التعليم و الفساد و نهب المال العام

المسائية العربية 

صفي الدين البودالي

Boudli1انتهت السنة الدراسية 2015 /2014  على إيقاع الفساد التربوي و المالي و الإداري و السياسي .  فالفساد التربوي تجلى  فبما عرفته هذه السنة  من اختلالات  مؤسفة على مستوى تدبير امتحانات الباكلوريا ،  التي عرفت تسريبات هي الثانية من نوعها منذ الاستقلال ، حيث كانت أول تسريبات امتحانات الباكلوريا في عهد الوزير الاستقلالي عز الدين العراقي سنة 1979 . و هي تسريبات تظل  واردة في ظل ادارة  تعليمية  تعيش الرتابة و التقليدانية و الوازع المالي و في ظل تغييب مبدأ ربط المسؤولية   بالمحاسبة  و التستر على الفساد و النهب و الريع الاقتصادي . و الدليل على ذلك إقبار الجريمة و إتلاف وسائل الإثبات في هذه النازلة التعليمية ، إذ لم  يتم تحديد  مسؤولية  تسريب الامتحانات بشكل يثبت جدية الدولة  و مصداقيتها  .
أما على   المستوى السياسي ،فإن     السنة  الدراسية انتهت و لما لم  يتم الحسم بعد في إنهاء مشكل التعليم  في بلادنا ، إن على مستوى الهوية أو على مستوى الأهداف و الغايات أو على مستوى الاستراتيجي ، بل حتى المجلس الأعلى للتعليم ،كما أريد له أن يكون ، لم يستطع التخلص من  القالب ”  matrice  الذي تم   اعتماده للتعليم غداة الاستقلال ،  ليكون  خاضعا   للإملاءات    الاستعمارية ،  بدءا من اللغة  المعتمدة إلى المناهج  النمطية  إلى أشكال التوظيف و التكوين إلى تعدد أنواع التعليم ( التعليم العتيق أو الأصيل ، التعليم العصري ، التعليم الحر ) .  و انتهت هذه السنة الدراسية   كذلك دون الإجابة عن اشكالية التعليم في  بلادنا  ، إذ أنه  ظل و  لا يزال يعيش  ازمة  تلو الأخرى .  كما لا يزال يعرف التراجعات على مستوى الجودة في العرض البيداغوجي  والمردودية  التربوية .   و لا يزال  يحتل  المراتب  الدنيا على المستوى العالمي   بالرغم  من حجم الأموال التي رصدت له .
إن عددا  كثيرا من الناس  يقفون عند وزير التربية الوطنية   أو عند الأستاذ أو عند الأسرة دون ربط مشكل التعليم بطبيعة النظام في البلاد ودون ربط النتائج المتواضعة بحجم   الأموال المرصودة لهذا القطاع. الكل يتكلم عن التعليم متهما الاستاذ بالتقصير أو التلميذ بالغش ومعاتبا التلميذ أو الطالب  بالتمرد على الأستاذ ، و لا أحد حاول  تحليل أو تفسير المعادلة  التي تعني  : تعليم جيد  يساوي  تقدم الأمة . أو المعادلة الثانية : تعليم فاسد يساوي فساد الأمة. فأين نحن من هاتين المعادلتين . ؟
 1 ـ إن التعليم في المغرب يفتقد إلى  التوازن بين أسلاكه و الأهداف الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية . و هذه ملاحظات وردت في أكثر من تقرير أممي ( اليونسكو  ، اليونيسيف … ) . ورغم ذلك فإن  الحكومات المتعاقبة ظلت  تتجاهل توصيات المنظمات الدولية و التقارير التي تنجزها الهيئات التعليمية المحلية و الوطنية  و تعتمد فقط  على الإسقاطات الإحصائية و إخضاعها تعسفا لواقع التعليم  ، ذلك من أجل  الاستجابة للسياسة التعليمية المخزنية ، حتى  أصبح التعليم ، بذل أن يستجيب لحاجيات المجتمع ، أصبح يخدم  الرغبات الذاتية   و بالتالي  أصبح  ريعا سياسيا بالنسبة لأي حزب تولى وزارة التربية الوطنية و ريعا اقتصاديا بالنسبة للمسئولين المركزيين و الجهويين . و من تم لم  تعد المدرسة تهتم بالطفل على مستوى التربية و إعداده و  بناء شخصيته و  ضمان اندماجه في المجتمع   حتى يكون  إيجابيا و مبادرا  ، بل أصبحت مسلكا للجهل المقنن من خلال البرامج و المناهج و مجالا لتوليد العنف و التمرد على نفسه و على  محيطه . فالمدرسة التي تشكل رمز الأمة من حيث أهدافها و مراميها في الدول المتقدمة تعتبر خطا احمرا  لكل تلاعب  بمصير الأجيال ، كدول  الدانمرك و ألمانيا و اليابان و فلندى  و كندا و روسيا … ،  كما تعتبر في بعض الدول قاطرة للتنمية و التقدم و المنافسة الاقتصادية مثل أمريكا و ابريطانيا و كوريا الجنوبية والصين . لكن بالنسبة للمدرسة المغربية فهي مجال للتجارب الأجنبية و اللامساواة الاجتماعية بين الأطفال و الأجيال و هي بامتياز مجالا للتخلف و مجالا للفساد .