إيجابيات وسلبيات مراقبة الإعلام.. التّجربة التّونسيّة نموذج

المسائية العربية

عباس المسدّيScreen Shot 2015-12-12 at 8.30.36 PM

ما من شك في أن الإعلام ساهم عبر التاريخ في تمكين الجمهور من المشاركة في صياغة القرار السياسي والتي بدورها تعد مبدأ أساسياً في الأنظمة الديموقراطية.

هذا النفوذ غير المباشر على الناس جعل هذا المنبر محل تنازع كبار المتنفذين والأحزاب الكبرى في العالم بهدف استعمالها كورقة ضغط وابتزاز ضد الخصوم فضلاً عن محاولة طمس الحقائق.

ولو نظرنا إلى المشهد الإعلامي العالمي خلال السنوات الماضية لوجدنا حوالي 50 شركة كانت تسيطر على هذا المشهد. وبمرور الوقت اتجهت هذه الشركات للانصهار والاندماج وتكوين إمبراطوريات عالمية.

ومهما اختلفت المواد الإعلامية المقدمة من جانب هذه الإمبراطوريات الإعلامية، فإن هدفها يبقى مشتركاً وهو خدمة الأجندة السياسية لبعض الأطراف الحزبية، والأمثلة العربية أكثر من كثيرة وأجلّها في تونس.

التجربة الإعلامية التونسية قبل الثورة:

رغم وجود إطار قانوني منظم للعمل الإعلامي في تونس طيلة فترة ما قبل الثروة  والمتمثل في مجلة الصحافة فإن النظام السياسي بقيوده وممارساته فرض على المشهد الإعلامي أجندة التعتيم والتمجيد معاً.

فكانت الوكالة التونسية للاتصال الخارجي، وهي الجهاز الخاص الذي يتحكم في الإعلام ويوجهه لخدمة النظام السابق، حيث بيّنت التحقيقات الأمنية التي تم إجراؤها إبان الثورة، المبالغ المالية الهائلة المرصودة بغرض تلميع صورة الرئيس المخلوع ونظامه، والتي كانت تتوزع تحت عنوان “الإشهار العمومي”. بحيث أصبحت هذه الوكالة بالنسبة لأصحاب المؤسسات الإعلاميّة، بمثابة السيف المسلط على رقابهم، والذي يحُد من استقلاليتهم وتحكمهم فيما يتطرقون إليه.

إلا أن اندلاع شرارة الثورة في تونس سنة 2011 كان الدافع المعنوي لهذه المؤسسات الإعلامية المقموعة للاندماج في صلب الحراك الافتراضي بالمواقع الاجتماعية لمساندة التحركات وكسر الحواجز السلطوية.

مرحلة ما بعد الثّورة مباشرة:

إنّ المتتبع للمشهد الاعلامي خلال الاشهر الاولى للثورة يلحظ انفجاراً غير مسبوق للحريّات في تونس، بالتالي أضحت الأخطاء التقنية والتحريرية حاضرة بقوة في الفضائيات والإذاعات بشقيها الحكومي والخاص. وقد أظهر تقرير أعدته المجموعة العربية لرصد الإعلام، أن الإعلام التونسي بات يلعب دور المحرّض وتنمية مشاعر الحقد والكراهية بين مختلف أطياف الشعب التونسي.

هذا الانفلات كان له الأثر في صدور قانون الصحافة بنسخته الجديدة وإعلان المرسومين 115 و 116 بما فيهما من قرارات لفائدة الصحفيين. فتم خلالهما تقليص العقوبات لتصبح مادّيّة، كما تضمن المرسومان تقليص صلاحيات السلطة الإداريّة وخصوصاً وزارة الداخلية التي لم يعد لها حق حجز الصحف. بالإضافة إلى إستحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بصفتها هيكلاً تعديلياً وضامناً للتعددية الإعلامية وذلك يوم 3 أيار/ مايو 2013 الموافق لليوم العالمي لحرية الصحافة.

مرحلة الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري:

تعهدت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري  (الهايكا) منذ تاريخ انشائها إلى جانب رصد التجاوزات الإعلامية، على تعديل المشهد السمعي البصري  وتعزيزه، وذلك عبر إصدار كراس شروط  يضمن لمن استوفى جميع بنوده الحصول على ترخيص للبث.

وقد توجت هذه المرحلة بمنح تراخيص بث لعشرات القنوات الإذاعية والتلفزيونية الخاصة والمجتمعية منذ أيلول/ سبتمبر 2014. ومن بين هذه المؤسسات الإعلامية الحاصلة على ترخيص البث نذكر الإذاعة الخاصة “الديوان” التي استحصلت على رخصة البث وانطلقت في بثها التجريبي على موجات الأف أم في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 لتكون بذلك أول إذاعة خاصة في مدينة صفاقس.

كما نظمت الهايكا خلال نفس الفترة العديد من الفضاءات الحواريّة مع مختلف المتدخلين في القطاع السمعي البصري وبمشاركة مختصين عالميين لبلورة اتفاقية مشتركة تضمن حرية الصحافة من جهة واحترام أخلاقيات المهنة من جهة أخرى بما يؤسس إلى إعلام تونسي جديد.

إلا أنه ورغم صدور المراسيم المنظمة لقطاع الإعلام في تونس، وإحداث هيكل دستوري متمثل في (الهايكا) لرصد التجاوزات وردعها، إلا أن الفترة التي سبقت انتخابات 2014 شهدت ممارسات ممنهجة وانزلاقات خطيرة وصلت إلى حد تلميع صورة الإرهاب في بعض البرامج التلفزيونية. كما امتدت إلى تصفية الحسابات بين أصحاب النفوذ والمال بصورة غير أخلاقية.

إثر ذلك، سعت الهيئة إلى التنبيه على أصحاب المؤسسات الإعلامية واستدعاء الصحفيين للتنويه بخطورة هذه الممارسات فإنها التجأت كذلك إلى العقوبات المادية ضد عدد من المؤسسات.

أثبتت تونس من خلال المراحل السياسيّة التي مرّت بها وما عكسته هذه التجارب على المشهد الإعلاميّ، أنّها في طريق ثابت نحو ترسيخ مبدأ حرّيّة الإعلام قوامه احترام أخلاقيّات المهنة المتعارف عليها دوليّا.

إلاّ أنّ التّجربة التّونسيّة تنتظرها أشواط كثيرة حتّى تتمكّن من الاقتراب من بعض الدّول التي تعدّ مدارس في حرّيّة الصّحافة. فهل ستتوفّر الإرادة السّياسيّة الحقيقيّة لذلك في ظلّ ما نسمعه من بعض الوزراء عن ضرورة السّيطرة على المشهد السّمعيّ البصري. وهل سيطبق القانون على الجميع دون تمييز بين الصحفيّين وبين وسائل الإعلام؟

الصورة من عباس المسدي.

عباس المسدي من تونس، هو أحد المشاركين في برنامج مركز التوجيه بدورته الثانية التابع لشبكة الصحفيين الدوليين بنسختها العربية بهدف تطوير مشروعه الإعلامي من ضمن مشاريع أخرى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

عن شبكة الصحفيين الدوليين