ذ محمد ابن الأزرق

البرهان على بطلان خرافة سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم

المسائية العربية

ذ محمد ابن الأزرق

ذ محمد ابن الأزرق

إن القواعد المقررة هي المعيار الذي تعرف به صحة الأخبار، لا تصحيحها أو تخريجها في كتب صحاح الآثار، فإن المحدثين يخطئون ويتكاسلون ويقلدون ويغترون بأخطاء من سبقهم من العلماء الأخيار.والشرع والعقل متفقان على أن وجود الحديث في صحيحي البخاري ومسلم، رضي الله عنهما، لا يجعله فوق الشبهة والشك والنقد عند العاقل المسلم.والقاعدة الشرعية العقلية أن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، فقد يكون الإسناد نظيفا من العلل القادحة، ويكون مضمون الخبر مع ذلك ضعيفا أو موضوعا، يعرف من خلال عرض المتن على كتاب الله والعقل نعمة الله.

ومتن حديث سحر الرسول، مناقض لصحيح المنقول، منقوض بالمنطق والمعقول، فلا ينفعه سلامة السند في الظاهر وتخريجه في صحيحي البخاري ومسلم، بل هما تابعان مقلدان لمن سبقهما من العلماء.

وتتعدد أوجه نقض خرافة السحر من حيث المتن والسند، وكل وجه منها كاف لإثبات بطلانه، فما هي أهمها وأقواها؟

الوجه الأول: الخرافة تناقض تصريح القرآن بعصمة الرسول من السحر:

قال الله تعالى في سورة الإسراء: ( نحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ).

وقال في سورة الفرقان: ( وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ، لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا، وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ).

فقد سمى الله جل جلاله الذين ينعتون نبيه بالمسحور ظالمين، والظالم في القرآن الكريم رديف الكافر، فدل ذلك على أن من وصف النبي بالمسحور، ولو لحظة واحدة، ظالم كافر.وهذا أبلغ صيغة في الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم من السحر بكل أنواعه. وإذا سلمنا أن السحر أثر في الرسول ستة أشهر أو أقل كما قالت الأسطورة، فهذا يعني أن وصف الرسول بالمسحور خلالها وبعدها ليس ظلما، أي لو أن أحدا قال للمسلمين أيام تأثره بالسحر: إنكم تتبعون مسحورا، أو قاله بعد ذلك باعتبار ما كان، لم يكن ظالما ولا كافرا، وذلك عين مناقضة كلام رب العالمين.

ولا مجال للاستثناء والتخصيص، فالقرآن لا يخصصه إلا القرآن أو الحديث المتواتر الخالي من المطاعن، ومن خصص بالآحاد فذاك شأنه.

وحديث: “لا وصية لوارث” ضعيف سندا بإقرار علمائنا، فلا تحتجوا به علينا، وحديث: “نحن معشر الأنبياء لا نورث”، كان متواترا بين الصحابة رضي الله عنهم، فلا يصلح مثالا على التخصيص بالآحاد.ثم إن التخصيص يكون في الأحكام لا في العقائد، والقرآن يقرر في الآيتين عقيدة، وهي أن وصف النبي بالمسحور ظلم وكفر، فلا تخصيص.ولا يفهمن أحد أننا نكفر مصححي حديث السحر، فالآيتان عندنا كحديث: “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.فإن قلت: فأنت تتهم العلماء بنوع من “الكفر” لأنهم صححوا خرافة السحر، وهذا تطاول وسوء أدب.

قلت لك أيها الحبيب: إن الرسول وصف أصحابه البغاة على مولانا علي بن أبي طالب بنوع من “الكفر” حيث قال لهم: “لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض”، ووصف المسلمين المتقاتلين بنوع من “الكفر” في الحديث الذي قبل هذا.والصحابة البغاة الناكثون أجل عندنا من جماهير العلماء مصححي خبر السحر، فما جاز على الأفضل جاز بالأحرى على المفضول.

ومولانا علي بن أبي طالب كان خليفة شرعيا مأمورا بقتال البغاة، وتواتر في السنة أن الحق معه حيث دار، وأنه مسدد في مقاتلة الخارجين عليه، فلا يشمله وأتباعه قول الرسول: (لا ترجعوا بعدي كفارا…)هذا، وصيغة: “وقال الظالمون” تحكم على القائلين في الماضي والحاضر والمستقبل، فهي كهذه الآيات: ( وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) ، ( وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ، ( إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )، ( وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا ) ، ( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً )...وصيغة المضارع في آية: ( يقول الظالمون )، تدل على التجدد والاستمرار، فهي تنويع وتوكيد لما دلت عليه صيغة الماضي.

أي أن الصيغتين تدلان على أن وصف النبي بالمسحور في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ظلم كبير، فهو معصوم من السحر.

الوجه الثاني: الخرافة تشكك في سلامة الوحي من النقصان:

كان الهدف من اختلاق خرافة السحر التشكيك في النبوة جملة وتفصيلا، والتشويش على سلامة القرآن من النقص، فالأسطورة تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان فاقدا للتمييز طيلة المدة التي كان فيها مسحورا، وهي أيام في رواية، وستة أشهر في ثانية، وسنة كاملة في ثالثة، وهكذا يتذبذب الكذابون أو المختلطون.

