذه الفترة،

      ترى أحياء سكنية وكانها هجرت من سكانها، حيث الابواب موصدة، والنوافذ مغلقة،والرياح تهز الاشجار والنخيل وما علق بحبال النشير، وبذلك فهي تنوب عن عمال شركة النظافة في كنس الازقة والشوارع وإعادة خريطة توزيع الازبال بالمدينة.

         وحدهم فقراء مدينتي يبحثون عن ملجإ يدفنون فيه اجسامهم العليلة، ليس امامهم سوى الكارطون او قطع من ورق البلاستيك يلفون به اجسادهم، منهم من ينام داخل ” عربة يدوية ـ كروسة ـ ومنهم من يحتمي بجدار حمام شعبي او سوق ممتاز، أو يتسلل إلى عمارة لا تتوفر على حارس فيتكور في إحدى زواياها. 

       بعضهم يصاب بنزلات البرد ولا يجد دواء يسكن آلامه، فيلجأ إلى ـ الديليا والسيلسيون ـ وكل انواع المخدرات الرخيصة الثمن، يدفن فيها خيبته واحاسيسه الدفينة، يستنشقها بعمق، ويجتهد في ملء رئتيه ويشبع منها آخر جزء في دواخله، منهم من ينام ويغرق في النوم ولا يدري ما أصابه وما فعل به اقرانه، ومنهم من ينام لا يستيقظ بالمرة، فيحمل إلى مستودع الاموات في صمت، ويدفن في صمت، لا عين درفت دمعا، ولا لسان استنكر ، ولا ضمير حي تحرك …

2 تعليقان

  1. تعجل الخطى محاولاً الوصول إلى المكان… للحظات قليلة أفزعني الصوت بحدته وقوته وتوقيته المباغت ، وما كاد أن يصل إلى المكان .. فعدت قليلاً إلى الوراء بحركة لا إرادية ، استعدت توازني بعد ذلك وعاد إلي الهدوء ، وحمدت الله على أنني و أنت لسنا طرفاً في تلك المعركة ، مسكين هذا العاشق المتشرد رغم أنفه ، كيف لم يفقد وعيه أمام تلك الحركات ، بل أمام ذلك القفز العشوائي الذي ظل إلى وقت قريب يحير الوافدين على مفاهي مراكش؟؟ ، أنا لست ” فانضام” ولست طرفاً ولم أستطع الحفاظ على ثباتي ، فكيف لهذا المرحوم أن يصمد أمام هذا البرد القارس في غياب دور تأوي من لفظتهم الحياة لفظا ؟ قام بالنداء بصوت متقطع مضطرب .. فلم يجبه أحد .. راح يدور ويدور في المكان وهو يوالي النداء دون جدوى ..
    استمر المشهد طيلة سنين حيث كنت من بين أولالئك الوافدين على المقاهي، صوت الظلم ظل يعلو ويعلو ويعلو ، أحياناً كان الصوت أشبه بأصوات حيوانات الأدغال ، وأحياناً أخرى تزداد حدته ليصبح إلى أصوات الطيور الجارحة أقرب ، ويطول أحياناً ويتموج ليبدو وكأنه يصدر كلمات تهديد ووعيد .
    اعتادت أذني سماع زمجرات المسؤولين فما عادت تهزني ، واعتادت عيني رؤية ملامحهم الغاضبة الثائرة فما عادت تأتي بجديد ، تحولت بتركيزي إلى العاالم الآخر لأرقب ملامح الخوف، ولأرصد خطته للانسحاب ، ذلك إن لم يمت الآخرون ضرباً أو فزعاً …
    تُسكتني الدهشةُ قليلًا.. أحار، غريبةٌ الحروف، وبعيدةٌ المترادفات، متخاصمةٌ في عقلي، يندلقُ الذهولُ. جزيئاتُ الأفكار تتراقصُ .. عجبًا.. لم أعرف أبدًا أن الأفكار يُمكن أنْ تسيل.. تتقاطر, تحاورنِي .. بعد صراعٍ مضني أمسكُ بها، أخُطُ بأناملٍ مخدرة كلماتٍ مذبوحة.. تُزهَقُ روحُها قبلَ أن تصل… يُجاوبُني الصمت، يطول.. يطول.. يطول

  2. Hello, sir. This is the reality in Morocco. I have lived this life and its good to see that someone is talking about the problems in our country.

اضف رد