حسن البوهي

التوزيع اللامتكافئ للثروة بالمغرب

حسن البوهي

حسن البوهي

مسائية الرأي                             ألكسندر دوما: “المال خادم جيد ولكنه سيد فاسد”

طفا على المشهد الإعلامي والسياسي خلال الفترة الأخيرة نقاش حول مصير الثروة بالمغرب وآليات الكفيلة بتقليص الهوة الحاصلة بين المواطنين ذوي الدخل المحدود ومواطني الحظوة أصحاب المال والنفوذ، وقد تزايد التعاطي لهذا الموضوع بصفة خاصة بعد الخطابين الملكيين الأخيرين الذين رغم إثارتهما له، إلا أنهما لم يسفرا عن حلول إجرائية كفيلة بضمان توزيع عادل للثروات، وبوضع حد لنفوذ وسيطرة شبكة أخطبوطية من الأسر التي راكمت من الثروات والامتيازات ما جعلها تتبوأ لقب “مواطنين من الدرجة الأولى” في حين أن هناك مواطنين آخرين  من الدرجتين الثانية والثالثة يعانون بشكل متفاوت من إكراهات غلاء المعيشة اليومية والارتفاع الصاروخي لسعر بعض المنتجات الضرورية،  فقد روجت الدساتير المغربية منذ دخول المغرب غمار التجربة الدستورية (من 1962 إلى  2011  ) مقولة أن “المغاربة سواسية  أمام القانون، لهم نفس الحقوق وعليهم عين الواجبات” غير أن تجليات الواقع المعيشي تثبت عكس ذالك، وترسّخ لممارسات تُحاك خلف الكواليس  تُمكن الأقلية القريبة من دواليب الحكم والسلطة من الاستفادة من امتيازات غير محدودة على حساب أغلبية لا تعرف للامتيازات معنى.

أحكمت أقلية من الأسر المغربية ذات الحظوة قبضتها على الاقتصاد والسياسة، وسيطرت على شؤون المجتمع، وفرضت عليه مختلف أشكال الوصاية، مُصادرة حقه في تسيير  وتدبير قضاياه المصيرية، وتوارث أبناؤها جيلا بعد جيل مجموعة من الوظائف المرموقة والمناصب الحساسة، وتستمد هذه الأسر النافذة  قوتها من خلال :

1-    النسب: الذي يعتبر عنصرا أساسيا وشرطا مُؤسسا في الانتماء إلى أصفياء الأسر المهيمنة على الحقلين الاقتصادي والسياسي، ولعبت الزيجات دورا مهما في بروز تحالفات عائلية تمكنت من المساهمة في صنع القرار، وفي تحديد شروط المرور إلى دوائر النخبة التي توارث أبناؤها خدمة سلاطين المغرب، ومن ثمة احتكرت العديد من العائلات الفاسية والرباطية أهم الوظائف في المغرب منذ عهد السلطان “الحسن الأول” – حسب علي بن حدو صاحب كتاب النخب المغربية- فنفوذ أل الفاسي يعود إلى فترة حكم السلطان “مولاي سليمان” الذي جعل منهم أواخر القرن 18 الميلادي وبداية القرن 19 م  بطانته المفضلة من خلال تسهيل معاملاتهم التجارية، وتفرعت عن هذه الأسر أسماء أخرى ك: “بنسودة، بنسليمان، المقري، الجامعي…

2-    المال: يعتبر من أهم شروط الوجاهة الاجتماعية، وهو بمثابة الجسر المؤدي إلى فضاء النخبة، فبعض العائلات تخصصت منذ زمن طويل في ممارسة التجارة  كعائلة “التازي” التي عرفت بإدارة المالية منذ القرن 19 م.

3-    المدرسة المولوية: فرضت بعض النخب في مشهدنا السياسي والاقتصادي وجودها من خلال الانتماء إلى المدرسة المولوية، التي يدرس فيها الأمراء وأبناء المقربين من القصر، فوُكّلت لهم ملفات حساسة و شغلوا وظائف مهمة ومؤثرة، وفي هذا الإطار برز كل من “فؤاد عالي الهمة” مستشار الملك وعرّاب حزب الأصالة والمعاصرة، و”نور الدين بنسودة” مديرا للضرائب، و”ياسين المنصوري” في قسم الاستعلامات، و”حسن أوريد” الناطق الرسمي السابق باسم القصر الملكي،  و”محمد منير الماجيدي” مدير أعمال المؤسسة الملكية.