تقول رواية في صحيح البخاري: ( حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ )، وفي رواية عنده أيضا: ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلاَ يَأْتِي )، وفي ثالثة خرجها البخاري: ( حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَنَعَ الشَّيْءَ وَمَا صَنَعَهُ ).

فهذه الألفاظ الثلاثة تتفق في أن النبي، حاشاه الله، كان شبه الأحمق الفاقد للوعي والإدراك، يظن أنه جامع زوجه وهو لم يأتها أبدا، ويعتقد أنه فعل الشيء وهو لم يفعل.

وهذا يفتح المجال للاحتمالات الآتية:

أولا: كان النبي حاشاه، يظن أنه صلى وهو لم يصل طيلة مدة السحر، إذ التخصيص يقتضي دليله الصريح.

ثانيا: وكان يسمع الكلام فيعتقده وحيا وهو ليس كذلك.

ثالثا: وكان جبريل عليه السلام ينزل بالوحي، فيظن النبي أنه بلغه وهو لم يفعل، وهذا يساعد الطاعنين في سلامة الوحي من الزيادة والنقصان، ويقوي شبهاتهم أيها العميان.

وقد تقرر في علم العقائد أن عقل النبي معصوم وجوبا قبل البعثة وبعدها، فلا يجوز عليه الجنون والحمق وفقدان التمييز حتى في حال النوم، حيث تنام عيناه ولا ينام قلبه كما أخبر عليه السلام.

ويجب عقديا أن يكون النبي صاحب فطنة وذكاء ورجاحة عقل، بحيث لا يتمكن من خداعه أو الضحك عليه أحد من الناس، وهكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم حتى لا يجد الأعداء مطعنا ينفذون منه، وكل رواية تعارض ذلك كذب أو خطأ من الرواة.

وخرافة السحر تخبرنا أن لبيد بن عاصم كان من خاصة النبي صلى الله عليه وسلم، يدخل عليه ويأمنه، وقد استطاع أن يضحك على نبينا ويأخذ مشطه ويعمل فيه السحر، وتمكن من إفقاده التمييز مدة معينة، ولم ينتبه النبي لاختفاء مشطه الوحيد حتى جاءه جبريل في المنام بعد أيام أو شهور أو سنة.

وعلى هذا، فالنبي كان غبيا جدا، وعقله لم يكن معصوما، حاشاه فداه نفسي، وأستغفر الله من تسطير هذا “الكفر” الشنيع.

والقائلون بصحة كل ما في الصحيحين يفرون من هذه اللوازم التي تقتضيها روايتهم المصححة، المجاوزة للقنطرة كالآية من القرآن، فيزعمون عند شرح الرواية الخرافية أنها لا تدل على تأثر عقل النبي بالسحر إلى حد فقدان التمييز، وإنما كان يأتي ليجامع أهله فيجد نفسه عاجزا فاشلا جنسيا، أي أنه كان مربوطا بلغة العامة.

ويستدلون على ذلك برواية خارج الصحيحين تفيد ذلك، وهنا يخطئون من وجهين:

الأول: يتركون روايات الصحيحين عندما يضطرون، ويلتزمونها أكثر من القرآن حينما يأمنون، وهذا نوع من التلاعب والهوى المذموم.

الثاني: يقررون أن الجمع بين الروايات إذا أمكن مقدم على الترجيح، وأن روايات الصحيحين مقدمة على غيرهما عند الترجيح، ثم ينسفون كل ما قرروه فيرجحون رواية خارج الصحيحين رغم إمكان الجمع، فيقال لهم: روايات الخرافة المصححة عندكم لا تتعارض بخصوص نتائج السحر، فنبينا صلى الله عليه وسلم المنزه، كان يظن أنه فعل الشيء ولم يفعله، ويظن أنه جامع زوجه ولم يجامع، وكان يفشل جنسيا عند الجماع، وكاد يفقد بصره حسب رواية أخرى.

أي أن هذه النتائج كانت متحالفة متآلفة، وإذا وجب الترجيح، لزم ترجيح روايات الصحيحين العامة الشاملة تبعا للقواعد المقررة عندكم.

ثم كيف تتقبلون أن يصاب النبي بالفشل الجنسي، بسبب السحر، أيها المسيئون لنبيهم؟ هل تظنون أن ذلك جائز عليه؟ وهل تعتبرون ذلك أمرا هينا لا يقدح في نبوته؟ إنكم مستعدون للقدح في نبيكم حفاظا على مهابة الصحيحين، وخشية من تخطئة الرواة المعظمين عندكم أكثر من نبيكم وأنتم لا تشعرون.

تعرفون أن الراوي الفقيه أعلم بما يروي من غيره، ولو كانوا حفاظا متقنين، وتجدون الإمام سفيان بن عيينة يروي الخرافة، ويقول مشككا في أسطورتكم: ( وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إذا كان كذا)، ثم تضربون صفحا عن كلامه، وتدوسون قاعدتكم، فتقدمون عليه أوهام الشراح المتهربين من مقتضيات الأكذوبة.

والخلاصة أن الأسطورة تشكك في سلامة الوحي، وتبطل عصمة عقل النبي، وتصوره رجلا غبيا مغفلا أهبل، وهذا وحده كاف لإثبات بطلانها شرعا وعقلا.

