الجماعات الارهابية وسؤال الهوية

المسائية العربية          محمد السعيد مازغ        

الجماعات الارهابية وسؤال الهوية

 

        

محمدالسعيد مازغ

ما يقع من فتن وقلاقل وجرائم ضد الانسانية داخل بعض المجتمعات العربية والأفريقية والإسلامية عموما، لا يمكن اعتباره مجرد ظاهرة عابرة أملتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ازدادت سوءا واستفحالا في السنين الاخيرة رغم ما تتوفر عليه معظم هده الدول من ثروات طبيعية وطاقات شابة و نشيطة، تملك القدرة على الانتاج والعطاء والإبداع، وتتوفر على الامكانيات المادية والمعنوية التي لو استغلت بالشكل السليم، وبالطرق العقلانية، لكانت كفيلة بتأمين مستوى العيش الكريم لدى جميع المواطنين وأيضا لساهمت في التنمية الاقتصادية والتطور العلمي ولقضت على الفقر واتساع الفوارق المجتمعية بين ابناء وطن واحد.

 

ما يقع داخل المجتمعات العربية والاسلامية في اعتقادي الشخصي هو نتاج مجموعة من العوامل، ساهمت فيها بشكل كبير الطبقات الحاكمة التي انزاح بعضها عن خط الديمقراطية وحقوق الإنسان واختار الاستسلام إلى إملاءات الصندوق الدولي ورهن حاضر ومستقبل العباد وخيرات البلاد ، وسن سياسة التعتيم والتسويف والارتجال ، إلى جانب بعض الأطراف التي تسعى إلى تصفية الحساب مع الخصوم السياسيين او المذهبيين واللاهثين وراء كرسي الرئاسة ، وأيضا ما يختزنه تراثنا الفقهي وفكرنا الديني من عبارات التطرف والهمجية المقيتة المتعطشة التي لا تخلو من دعوات لقتل الأبرياء وجز الرقاب وسبى النساء وبيعهن جواري باسم الدين وبتشريع من الفقه الموروث عن عصور  الانحطاط …عامل آخر، لا ينبغي تجاهله، وهو تلك الجهات الاجنبية التي ارتبطت مصالحها ونسبة من نموها بالاستغلال البشع لثروات وموارد وطاقات الدول العربية والافريقية والاسلامية، وبالتالي اصبحت ترى انه ليس  من مصلحتها ان تحصل تلك الدول على السيادة الكاملة، وان تتحكم في قراراتها وتتصالح مع مواطنيها وتصون مواردها و ثرواتها ، وبدلا من ان تدخل في المواجهات المباشرة، وان تتحمل عبء ما يترتب عن  ذلك من تداعيات مجهولة النتائج، ارتأت خلق ودعم جماعات من الشباب الغاضب، القادر على زرع الفتن والقلاقل، والخوف والفزع في النفوس، وتكفلت بتوفير الغطاء الاعلامي، و التمويل المادي والدعم اللوجستيكي، حتى اذا استوفت الجماعات الارهابية الشروط التي خلقت من أجلها انقلبت المحبة عداوة، وأعلنت الحرب عليها ، واستعملت القنابل والصواريخ والطائرات والمدافع، وكما هو متعارف عليه فالحرب تقع دائما خارج حدود الدول المصنعة للسلاح والعتاد الحربي، وان المعارك الشرسة تقع فوق رؤوس المدنيين العزل، والأحياء السكنية التي تضم النساء والاطفال والعجزة، ولا أحد يستنكر موت المئات والآلاف من الاطفالوالنساء والابرياء، ولا احد يود معرفة مصدر تموين تلك الجماعات الارهابية التي استطاعت ان تهزم جيوشا نظامية قبل المواجهة.

 

والأنكى من ذلك والأمرّ، أن بعض الشباب وأغلبهم يتوفر على مستوى تعليمي متواضع، ومن أسر ينهشها الفقر ، أو تخيم عليها الاضطرابات والانقسامات الاسرية، سرعان ما يقعون ضحية وعود تلك الجماعات التي تعد المنتسبين إليها من خادمات البيوت وطلبة وحرفيين وابناء المهاجرين بمدهم بالأموال، و تأمين مستقبل اسرهم في حالة الاستشهاد او الاعتقال… ، كما تستهويهم تلك الخطابات وتوهمهم بالنصر القريب وتعدهم بنشر الاسلام الصحيح والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، و تسعى أيضا إلى إقناعهم بأن ما يقومون به هو الجهاد الحقيقي، وما يقوم به الغير هو الكفر والإلحاد، وان السبيل إلى الإصلاح هو الجهاد في سبيل الله، وقتل وسرقة كل من انحرف عن السراط المستقيم، وأن اموالهم ودماءهم وازواجهم حل على المجاهدين، وغيرها من الادعاءات والدعوات التي جعلت من الدين عباءة لاستنفار تلك العقول والقلوب الغضة ومطية لتكليب الشباب على اوطانهم، ودفعهم لارتكاب الجرائم والتخريب وضرب اقتصاد البلاد،وذلك من أجل إضعافها وتمكين العدو من استباحة مجالها ونهب خيراتها.

وقد يقول قائل أن هذا الواقع أضحى مستوعبا لدى الجميع، وان المهم ليس تشخيص اسباب الظاهرة والبحث عن مسبباتها، ولكن إيجاد حلول واقعية تجعل الشباب في منأى عن ايدي الجماعات الإرهابية، وأيضا اكثر تحصينا من الافكار التخريبية ، وأكثر تشبعا وارتباطا بالوطن والوطنية، فنجيب ان الحلول بأيدينا، وكل واحد له جرد من الإيجابات المقنعة والصائبة، إلا أن مشكلتنا أن كلاّ  منا يلغي ـ”بلغاه “ـ ، في غياب برامج توعوية جادة، وإعلام مواطن متخصص، وضعف مؤسسات الدراسات المستقبلية، وغياب الحوار بين كل مكونات المجتمع فلا من يلتفت إلى صوت الشعب، ولا من يعير بالا لآراء المواطنين والشباب منهم على الخصوص،وغيرها من المهام التي تجعلنا نتقاسم المسؤوليات، وننفذ التوصيات، وننأى بأنفسنا على ان ينطبق علينا قوله تعالى:”بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل “، وأخيرا اليس من حقنا أن نتأمل او نعلم أن تنظيم القاعدة قتل أشخاصا من جميع الجنسيات الكرة الأرضية ما عدا الاسرائليين، وان هدا التنظيم يوجد في كل بقاع العالم تقريبا سواء بنشاط مسلح أو كخلايا نائمة عدا فلسطين المحتلة…؟!

 

اضف رد