مصطفى الكَمري

الإعدام ليس هو الحل – مصطفى الكَمري

مصطفى الكَمري

مصطفى الكَمري

المسائية الثقافية

بقلم :  – مصطفى الكَمري

شاركت يوم الجمعة 27 فبراير 2015 في ندوة علمية من تنظيم الائتلاف المغربي لمناهضة عقوبة الإعدام، حيث كانت مناسبة للقاء ثلة من المناضلين الحقوقيين المناهضين لهذه العقوبة اللاإنسانية من مختلف ربوع العالم، وفرصة لتبادل التجارب والخبرات في كيفية المرافعة لإقناع المجتمعات بضرورة نبذ هذه العقوبة، وفي سبل الضغط على الحكومات من أجل التخلي عن الإعدام كوسيلة همجية للقصاص وتحقيق العدالة.

ورغم أن المغرب لم ينفذ عمليا عقوبة الإعدام منذ سنة 1993، حيث أنه لم ينفذها أصلا منذ الاستقلال سوى في 41 حالة كانت 38منها في أحكام سياسية، فإن المغرب لم يجرؤ بعد على الإلغاء النهائي لهذه العقوبة من قانونه الجنائي، ولازال القضاة يحكمون بها في بعض القضايا، دون أن تقوم السلطات المختصة بالتنفيذ الفعلي لتلك الأحكام، ما يجعل المحكومين والمحكومات بالإعدام يعيشون مأساة إنسانية حقيقية في حي الموت بالسجون التي تحتجزهم، وهم ينتظرون بين الفينة والأخرى فتح أبواب زنازينهم لتنفيذ الحكم في حقهم، وهو الانتظار القاتل الذي يدوم سنوات وسنوات.

وقد صار هذا التردد يطرح أكثر من علامة استفهام حول المسار الذي ستتخذه الدولة في هذا المجال، خصوصا بعد أن امتنع المغرب عن التصويت مرتين متتاليتين نهاية سنة 2014  لصالح مشروع قرار بإعلان وقف اختياري رسمي لعقوبة الإعدام، تم تقديمه في اللجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يتعارض تعارضا سافرا مع الفصل العشرين من دستور فاتح يوليوز 2011، والذي ينص صراحة دون أدنى لبس أو قابلية للتأويل على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، وأن على القانون حماية هذا الحق.

ويبدو أن هناك في أجهزة الدولة من لم يقتنع بعد بعدم جدوى هذه العقوبة في تحقيق الردع المطلوب لمكافحة الجريمة، معتقدين أن الإبقاء على عقوبة الإعدام هو مؤشر على وجود دولة قوية وحاسمة في مواجهة المجرمين، خصوصا في زمن صار فيه الإرهاب يشكل تهديدا كبيرا على سلامة المواطنين وأمن واستقرار الدول. وهذه النظرة المحافظة يبدو أنها تعززت مع ترؤس حزب العدالة والتنمية للحكومة، الذي يستند في دفاعه على الإبقاء على هذه العقوبة على فهم متشدد للدين، لا يختلف في شيء في هذه النقطة بالتحديد عن فهم تنظيم “داعش” لبعض نصوص القرآن وأحاديث النبي (ص)، وهو ما يجعل هذا التنظيم الإرهابي يلجأ إلى إعدام خصومه بدم بارد وكأنهم مجرد حشرات.

والحقيقة أنه لا توجد أية دراسة تؤكد أن عقوبة الإعدام تساهم بشكل فعال في حماية المجتمع من الجريمة، ولا يوجد أي دليل قاطع يبين أن هناك ثمة تأثير رادع لهذه العقوبة على سلوك المجرمين، وهو الشيء الذي يسنده الواقع وتؤكده التجربة. فبلدان مثل جامايكا وأوغندا وولاية لويزيانا في الولايات المتحدة الأمريكية رغم أنها من أكثر أن أنظمة العالم تنفيذا للإعدام، فإنها كذلك من أكثر بلدان العالم في معدلات جرائم القتل. ودول مثل السويد والدنمارك والنرويج حيث لا توجد هذه العقوبة، فإن مواطنيها من أقل المواطنين عبر العالم تعرضا لسادية القتلة والمجرمين. كما أن اعتماد دولة مثل اليمن على هذه العقوبة بشكل كبير، لم يمنع انهيار هذا البلد، وهو ما يدحض تلك الفكرة القائلة بأن عقوبة الإعدام هي مؤشر على وجود دولة قوية وحاسمة.

وإذا كان البعض لا يتورع عن الاستشهاد ببعض النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية، لتبرير تشبثه بالإعدام كعقوبة لبعض الجرائم، فهذا البعض فئتان. فئة أولى تقوم بذلك بنية حسنة مدفوعة بجهل صحيح الدين، حيث تسوق هذه الفئة تلك النصوص خارج سياقها ودون استيعاب سبب نزولها، وتقف عند “ويل للمصلين” لتبرير موقفها الذي يحل قتل الناس وقبض أرواحهم، وهو الفعل الذي تعتبر كل فطرة سليمة أنه يجب أن يكون حكرا على الله سبحانه وتعالى. أما الفئة الثانية فهي فئة تلوي عنق النصوص الدينية، عامدة متعمدة، وهي تفعل ذلك بدوافع سياسية، حيث لا غرض لها من الإبقاء على الإعدام سوى التلويح به في وجه خصومها السياسيين، واستعماله لقطع أعناقهم في الوقت المناسب.

وكم هو رائع أن تلتقي بشخصية مثل السيدة سعاد الخمال رئيسة الجمعية المغربية لضحايا الإرهاب، والتي فقدت زوجها المحامي عبد الواحد الخمال  وابنها الطيب الخمال في العمليات الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء بتاريخ 16 ماي 2003، ورغم ذلك فهي رفضت تطبيق عقوبة الإعدام في حق القاتلين، ولم تنسى وهي تناضل من أجل مكافحة الإرهاب، أن تناضل أيضا من أجل الحق في الحياة ومن أجل مناهضة عقوبة الإعدام، وهو الدرس الذي ينبغي أن يصل إلى الكثير من أنصار هذه العقوبة اللاأخلاقية واللاإنسانية، الذين يتعللون بحق أسر الضحايا في القصاص، وكأن قتل القاتل سيعيد القتيل.

اضف رد