ولو فكرتم قليلا لبكيتم كثيرا مما ألحقتموه بالنبي المعصوم، فبعض روايات الأسطورة تزعم أن النبي لم يعاقب لبيد بن الأعصم، ولم يمنعه من الدخول عليه بعد إبطال سحره، وأنه لم يتعرض له صحابي بسوء، وهذا عين الحماقة والهبل.

وإذا كان المؤمن “لا يلدغ مرتين” كما في الصحيحين، أي لا يخدعه رجل واحد مرتين ، فالنبي لا يلدغ أبدا حتى يتميز عن الناس ويتنزه عن العيوب والنقائص، وفي سبب ورود الحديث روايات ضعيفة تنقض قولنا فلا فائدة من ذكرها لسقوطها، ولسنا مغفلين بحمد الله ولا مدلسين نخفي ما يضاد كلامنا.

الوجه الثالث: “لو كان الخوخ يداوي لداوى نفسه”:

حض النبي صلى الله عليه وسلم على تلاوة القرآن وذكر الله، ورغب في الدعاء والاستعاذة من شر شياطين الجن والإنس، وحث على أوراد محددة تحصن المؤمن من السحر والعين والحسد…

وكان صلى الله عليه وسلم أتقى العباد وأقربهم لله، وكان يقوم الليل دائما، ويحافظ على الوضوء، ويذكر الله في كل أحيانه، ويدعو الله صباح مساء أن يعيذه شر الشياطين، ويواظب على الأذكار وأوراد التحصين، ويقرأ آية الكرسي وسورة البقرة باستمرار، وكانت حجراته ملاصقة لمسجده الشريف حيث يرفع الأذان كل وقت، والأذان طراد للشياطين…

ومع ذلك كله وبعده يصاب، حاشا وألف كلا، دون أصحابه وأتباعه بالسحر، فيتلاعب به شيطان الجن أياما أو سنة كاملة.

وهذا يؤدي إلى الكوارث الآتية، كما خطط الزنادقة واضعوا الأسطورة المقدسة عند علمائنا:

الأول: الأذكار والتحصينات لم تنفع النبي نفسه، فكيف تنفع غيره؟ فلا حاجة إليها ولا ثمرة لها إذن، ومن حق أي واحد منا أن يقول: “لو كان الخوخ كيداوي كو داوا راسوا”، وهذا من جملة ما أراده اليهود من وضع الخرافة، فيكفيهم أن يزهد المسلمون في القرآن والذكر والدعاء ليسهل تمييعهم وتدجينهم كما يحصل اليوم، فهم يمهدون للدجال كبيرهم منذ قرون.

الثاني: إذا كانت تلك الأوراد لم تنفع قائلها المحرض عليها، فهذا يعني أنه كان مخطئا أو مخادعا، يستحمر الناس ويلهي عقولهم ويدغدغ أحلامهم، وبالتالي فهو دجال لا نبي مرسل من الله، إذ لو كان صادقا لكان أول المنتفعين المحصنين، ولو نفعته تلك الأوراد لكان نبيا حقا، وهذا ما يروجه التبشيريون وسبقهم المستشرقون.

ونحن نتحدى مصححي الأكذوبة أن يقنعونا ببطلان هذه النتائج المنطقية، ونعرف أنهم يبررون، بل يمعنون في سوء الأدب مع النبي الأكرم، فيزعمون أن تأثير السحر في النبي صلى الله عليه وسلم كان ضروريا ليتأكد الصحابة والمسلمون من بشريته، ويتعلم الناس طريقة علاج السحر.

قلت: هداكم الله وسامحكم على قبح قولكم في رسوله الأعظم.

إن بشرية المصطفى كانت حقيقة محسوسة عند الصحابة الكرام، وكانت نتيجة مسلمة عند الخاص والعام، فهي ثابتة بآيات صريحة في محكم الكلام، وكانت الأمراض البدنية والأكل والشرب تشهد بها على خير الأنام، فلا حاجة للسحر والأساطير والأوهام.

ولو أراد الله أن يعلمنا كيفية علاج السحر، لا ختار رجلا من الصحابة أو زوجة من أزواج إمام الطهر، أو أمر النبي بشرح طرق المعالجة بالكلام والسطر، فاتقوا الله أيها الناطقون بالفحش والكفر.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل في المنام، حسب الخرافة طبعا، فأرشده إلى مكان السحر المستور في عمق الظلام، فهل أتى الملك الكريم مسحورا غير النبي المجتبى وسيأتينا أيها الكرام؟

فقول علمائنا باطل في باطل، يرويه ويصدقه المقلد والغافل، ويكذبه المتحرر والعاقل، أناظر على ذلك وأباهل، وأنا التافه الأمي الجاهل، ويكفيني علما أنني أنزه النبي المعظم الفاضل، ولا أغتر بأوهام وأخطاء الأفاضل.

الوجه الرابع: الشيطان يخاف الفاروق عمر ويتجرأ على خير البشر:

تخاف الشياطين من المؤمنين الصالحين فلا تقترب منهم إلا إذا نسيت أو أخطأت، فهم مسلحون بهالة من النور الإيماني يصعقها إذا اقتربت وحاولت المهاجمة، وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء سلاح المؤمن) رواه أبو يعلى والحاكم والشهاب، وصححه الحاكم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فيقال له: حسبك قد كفيت وهديت ووقيت، فيلقى الشيطان شيطانا آخر فيقول له: كيف لك برجل قد كفي وهدي ووقي؟ ) رواه ابن أبي شيبة والترمذي وابن حبان والضياء.

