حسن البوهي

البرلمانيون الأشباح

المسائية العربية : بقلم:

              حسن البوهي

حسن البوهي
حسن البوهي

“إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل فضع في يده سلطة، ثم انظر كيف يتصرف: ألبرتو مورافيا”

تزامنا مع الدخول السياسي المغربي الجديد، أثير نقاش مستفيض حول أداء البرلمان، وأهم المعيقات البنيوية والهيكيلية التي تحول دون تحقيقه للتطلعات التي يراهن عليها المواطنون المغاربة، وسال مداد كثير حول ضعف أداء البرلمانيين الذين انتخبهم المواطنون المغاربة لمناقشة السياسة العامة للبلاد واقتراح البدائل الكفيلة لتحقيق الإصلاح وتنزيل القوانين المنظمة… لكن ناذرا ما يتم الانتباه إلى قضية “البرلمانيين الأشباح”، هذه الكائنات السياسية البرلمانية التي تكتفي بالحضور مرة واحدة في السنة ثم تختفي عن الأنظار مُتفرغة لمصالحها الشخصية، وكأنها غير مُنتخبة وغير معنية بما ينتظرها من المهام الوظيفية والإدارية بغرفتي البرلمان، والتي انتدبهم من أجلها المواطنون المغاربة في الاستحقاقات الانتخابية، فتملصوا من واجباتهم والتزاماتهم وقرروا تمثيل أنفسهم واستغلال مراكزهم النيابية للاستفادة من الامتيازات والدفاع عن مشاريعهم ومصالحهم الشخصية، وضخ حساباتهم البنكية بأموال إضافية، جزء منها يأتي من خزينة الدولة رغم أنهم لا يقومون بأي مهمة تشفع لهم أحقية الاستفادة منها.

فبجهة مراكش على سبيل المثال لم يخرج المستشارون البرلمانيون الذين يمثلون جهة مراكش تانسيفت الحوز بالغرفة الثانية عن قاعدة الغياب المتواصل وسلبية الأداء الوظيفي لزملائهم بالغرفة الأولى، فمن أصل 20 مستشارا برلمانيا يحضر 8 فقط على مستوى الجلسات العمومية واللجان الدائمة، في حين أن 12 مستشارا برلمانيا تواروا عن الأنظار بشكل شبه كلي، ومنهم من لم تطأ أقدامهم الغرفة الثانية للبرلمان منذ أكثر من سنتين، في سلوك يدعوا لطرح أكثر من علامة استفهام وتعجب، لاسيما أن المغرب يعيش ظرفية استثنائية، ويراهن بشكل كبير على القوة الإقتراحية والاستشارية لممثلي الغرفة الثانية للبرلمان من أجل الرفع من نجاعة تدبير السياسة العامة للبلاد،  والمساهمة في تسريع وثيرة تنزيل القوانين التنظيمية، واستدراك التأخر في حصيلة الأداء البرلماني الذي تم تسجيله خلال الدورات الأخيرة.