إن التفاوتات الاجتماعية في توزيع الثروة التي يعرفها المغرب نابعة من بنية نظامه الاقتصادي الذي تسيطر عليه لوبيات معينة، كما هو الشأن مثلا في القطاع البنكي، القطاعي العقاري، القطاع الفلاحي… الذي تحتكره شركات بعض الأسر بما فيها الشركات التابعة للأسرة الملكية، وفي هذا السياق تصدر المشهد الاقتصادي المغربي مجموعة “فيتانس كوم” التابعة لعائلة عثمان بنجلون، ومجموعة “إينا هولدينغ” التابعة لعائلة الشعبي، ومجموعة “أكوا” التابعة لعائلتي أخنوش وواكريم، ومجموعة “الضحى” لعائلة الصفريوي، ومجموعة “صوفيبار كوفيمار” لعائلة كريم العمراني، ومجموعة “سوبار” التابعة لعائلة الكتاني…

لقد ساهم اقتصاد الريع وسياسة الخوصصة التي عرفها المغرب خلال فترة الثمانينات من القرن الماضي في إهدار ثروات طائلة، إذ صبت لصالح لوبيات تسببت في إفلاس القطاع العمومي الذي تم عرضه للبيع، ولعل فضيحة “كومناف” خير مثال عن كيفية التفاف أصحاب النفوذ على المقاولات العمومية لكي يتم دفعها نحو الخسارة ثم العمل على شرائها فيما بعد، بالإضافة إلى أن تسارع عمليات الخوصصة سارت بشكل موازي مع تعمق ظاهرة الفساد ونهب المال، كما هو الشأن بالنسبة لفضائح: صندوق الضمان الاجتماعي، القرض الفلاحي، وكالة المغرب العربي للأنباء، القرض العقاري والفندقي…

انفرد أبناء عائلات الحظوة بأعلى المناصب وشغلوا أهم الوظائف و تبوؤا أرفع المراكز الاجتماعية، وتوارثوها أبا عن جد في سيرورة لا يعرف أحد متى ستنتهي، في حين أن المحظوظين من أبناء عامة الشعب خريجي الجامعات ومعاهد التكوين الوطنية (التي أكل عليها الدهر وشرب) يُعيّنون في أحسن الأحوال بإحدى الإدارات العمومية بدخل بسيط لا يكاد يغطي حاجياتهم الضرورية، أو يتم تجنيدهم في سلك القوات العسكرية أو في قوات الأمن العمومي… والمثير أن هذا التوظيف يتم في بعض الأحيان بعد سلسلة تدخلات أخطبوطية تندرج في إطار شبكتي المحسوبية و الزبونية التي تسيطر عليها شخصيات نافدة، أما أصحاب سوء الطالع فمازالوا يكابدون مرارة البطالة التي وصلت حسب المندوبية السامية للتخطيط إلى نسبة 9.1% من الساكنة النشيطة، 25% منها في صفوف الشباب حاملي الشواهد الجامعية، الذين فقد البعض منهم الأمل في الحصول على الوظيفة فاتجه إلى ممارسة مهن وحرف يدوية لا علاقة لها بتكوينه وخبرته العلمية، فتبخرت ثقافته و ضاعت مؤهلاته في غمرة هذه المتناقضات، كما انتقل المغرب من الرتبة 128 حسب الدخل الوطني الخام إلى الرتبة 132 من مجموع 208 دولة المصنفة في المراتب الدنيا على مستوى الدخل في العالم، واحتل المغرب الرتبة 124 ضمن لائحة 173 دولة حسب تقرير الأمم المتحدة للتنمية، فهو مرتب حسب هذا التقرير في الثلث الأخير الذي يضم الدول الأكثر فقرا في العالم، كما أن تقرير المنتدى الاقتصادي الذي يهتم بمستوى التقدم أو التراجع في مستوى القدرة التنافسية، صنف المغرب في مؤخرة الترتيب برتبة 61 ضمن لائحة 102 دولة، وأكثر من ربع المغاربة يعيشون تحت عتبة الفقر بإنفاق اقل من دولار واحد في اليوم…والمفارقة الكبرى هي أن تديل المغرب للتصنيفات الدولية لا يتناسب مع ما يتوفر عليه من إمكانيات وثروات طبيعية، إذ يحتل الرتبة الأولى على الصعيد العالمي من حيث إنتاج الفوسفاط، كما أن سواحله البحرية تعد من أحسن السواحل على الصعيد الدولي لتوفرها ثروة سمكية مهمة تسيل لعاب الأسواق العالمية والأوربية منها على وجه الخصوص.

    أكد عالم الاقتصاد الراحل “محبوب الحق” أن الناس هم الثروة الحقيقية للأمم، و”ثروة مغرب الألفية الثالثة” هي موارده البشرية، لذا وجب أن تستغل الثروات الطبيعية من أجل تأهيل وتكوين الثروة البشرية وضمان العيش الكريم للمواطنين على قدم المساواة، وتلافي كل ما من شأنه أن يساهم في غرس بذور الإحساس بالاغتراب داخل وطنهم و يدفع بهم إلى براثين الانحراف وغياهب التطرف الذي قد تأتي في أسوأ سناريوهاتها على الأخضر واليابس.

 

حسن البوهي

 

اضف رد