ومن هنا كانت الشياطين تخشى كبار الصحابة وتفر منهم وتغير طريقها إذا صادفتهم، وسيدنا عمر واحد من الأولياء الذين كانت أبالسة الجن تتحاشى الاحتكاك بهم، أخبره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له في الحديث الصحيح المتفق عليه: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ».

وقال له في حديث آخر صحيح تعددت طرقه: ( إن الشيطان ليفرق منك يا عمر )، رواه أحمد وابن أبي شيبة والترمذي وابن حبان والبزار وابن أبي عاصم.

والسؤال الآن: إذا كان الشيطان، وإذا أفرد كان هو إبليس جد الشياطين، يخشى سيدنا عمر ويتحاشاه في الطريق، فهل يعقل أن يتجرأ أحد جنوده الموجه من قبل لبيد بن الأعصم على النبي الأعظم؟ وهل سيدنا عمر أولى بالخوف أم الرسول الأعظم؟ ثم ألا يلزم من أسطورتكم أن هيبة الفاروق أعظم عند الشياطين من هيبة من أخرجه من الظلمات إلى النور الأقوم؟

إن هيبة نبينا عليه السلام جعلت قرينه يتخلى عن الجندية في معسكر إبليس ويلتحق بالمؤمنين، وهذا هو الشيطان الوحيد الذي ثبت إيمانه، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي خرجه الإمام مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ ». قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « وَإِيَّاي إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأْمُرُنِى إِلاَّ بِخَيْرٍ».

وفي صحيح مسلم وغيره عن أم المؤمنين عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: « مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ »؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لاَ يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ »؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَمَعِي شَيْطَانٌ؟ قَالَ: « نَعَمْ ». قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: « نَعَمْ ». قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ ».

قلت: إذا كان قرين النبي قد أسلم وتشبه بالملائكة ولم يسلم قرين الفاروق، فكيف تخاف الشياطين الصالح عمر ولا تخشى النبي خير البشر؟وإذا كان قرين النبي ظل ملازما له بدليل أنه كان لا يأمره إلا بخير، فهذا يستلزم أن يدافع عن النبي صلى الله وعليه وسلم ويحرسه من أذى الشياطين، لأنه أولى بهذه المهمة العظيمة، وإلا فهو رضي الله عنه خائن جبان، وهذا محال بشهادة النبي العدنان.وما دام إبليس قدا اختاره ليكون قرين النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أقوى من كل الشياطين غير إبليس، فلا يتصور مؤمن أن يتجرأ شيطان لبيد بن الأعصم على إذاية النبي المقترن بالملائكة أولا، وبالقرين القوي الخبير ثانيا.

وعندما أسلم قرين النبي، حاول شيطان كبير أن يشوش على النبي صلاته، مستغلا خشوعه وغيبته في الله، ظانا أنه لن يتفطن له، فجنى على نفسه وكاد يقضي عليها:

قال النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاَةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ (أي خنقته)، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: { رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا”. رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

والحديث دليل على أن النبي كان قادرا على الإمساك بأي شيطان يحاول سحره، فلما لم ينتبه إلى شيطان لبيد بن الأعصم ولم يمسكه كما تقول الأسطورة، فهي فرية دون مرية.وفي حال ما إذا تحالفت جماعة من الشياطين العتاة ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى يرسل سيدنا جبريل لحمايته من كيدها في الحال:

قال أبو التَّيَّاحِ التابعي الجليل: سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَنْبَشٍ: كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: جَاءَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجِبَالِ، وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ، يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَرُعِبَ ، قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ – قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ، قَالَ: “مَا أَقُولُ؟” قَالَ: ” قُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، وَذَرَأَ وَبَرَأَ ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ، يَا رَحْمَنُ “، فَطَفِئَتْ نَارُ الشياطين وهزمهم الله عز وجل). رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وابن السني والدارقطني في “المؤتلف” والبيهقي في الصفات والدعوات والدلائل وغيرهم، وهو حديث صحيح بشواهده، وأورده الألباني في صحيحته.

قلت: لماذا تدخل هنا جبريل عليه السلام في اللحظة المناسبة للدفاع عن النبي؟ ثم تأخر شهورا ليعالجه من السحر الشيطاني؟ وهل كان شيطان لبيد بن الأعصم أقوى من عصابة الشياطين تلك؟ وأيهما أضر على النبوة والدين: إذاية الشياطين له من غير أن يحرضهم أحد من الناس؟ أم إذايتها له تنفيذا لأمر ساحر؟

إن الحديث الأخير واحد من الأحاديث المناقضة لأسطورة السحر، الفاضح لفبركتها من قبل أهل الإلحاد والغدر.

وبالمناسبة، فالجن والشياطين لا يخافون فقط من المؤمنين والصالحات، بل يهابون أيضا الأقوياء الشجعان الذين يسكتشفون الكهوف والمغارات، ويجوبون الوديان والغابات، لخدمة البشرية وتطوير العلوم والتقنيات.