البرلمانيون الأشباح: سلبية الأداء الوظيفي بتكلفة باهظة 

يعيش المغرب خلال السنوات الأخيرة ظرفية اقتصادية صعبة، أجربته على العودة للاستدانة من البنوك والمؤسسات الدولية من أجل تجاوز تداعيات الأزمة الاقتصادية التي امتدت تأثيراتها السلبية لتصل إلى مجموعة من القطاعات الحيوية والمؤسسات العمومية التي باتت على مشارف الإفلاس، وقد خلّف هذا الإجراء ردود فعل متباينة لدى العديد من الفاعلين السياسيين والمهندسين الاقتصاديين والباحثين والمهتمين… وخلص بعض الدارسين إلى أن الاستدانة من المؤسسات الدولية شر لابد منه للعبور بسفينة البلاد من الإكراهات الاقتصادية الحرجة والسياق السياسي الإقليمي المتوتر إلى شط الأمان.. وعكس التيار ودونما اكتراث لهذه الإكراهات والتحديات التي يواجهها المغرب ولحجم الديون الخارجية المتراكمة عليه، فإن البرلمان بغرفتيه الذي تتجاوز ميزانيته 17 مليار سنتيم لم يقدم لحدود الساعة ما هو مطلوب منه ولا يلبي الانتظارات والتطلعات التي تعوّل عليها شريحة واسعة من المواطنين، وهزالة حصيلته على مستوى تنزيل القوانين التنظيمية تجد مُبرراتها في أن مجموعة من المنتخبين تحت قبة البرلمان الذين انتدبهم الناخبون المغاربة من أجل المساهمة بشكل فعال في تدبير المرحلة الحالية، واقتراح الحلول والاستراتجيات الكفيلة بتصحيح مسار قاطرة المغرب ليتخذ وجهته الصحيحة، اختاروا أن يتحدثوا لغة الأشباح ويتواروا عن الأنظار مستنزفين خزينة الدولة بمبالغ مالية مهمة من دون أن يؤدوا المهام الإدارية والوظيفية التي أنيطت بهم، ويتوزع هؤلاء البرلمانيون الأشباح بجهات المملكة بنسب متفاوتة، فبجهة مراكش تانسيفت الحوز على سبيل المثال يظهر أن مجموعة من النواب البرلمانيين قد أدمنوا الغياب عن الجلسات العمومية وانصرفوا لقضاء مآربهم الشخصية، علما أن 53 برلمانيا الذين يمثلون الجهة يكلفون خزينة الدولة 23977200 درهم سنويا، وخلال ولاية واحدة لمدة أربع سنوات: 23977200 x 4 = 95908800 ، بالإضافة إلى مجانية خدمة التنقل والهاتف والإيواء، ومؤخرا تم التعاقد مع مطعم يخول لهم الاستفادة من الطعامة بثمن تفضيلي. وتصل الكلفة المالية لبرلماني شبح واحد 452400 درهم سنويا أي 1809600  درهما خلال أربع سنوات، أما مجموع ما يستنزفه المستشارون البرلمانيون الأشباح الذين يمثلون الجهة وعددهم 12 مستشارا برلمانيا من أصل 20 خلال سنة واحدة فيصل إلى: 452400 x 12= 5428800أي 21715200 درهم خلال أربع سنوات علما أن مجلس المستشارين لم يجدد هياكله بعد. وقس على ذلك باقي جهات المملكة…

فداحة الخسائر لا تتوقف عند هذه الأرقام بل إنها لا تعدوا أن تشكل نقطة ماء في يم الإمتيازات التي يستفيد منها البرلمانيون بطرق ملتوية خلف الكواليس، إضافة إلى أن قيمة الخسائر وفق هذه الأرقام تبقى في حدودها الدونية لأنها تركز فقط في جانبها الكمي على الحضور أما على مستوى المحددات الكيفية وطبيعة الأداء داخل البرلمان حتى بالنسبة للبرلمانيين الذين يواظبون على الحضور فإن الكلفة ستكون ضخمة بجميع المقاييس، ذلك أن صفة “الأشباح” لا تقتصر على البرلمانيين الذين هجروا غرفتي البرلمان، حيث أن مجموعة من النواب البرلمانيين يحضرون بين الفينة والأخرى من أجل ذر الرماد في العيون إلا أنهم في عداد الأشباح  من حيث فعالية أدائهم في الجلسات العمومية واللجان الدائمة للبرلمان.

إن السلوكات الانتهازية لزمرة البرلمانيين الأشباح هي إحدى تجليات الريع السياسي الذي كان ومازال يساهم في توسيع حجم الهوة بين المواطنين والأحزاب السياسية، وهذه الأخيرة بتبنيها لحاملي هذا المنطق تسير  في اتجاه تعميق أزمة الثقة في مؤسسات وأجهزة الدولة وإنتاج  قناعات نزوع الشباب والفئات المستضعفة نحو العدمية والتطرف.

حسن البوهي

 

اضف رد