اغتصاب فتاة قاصر في الشارع العام مؤشر قوي على تفاقم الامراض المجتمعية

المسائية العربية

بقلم : محمد السعيد مازغ

اثارني فيديو تم تداوله بشكل كبير داخل شبكات التواصل الاجتماعي، والذي يؤرخ بالصوت والصورة لفتاة قاصر تعرضت للاغتصاب الجماعي داخل حافلة نقل عمومي وسط مدينة الدار البيضاء .

بقدر ما كانت المشاهد صادمة ومقززة، بقدر ما كانت تمثل صورة حقيقة لواقع مغربي لا يمكن تجاهله، واقع املته عدة اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية وايضا تعليمية ، فالهدر المدرسي، وانعدام فرص الشغل، والفقر ، والاقصاء والتهميش ، و تكسير حاجز الخوف من السجون التي لم تعد تؤدي الدور المنوط بها، بل اضحت مدارس لتفريخ افواج المجرمين والمنحرفين، وإقامات مؤقتة لالتقاط الانفاس، وتبادل التجارب والخبرات في اللصوصية والنصب والاحتيال والاتجار في الممنوعات وغيرها، ولم يعد حمل السلاح واشهاره في وجه الضحايا ، او  استخدامه في ارتكاب الجرائم والاعتداءات بالشارع العام، وامام مراى ومسمع من عموم المواطنين، وأحيانا في مواجهة رجال الأمن أنفسهم، يمثل حدثا عابرا، وانما اصبح واقعا مألوفا، وظاهرة تتطلب تجنيد الامكانيات المادية والبشرية واللوجستيكية، وتوظيف الكفاءات الشريفة ، والاشتغال على القيم والمواطنة وحقوق الانسان. الى جانب التوعية والتحسيس والاخذ بزمام المبادرات الاستباقية.

إن تحميل المسؤولية لجهة ما دون أخرى ، يكون مجانبا للصواب، فأمامنا مأساة حقيقية، تكشف عن حجم معاناة المواطن مع الاجرام، والاعتداءات المتواصلة عليه، فلم يعد الأمر يقتصر على حالات معزولة، في مكان معزول، بل بدأ نفود المنحرفين ينمو ويأخذ أبعادا خطيرة، على مستوى حجم السيوف وأشكالها، وغير ذلك من انواع الاسلحة التي تشهر امام الملأ، دون اعتبار أو خوف، أو تردد، كما بدا آخرون فخورين بخروجهم عن المألوف، وتحديهم للمجتمع بكل مقوماته، وارتيادهم الحبس، والفوز بلقب ” حبّاس” ، أو ” شاف شامبري ” او ” مجرم خطير” ، وهي ألقاب تدفع الناس لاتقاء شرّهم، وتجنب مواجهتهم، مما اعطاهم ثقة اكبر، و منحهم إحساسا بفحولتهم الناقصة، ومكنهم من الكسب دون تعب.

فتاة قاصر ، تقودها الأقدار إلى حافلة الإغتصاب العلني، حيث تمزق ثيابها، وتبرز مفاتنها، ويلعب بتدييها، وتداس كرامتها، وصوتها المجروح يستغيث فلا يوجد له صدى في مدينة من حجم الدار البيضاء الكبرى، كما لا يوجد صدى لمنبه الحافلة، ولا لسائقها الذي من واجبه تنبيه المارة إلى ما يقع من اعتداء جماعي لشلة من المراهقين على فتاة لا قوة ولا حول لها، 

كما يمكن ان نسائل أيضا المواطن عن دوره في حماية نفسه او غيره، وهل مازال يحتفظ بجزء من الارادة و الغيرة والشجاعة للتدخل ومواجهة المعتدين، وعدم التلكؤ في تقديم المساعدة لانسان في حالة خطر. وأي دور يمكن ان تلعبه المصالح الأمنية في حماية المواطنين وممتلكاتهم، وهل  الإمكانيات التي تتوفر عليها قادرة على توفير تغطية امنية لكافة مناطق التراب المغربي، ومن جهة ثانية، هل الجزاء الذي سيناله المعتدون كفيل بان يشفي الجرح الذي تسببه الاعتداء، وهل اعتقال الجناة والحكم عليهم بالسجن كفيل بأن يقضي على الظاهرة ، ويعيد الاحساس بالامن والثقة في النفس.

أشئلة كثيرة تضعنا امام اشكالية حقيقية، تجبرنا على وضع اليد على القلب خوفا من المستقبل، من ذلك المجهول الذي يجعل المواطن يفقد الاحساس بالامن، والثقة في الاجهزة المسؤولة عنه، خاصة ان الظاهرة ليست مرتبطة بفعل إجرامي، وإجراءات قانونية، ولكن المقاربة تشمل مجموعة من العوامل التي ينبغي اخذها بالاعتبار من اجل اصلاح الفرد واحوال الوطن.