الوجه الخامس: سكوت الأعداء عن واقعة السحر أمارة الوضع عند أهل الفكر:

سورتا الإسراء والفرقان مكيتان، تصرحان أن مشركي مكة كانوا يصفون النبي بالمسحور لصد الناس عن الإيمان به، وفيهما اعتراف ضمني بأن “السحر” نقص وخلل يوجب القدح في النبوة ويبطلها كالجنون والحمق.وخرافة السحر مؤرخة بالسنة السابعة بعد الهجرة، أي في المدينة المنورة، وقبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بقرابة أربعة أعوام.وقد كانت المدينة تعج بالمنافقين واليهود والمشركين، ولم يسجل التاريخ أن جهة من تلك الجهات استغلت حادثة السحر للطعن في النبوة، رغم تصيد أعداء الإسلام لأي فرصة.

إن أعداء النبوة استغلوا أكذوبة الإفك فأشاعوها رغم انعدام الدليل عليها، فكيف صمتوا على حادثة السحر الأشد خطورة على مقام النبوة؟

ربما يزعم المصححون أن الأعداء لم يصلهم خبر السحر، والجواب من وجوه:

الأول: جاء التصريح في بعض طرق الخرافة أن اليهود عرفوا الخبر ففرحوا، فكيف صمتوا؟

الثاني: تزعم الأسطورة أن النبي خرج في جماعة من أصحابه إلى البئر المتهمة بإيواء السحر، وأنه أمر بها فردمت وطمرت، وهذان يوجبان شيوع القصة بين المسلمين وغيرهم.

الثالث: لبيد بن الأعصم المتهم بفعل السحر، كان خادما موثوقا عند النبي صلى الله عليه وسلم حسب الخرافة، وظل يدخل عليه طيلة الشهور الستة كما تزعمون هداكم الله، وكانت أخواته ساحرات على صلة بعائشة رضي الله عنها حسب الأكذوبة، وقد عرف هو وعرفن هن من خلال أم المؤمنين أن زوجها مسحور كما تعتقدون غفر الله لكم.

وتسيئون إلى نبيكم، فتزعمون أنه لم يعاقب لبيد بن الأعصم ولا أخواته الساحرات، فهل يعقل أن يسكتوا بعد ذلك فلا يشيعون القصة التي روجها هشام بن عروة؟ غفر الله له ولمن اغتروا بمنكراته.

ثم إن أحدا من المسلمين الضعفاء لم يرتد عن دينه بسبب قصة السحر، وهي أدعى للردة من حادثة الإسراء والمعراج، فنحن بين ثلاثة احتمالات:

الأول: بقاء القصة مخفية مستورة حتى كشفها هشام بن عروة، وهذا أمارة شرعية ومنطقية على بطلانها.

والثاني: أن المسلمين حينئذ كانوا أقوياء الإيمان، وهذا خرافة وخيال، فطلقاء مكة ومسلمة القبائل المذبذبون كانوا بعشرات الآلاف، لذلك ارتدت بعض القبائل لمجرد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالث: شاعت القصة، وروجها الأعداء، فارتد بعض المسلمين الجدد، لكن الرواة والمؤرخين لم ينقلوا شيئا من ذلك، وهذا صنو المحال وعين الخبال.

فسكوت خصوم الإسلام، وانتفاء الردة، وعدم الشيوع والشهرة مع وجود الدواعي، براهين عقلية على بطلان القصة وكونها مفبركة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.

الوجه السادس: مناقضة رواية الجماعة نكارة توجب البطلان عند أهل الصناعة:

من القواعد المنطقية المعقولة المقررة عند المحدثين، أن راوية الواحد إذا خالفت رواية الجماعة، فهي شاذة إذا كان سندها صحيحا، منكرة شديدة الضعف إذا كان سندها ضعيفا.والمحدثون يتجاهلون هذه القاعدة عندما يصححون خرافة السحر بناء على سلامة ظاهر السند.فأسطورتهم تفرد بروايتها هشام بن عروة عن أبيه عروة عن أم المؤمنين عائشة، والسند منقطع بين هشام وأبيه عروة لأن هشاما المدلس لم يصرح بالسماع من أبيه، ثم إنه لم يحدث بالأسطورة إلا بعد الاختلاط وسوء حفظه كما سندلل عليه.

وعليه، تكون الأسطورة منكرة حسب قواعد الحديث، لأنها تناقض رواية الجماعة عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، والتي ذكرناها في الجزء الأول، ورواياتهم تتفق على أن النبي مرض بالحمى يوما واحدا، بل جزء من اليوم، فجاءه جبريل عليه السلام وملك آخر، فرقاه بالدعاء المعروف فشفي سريعا، ففي رواية سيدنا عمر التامة: دخلت أنا وأبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه حمى شديدة، منصوب على فراشه. قال: فسلمنا عليه فما رد علينا، فلما رأينا ما به خرجنا من عنده، فما مشينا إلا قريبا حتى أدركنا رسوله، فدخلنا عليه وليس به بأس، وهو جالس، فقال: « إنكما دخلتما علي، فلما خرجتما من عندي نزل الملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رجلي: ما به؟ قال الذي عند رأسي: حمى شديدة. قال الذي عند رجلي: عوذه. قال: بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كل داء يؤذيك، ومن كل نفس حاسدة، وطرفة عين، والله يشفيك، خذها فلتهنك. قال: فما نفث ولا نفخ، فكشف ما بي، فأرسلت إليكما لأخبركما».