كما أن فضائها مستنسخ من هندسة الثكنات و السجون ، لا يعبر  على اية علاقة وجدانية بين الطفل و المدرسة ، بل هو  فضاء  يعبر عن البؤس التربوي و التخلف البيداغوجي  . فهي في بلادنا جعلوها تجسد تعليما لا يمكّن المتعلم من اكتساب ما يلزم من معارف و تقنيات ومهارات و مبادرات وقيم ومعارف. و بذلك فإنه  يوجد متخلفا  عن  أي تطور أو تقدم من أجل تنمية مستدامة في البلاد ،  أي تعليما  لا يعتبر في مختلف أسلاكه السياق الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و البيئي و لم يستطع بلورة  التعاقد بين العائلة و المدرسة و البيئة الاجتماعية   حتى يعد  مواطنين قادرين على تحمل المسؤولية ، و بقي عبر العقود  التي مرت ، غير مؤهل على تشجيع الديمقراطية و التربية على الحقوق   الوطنية و الواجبات و تعليم و تعلم مدى الحياة . فقد تم حصر العملـيّة التعليميّة / التعلية  في التلقين   التعسفي الذي ينمي مظاهر التخلف ، بحيث إذا تخرج الطالب توقفت عملية التعليم لديه وودّعه  إلى الأبد آسفا على عمر قضاه بين الترهيب الأيديولوجي للدولة و الفراغ الفكري الذي تساهم في تعميقه المدرسة .   
لقد كشفت كل التقارير التي أعدتها المنظمات الدولية من بينها تقرير  معهد اليونسكو أن التعليم في المغرب ظل يعرف تخلفا على مستوى التعميم و التكوين و الاندماج من جهة، و من جهة ثانية على مستوى توفير المهارات التي يحتاج لها التلميذ و الطالب  كوسيلة اساسية في اتجاه التنمية المستدامة . و لم تستوعب الدولة المغربية العبر و الدروس مما تجارب   وصفت  بالارتجالية  على مستوى  البرامج  و إعداد الأطر التربوية بل تبنت برنامجا تحت عنوان البرنامج الاستعجالي  الذي تم فيه نهب ميزانية ضخمة دون نتائج و دون محاسبة  و لا مسائلة . إذن نحن أما تعليم فاسد مما يبثث فساد الأمة
2 ـ فأين نحن من تعليم جيد حتى يكون لنا بلد متقدم ؟
  لقد اتبث الواقع بأن  النظام التعليمي القوي يمكن من الوصول إلى فرص و يساعد في تحسين الصحة و ينمي حس المسؤولية و العلاقات الديمقراطية ويعزز   من متانة وصلابة المجتمعات . فالتعليم القوي المبني على أسس و مبادئ وطنية  و قيم تربوية و علاقات علمية أفقيا و عموديا بين أسلاكه يعزز النمو الاقتصادي  و السلم الاجتماعي ، لأن التعليم لم يعد  يعتـبر غايـة في حـد ذاتـه بـل أصبـح أداة أساســـية لإحــداث التغيــيرات اللازمــة في المعارف والقيم السلوك وأنماط العيش لكفالة الاستدامة. و يعتبر ، فضـلا عـن ذلك  حقـا مـن حقوق الإنسان الأساسية  ،كما عبر عن ذلك  المجلس الاجتماعي و الاقتصادي للأمم المتحدة  سنة 2001 .  و يسعى أيضا إلى   تحقيق السعادة والرفاهية  والعيش الكريم  . و إن الرؤية الجديدة للتعليم   هي الاستجابة لمتطلبات  مجتمع اصبح سريع التغيير و يخضع  للتغييرات التكنولوجية التي تؤثر على كل   من جوانب الحياة.
فالاستهتار بالتعليم كما هو الشأن في بلادنا يعتبر جريمة إنسانية بكل المقاييس، لأن سيدخل البلاد في نفق مظلم من الجهل و الأمية و التخلف. لأنه في هذا الحاضر هو  عملية تدوم طيلة الحياة ، فهي  لا تحتاج إلى إعادة التكييف على حساب الأطفال  ،  بل تحتاج إلى إعادة الهيكلة التي تنسجم مع طموحات البلاد  والإصلاح الذي يضمن   الجودة و المردودية  و يساهم  في التنمية المستدامة بتأهيل الأطر الواعدة دون تمييز  و دون فوارق اجتماعية و لا ثقافية و لا جهوية . و دون ذلك لن تكون لنا أمة جيدة .
 البدالي صافي الدين
رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام بجهة مراكش تانسيفت الحوز والجنوب
القلعة