رشيد برقان

إذاعات القرب  أو كيف تستطيع التقاط الضجيج

المسائية الثقافية

 بقلم رشيد برقان

رشيد برقان

رشيد برقان

يبدو أن السمة العامة للحظة الراهنة هي الشعبوية حيث استطاعت هذه الرؤية الاستشراء في جميع مفاصل المجتمع وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فلم يعد مجال في المغرب بعيد عن قبضتها، بل نجد البعض انبرى للدفاع عن مشروعية هذه الرؤية وسدادها.

أقول هذا وتفكيري يتوجه نحو ظاهرة الإذاعات المحلية والجهوية الخاصة التي أصبحت، على الرغم من اختلافاتها الطفيفة تعزف النغمة نفسها، وتتهافت على التقاط المواضيع نفسها؛ فمن الصباح تبدأ في عملية تصيد مجانية للجمهور عبر أغنيات شعبية مبتذلة وفي أحسن الأحوال نجد من يدمن على أم كلثوم صباحا، وبعد مايقارب نصف قرن على وفاتها، وكأن عجلة التاريخ توقفت، وكأن الذائقة المغربية إذا هربت من الغناء الشعبي الخاص باحتفالات منتصف الليل لن تسقط إلا في براثن أم كلثوم، مما يعني أننا لم نتحول ولم نتغير وأن الزمن يشتغل بعيدا عن أفلاكنا.
بعد الفترة الصباحية تشرع جميع الإذاعات أبوابها على المطابخ، وهلم جرا من الشهيوات، وكل من تجد نفسها مهملة ماعليها سوى  تجريب وصفة هاتفية لتصعد إلى واجهة الأحداث، بشكل يعطي لحياتها معنى وصدى.
تم يأتي الدور على العشابة بكل تلويناتهم ووصفاتهم المتناغمة حتى حدود التناقض، لدرجة جعلت بعض الإذاعات، رأفة بنا، تقدم برامج مضادة، وتهتم بكل الأعشاب التي قدمت عند الجيران لتقول لنا إن أعشابهم فاسدة وتتركز فيها كل العيوب، هذا في الوقت الذي نجدهم، فا استغباء قوي للجمهور يقدمون برنامجا مماثلا.
أما حصة مابعد الظهر فإنها بورنوغرافية بامتياز تشرع فيها الأبواب على كل مالذ وطاب من الاسئلة الجنسية والحميمية التي تاه أصحابها ولم يجدوا إلا بوابة الفضيحة لمعالجة همومهم المؤرقة. وعندما يعثروا على الدواء الشافي من الهم المستعصي تنطلق حصة مابعد العصر للاحتفال وحصد جوائز المسابقات بواسطة أسئلة سطحية عمومية لا تبلور ذكاء ولا تغني بأي فكرة أو معلومة.
وفي الليل يبدأ البوح والتباريح “وجيب يافم وطلق” والجميل والجديد هنا هو تحول مجموعة من المنشطين إلى محللين نفسيين بدون شواهد ولا دبلومات، وبدون تقدير للمشاكل المترتبة عن الاستماع لحميميات الأشخاص، ولا حساب للاجراءات التي قد تنتج عن إذاعة أسرار حميمية.
إن الاقتراب من الأدوات الإعلامية اليوم يسير بمنطق ربحي غايته “تصييد” المواطنين في حبال المتابعة فقط، وبتهميش قوي لروح هذه الأدوات؛ فليست إذاعات القرب وسيلة لاقتناص الربح السريع، كما أنها ليست وسيلة للشهرة.
إن الوسائل الإعلامية، وقبلها كل الوسائل، ليست وسيلة متعددة الوظائف إلى مالانهاية، فهي محكومة بأصل هو الذي خلقها، ومحكومة بسياق هو الذي جعلها تعيش وتنتعش، وكلما حاولنا توظيف هذه الوسائل خارج سياقها أو خارج أهدافها وغاياتها قد تنقلب فائدتها إلى ضرر بيّن.
لقد دافع عصر الأنوار عن الحرية والمساواة، وخلق تقنيات وأدوات تحصن هذه الحرية وتضمن للكل التمتع بحريته، و لم يكن له ذلك إلا بواسطة العلم الذي يضبط ويدقق، وخارج هذا العلم نسقط في الشعبوية؛ فليست الحرية في المعلومات هي إطلاق المعلومات كيفما اتفق بدون نسق محدد وضابط، وليست خدمة المستهلك هي إتخامه بمعلومات تستمد معينها من الخرافة والشعوذة، وليس الوعض والإرشاد هو توظيف المرجعيات الدينية لتكريس رؤية متخلفة للعالم وتنصيب الذات وصية على العباد.

رشيد برقان

رشيد برقان

رشيد برقان

 

اضف رد