بينما رواية هشام بن عروة تجعل السحر مكان الحمى الشديدة، والأيام أو السنة موضع اليوم الواحد، وتذكر أن جبريل لم يعوذ النبي ولم يرقه، بل أطلعه على سبب مرضه العقلي والبدني، فلم يشف حتى ذهب إلى البئر فاستخرج السحر أو لم يستخرجه.

ولا مجال للزعم بتعدد القصتين واختلافهما لتشابه بعض تفاصيلهما، ولما تقدم ويأتي من وجوه.

الوجه السابع: تأخر الشفاء يشكك في قدرة وحكمة رب السماء:

إذا كانت القصتان مختلفتين، فلماذا ترك الله تعالى نبيه شهورا أو سنة مسحورا هائما لا يدري أفعل الشيء أم لم يفعله، مربوطا عن أزواجه مجروحا في رجولته؟ ولماذا لم يرسل سيدنا جبريل لعلاجه من السحر في اليوم الذي سحر فيه قبل أن يتعذب ويفشو الخبر؟

سبحان الله، يصاب النبي بالحمى فيأتيه جبريل بالرقية مستعجلا، ويسحر الحبيب في عقله ورجولته فيتركه الله سبحانه متململا، فأين الحكمة والرحمة؟

إن تأخر تأثير السحر في عقل النبي وبدنه مدة طويلة، حسب الأسطورة، يشكك في حكمة الله، إذ لا يعقل أن يسارع لشفاء نبيه من الحمى التي لا تقدح في نبوته، ولا تصد الناس عن الإيمان، ولا تعرض أتباعه للافتتان، ثم يترك السحر يفعل فعله مدة من الزمان.

وربما قصد الدجال واضع الأكذوبة التشكيك في قدرة الله العظيم، فهو يخبرنا أن فعل السحر طال كثيرا، والله جل جلاله تأخر في تنبيه رسوله وشفائه، فكأنه ينسب إلى الله العليم الجهالة بسبب تغير حال نبيه الكريم، ويصفه بالعجز عن شفائه بسرعة من السحر العظيم.

وهنا سيقول الإخوة المخالفون: إن الله ابتلى سيدنا أيوبا، حيث مسه (الشيطان بنصب وعذاب)، وقد طالت مدة عذابه، ولم يتدخل ربنا سبحانه لشفائه، فيكون ذلك دليلا على انتفاء ما قلناه في هذا الوجه.

والجواب: اطمئنوا، فإننا على دراية بشبهاتكم أيها الطيبون، وسنفرد لها محورها الخاص، ومختصر الرد على الشبهة المأخوذة من قصة سيدنا أيوب هو كالآتي:

1: سيدنا أيوب لم يكن صاحب رسالة عظيمة خاتمة كمولانا محمد، فيجوز على مولانا أيوب ما لا يجوز على سيدنا محمد.

2: سيدنا أيوب لم يسحر، ولم يصبه الشيطان في بدنه، بل وسوس لزوجه وبعض أقاربه ففارقوه وهجروه، وغير ذلك مما ذكره المفسرون إسرائيليات وأساطير منتنة.

3: لم يخبرنا الله تعالى أنه عصم الأنبياء السابقين من أذى الخلائق الشديد، بل أخبرنا بمقتل الكثير منهم، ونبينا كان معصوما من القتل والأذى الشديد، لذلك لا تجد في سيرته أنه سجن أو عذب، وكل المحن التي تعرض لها يسيرة هينة تحصل للبسطاء من الدعاة والعلماء وسائر الناس، ذلك لأنه أكرم الخلق وأفضلهم عند الحق، فما كان ليبتليه بما ابتلى به إخوانه الأنبياء عليه السلام من الأهوال والشدائد، بل جعل عمه أبا طالب وعشيرته المشركين غطاء سياسيا واجتماعيا يدافع عنه، وكان يتحرك بين قبائل العرب ومنتدياتهم بحرية وخفة، وما لاقاه من أهل الطائف محنة لكنها لطيفة.

ولسنا هنا ننكر جهاد النبي صلى الله عليه وسلم يا قوم، ولا نجحد ما تعرض له من أذى وظلم، لكننا ننصف في القول ونزيح الوهم.

الوجه الثامن: الانفراد بالرواية يجعل المتن شاذا أو منكرا عند أهل الدراية:

إذا كان الحدث عظيما، تقضي العقول بشهرته وشيوعه، وتتوافر الدواعي على نقله وروايته، ثم يتفرد به راو واحد، فروايته شاذة إذا كان ثقة، منكرة شديدة الضعف إذا كان ضعيفا.

هذه قاعدة حديثية منطقية معقولة، تشبه تفرد مسافر واحد من بين عشرات المسافرين بحكاية حدث ضخم رآه في سفره دون من كانوا معه.

فلو جاءك عشرة ضيوف من مدينة بعيدة مثلا، وكانوا معا في حافلة واحدة، وأقاموا عندك يوما واحدا على الأقل، ثم شذ واحد منهم فأخبرك، حيث لا يسمعه أصحابه، أنهم مروا ببلدة ضربها الزلزال فدمرها، لسارعت إلى تكذيبه أو الشك في عقله دون أن تسأل أصحابه، لأن سنة الله في البشر أن يحكوا الوقائع الغريبة الجليلة عند أول فرصة.

وهذه القاعدة العقلانية تشهد بتماسك وقوة المنهج الحديثي، فهو منظومة من المعايير المنطقية الصارمة باستثناء بعض القواعد المختلف فيها.

إن مصيبة بعض المحدثين في التنكر للقواعد والمعايير، فهم يطبقونها حينما يحتاجون إليها، ويتجاهلونها عندما تتعارض مع مذاهبهم، وشواهد ذلك بالمئات تجدها في كتب التخريج أو الفقه العالي.

ولأن مذهب المحدثين المشهور هو صحة كل ما في الصحيحين، فإنهم لم يحترموا قاعدة الشذوذ والنكارة، فلم يحكموا بها على حديث السحر الخرافي.

ونقول مطمئنين إلى تلك القاعدة المسلمة، والتي هي أقوى وأجل من تصرف البخاري ومسلم رحمهما الله، ولست ملزما بالالتفات إلى سبب إعراضهما عنها، إذ الواقع أنهما لم يلتفتا إليها، والله تعالى أمرني بإعمال عقلي واتباع المعايير العلمية لا تصرفات الرجال.

فنقول مرتاحين: إن (حديث) السحر شاذ في أحسن الأحوال، ومنكر منتن عند التحقيق يا رجال.

إن تأثير السحر في عقل وبدن النبي صلى الله عليه وسلم حدث أضخم من الزلزال والبركان، يلزم أن يشيع ويفشو بين أهل الشرك والكتاب والنفاق والإيمان، وهو ما صرحت به الأسطورة التي أوحاها للدجالين الشيطان، ويلزم أن ترويه كل أمهات المؤمنين وجمع من الصحابة كما يقول الصبيان، فهو أخطر على مقام النبوة من قصة الإفك والبهتان.

والواقع أن خبر السحر مروي عن أم المؤمنين عائشة دون باقي أمهاتنا رضي الله عنهن، رغم أن الرواية تزعم أن النبي كان يفشل عند جماع أزواجه، وأنه يأتيهن وهو لم يفعل، كما روي عنها دون سائر الصحابة رضي الله عنهم رغم أنهم علموا وخرجوا معه إلى البئر بشهادة الأسطورة.

فهل ندع كتاب ربنا وسيرة نبينا المتواترة؟ أم نصدق رواية السيدة عائشة التي لا ندري أحفظت أم نسيت على فرض صحة السند إليها؟

إن أمنا عائشة ردت الكثير من روايات كبار الصحابة رغم أنهم كانوا مصدقين عندها، وكانوا معاصرين لها، فكيف نصدق نحن روايتها التي لم نسمعها منها مباشرة، ولم تنتشر عنها إلا في آخر حياة هشام بن عروة المدلس المختلط المتوفى بعد عام 144 هجرية؟

إن المحدثين حكموا على أم المؤمنين بالوهم والنسيان في حالات كثيرة معروفة، وبعض ما خطئت فيه جزئيات يسيرة، فلم لا تخطّأ رضي الله عنها في هذا الخبر الخرافي الشنيع؟

والحق أن أم المؤمنين بريئة من هذه الرواية، فهي منسوبة إليها كذبا وزورا، فأم المؤمنين أستاذ وشيخ للعشرات من الصحابة والتابعين، وكانت تروي الخبر البسيط المتعلق بجزئية فقهية صغيرة فيشيعه عنها الكثير من الرواة، فالمنطق يقتضي أن يشتهر خبر السحر عنها كما اشتهر حديثها في الإفك، وأن يروي الأسطورة عنها جماعة من تلامذتها، والواقع أن عروة بن الزبير متفرد بالرواية عنها دون غيره من الرواة.

وإذا كان خبر السحر خاصا تستحيي من حكايته فخصت به ابن أختها عروة دون غيره، فالجواب من وجوه:

أولا: لو كانت الخصوصية والحياء دافعا لكتمان الخبر، لاستحت أم المؤمنين من حكاية تفاصيل حادث الإفك لجماعة من الصحابة والتابعين، ولاكتفت بما قاله الله تعالى عن براءتها في القرآن، ولكتمت الكثير من الأحاديث المتعلقة بأسرار بيت النبوة وحياتها الشخصية مع رسول الله.

ثانيا: لأم المؤمنين عائشة راويات كثيرات من النساء، فكان الأولى أن تحدث واحدة منهن بحكاية السحر لا عروة بن الزبير، لأن الخرافة تتحدث عن الفشل الجنسي، فهل يعقل أن تخبر امرأة عاقلة ابن أختها بأن زوجها كان يفشل عند جماعها وتخفي ذلك عن صديقاتها؟ وهل هناك امرأة أعقل من سيدتنا عائشة بعد موت مولاتنا فاطمة بنت رسول الله وموت كل نساء حبيب الله؟

ثالثا: مصححو خبر السحر لم يكونوا مع أم المؤمنين وعروة بن الزبير حين حدثته، وهو إمام لكنه بشر يخطئ وينسى وتختلط عليه الأخبار، فلعلها قصت عليه حديث مرض النبي بالحمى الشديدة، وقد قصت عليه ذلك فعلا، ثم سمع خرافة السحر من دجال كذاب، أو كانت حكاية منسوبة لشخصية خرافية، فاختلطت عليه الروايات الكثيرة بالآلاف، ونسب الخرافة إلى رسول الله نسيانا وتوهما، وهذا حصل لكثير من الحفاظ الكبار، فلا نطمئن لروايته المناقضة لكتاب الله وسيرة رسوله، لأن الثقة إذا روى ما يخالف الوحي أو العقل كان مرويه شاذا، ودليلا منطقيا على نسيانه وغلطه، هذه هي القاعدة فلا نجامل أحدا.

وربما تعترض علينا بأن أم المؤمنين لم تنفرد برواية خبر السحر، وأن عروة بن الزبير لم يتفرد عنها بالخرافة، فاعلم أنه لا يصح من ذلك شيء، وأننا على دراية بالشواهد والطرق المتوهمة، وسنذكرها ونبين فسادها عندما يأذن الله، فلا تستعجل.

ثم إن هشام بن عروة انفرد برواية الخرافة عن أبيه عروة عن أم المؤمنين عائشة، ولعروة تلامذة أكثر من أم المؤمنين عائشة، ولم يكن هناك مانع يجعله يخص ابنه هشاما بالخبر لو صح إليه، ولو كان الحياء مانعا لحدث غير ابنه، إذ ليس هناك رجل عاقل يخبر ابنه أن زوج خالته كان فاشلا جنسيا بسبب السحر، وعروة بن الزبير أحد أئمة التابعين وسادتهم، فيبعد أن يحدث ابنه بمثل هذا السر الفظيع.

نعم، هناك طريق آخر عن عروة من غير رواية ابنه هشام، لكنه مقطوع من قول عروة ليس فيه ذكر لأم المؤمنين، فهو بلاغ منقطع يؤكد أن عروة سمع الخبر من دجال فاختلط عليه بحديث السيدة عائشة في مرض الحمى، ثم إن متن البلاغ مختصر ليس فيه تلك التفاصيل الموجودة في رواية هشام، فلا تتقوى روايته، بل يتأكد بطلانها كما سيأتي، فانتظر مشكورا.

وإذا عرفت أن هشاما كان مدلسا يروي عن أبيه ما لم يسمع منه مسقطا الواسطة بينهما، والتي قد تكون شيطانا من الجن أو الإنس، وأنه اختلط في آخر حياته، وأنه روى الكثير من الأساطير والإسرائيليات الخيالية، وأنه خالف الرواة عن أبيه في السند والمتن، وجاء بخبر يتناقض مع الوحي والعقل، أمكنك أن تستنتج مطمئنا أن هشاما تلقن الخبر من دجال زنديق دوخه وأقنعه أنه مسموع من أبيه الثقة عروة بن الزبير عن أم المؤمنين، أو أن هشاما سمع حديث الحمى الشديدة من أبيه عن خالته، وسمع أسطورة السحر منسوبة لشخصية غير النبي الأمين، ثم نسي وتوهم لأنه من المختلطين، فجعل سنده إلى حديث “الحمى” سندا لأسطورة الملحدين، ومثل هذا الزلل مشهور عن كبار المحدثين، فالخرافة من تخليطاته عند المحققين.

والخلاصة أن هشام بن عروة متفرد برواية الخبر الشنيع عن أبيه عن السيدة عائشة، وهشام مدلس حدث بالخرافة بعد الاختلاط أي لما كان ضعيفا، فالخبر منكر شديد الضعف لهذه العلة، مكذوب موضوع بالنظر لمناقضته القرآن والعقل.

الوجه التاسع: سحر الصحابة يحقق أهداف العصابة:

كان هدف سحر الرسول صلى الله عليه وسلم، حسب مصدقي الأكذوبة، هو إضعاف دولته الفتية من قبل اليهود انتقاما لما جرى لهم، وصد الناس عن الإسلام، وتشكيك المسلمين في دينهم.وإذا فرضنا أن السحر بإمكانه أن يؤثر على عقل النبي أو بدنه الشريف، فتأثيره في عقول أمهات المؤمنين وأصحاب النبي الأمين وأبدانهم أسهل وأيسر للفارق بين درجة النبوة ومرتبة الأتباع.وكان بإمكان السحرة أن يزعجوا النبي ويؤذوه من خلال عمل السحر لأزواجه، وأن يضعفوا قدرات أصحابه العقلية والبدنية، فيتشتت شملهم وتضعف دولتهم وتنتهي القصة ببساطة.

والواقع التاريخي يخبرنا أن أحدا من الصحابة لم يسحر على عهد رسول الله، وأن أزواجه الطاهرات لم يحدث لهن شيء على أيدي المشعوذين، فهل كان السحرة عاجزين عن سحر غير النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم أنهم لم يلتفتوا إلى هذه الفكرة الخبيثة؟ أم أنهم حاولوا كثيرا ففشلوا مع الأزواج والأصحاب ونجحوا مع لب الألباب؟

إن النقل الصحيح والعقل الرجيح يؤكدان أن الخبر خرافة لا يصدقها صاحب قلب بالإيمان منور، ولا ذو عقل يقظ متدبر، وفي الجزء الموالي مزيد من البراهين القاضية بسقوط الأسطورة، ورمضان مبارك علينا وعلى القارئين وكل الأمة المنصورة.

بقلم : محمد ابن الأزرق

– خريج دار الحديث الحسنية