الحركة الصوفية المغربية وامتدادها بالمحيط الإفريقي

المسائية العربية

 م رشيد السيدي

من المعلوم أن المغرب كان منذ القدم مهد الحركة الصوفية التي ارتوت بها البقاع الإفريقية المحيطة به، لأنه شكل بوتقة صوفية، ومشتلا للعلم، لما كان فيه من مراكز ذات إشعاع علمي وروحي، تنشر بظلالها على محيطه؛ كرباط شاكر، وجامع القرويين وجامع ابن يوسف.. والتي كانت مقصد القاصي والداني، ولما عرفته من تداخلات وتواشجات بين مختلف الأجناس خصوصا الإفريقي منها.

فالبحث في حركة التصوف المغربي في علاقته بالبلدان الإفريقية هو بحث في تراث مشترك وفي الباطنية الروحانية لهذه المجتمعات.

فهذه الحركة نحو الفضاءات الشاسعة لبلدان الجنوب والشرق تتغيا إنماء حركة صوفية شاملة، لترسيخ مبدأ التعايش الاجتماعي والأخلاقي، والأمن الروحي، فهي رؤية تتجاوز حدود توطين الفكر و ربطه بزمان ومكان محددين.

فالزيارات المتبادلة، والأسفار، والرحلات وتجوال السائحين، والركب الحجازي… كلها عوامل وطدت العلاقة بين المتصوفة المغاربة ومريديهم بالبلدان الإفريقية. مما كان سببا في تمتين عرى التواصل، وتسجيل الهوية الإسلامية بصبغة روحانية في أوساط هذه الشعوب على الرغم من التفاوتات في القناعات والسلوكات والقيم والعادات والاختلاف اللغوي.

إن المدخل الأساس لخلق هذه الحركة وانتشارها الذي ارتكزت عليه هو: نشر العلم، فترسيخ وتثبيت التعاليم الدينية بهذه البقاع لا يتم إلا بحركة علمية وتوعوية، لذا فالمتصوفة كانوا يشيدون الرباطات والحلقات والمجالس للعلم والأذكار والإمتاع الروحي، من خلال تنقلاتهم وأسفارهم، يقول أبو سالم العياشي عن الشيخ محمد بن ناصر:” وكان الشيخ في سفره هذا وفي غيره لا يخل من درس العلم وإقراء المتون، وإملاء الفنون”[1].

ومن بين هؤلاء الشيوخ، أشير إلى ابراهيم الدرعي السباعي صاحب كتاب “الشموس المشرقة في أسانيد المغاربة والمشارقة”.

الذي كان يعقد حلقات علمية بتنبكتو، والسودان ومصر، وكذلك الجيلالي بن أحمد بن سيدي المختار السباعي الذي نظم رحلة جهادية لمواجهة المد الصليبي ببلدان شمال إفريقيا وأسس رباطا علميا بأرض أحكاز بصعيد مصر. وكلا الشيخين من أقطاب الطريقة الناصرية كما كان لهما الفضل في التدريس بكل من القيروان والأزهر وامتد نشاطهما إلى تربية المرشدين وصقل نفوسهم بالأذكار والأوراد، وتوجهوا إلى محاربة مظاهر الفساد وبعض الانزلاقات التي أصابت العقيدة الإسلامية.

ولقد نشطت هذه الحركة في العديد من البلدان الإفريقية مما رسخ مكانتها و”انتشرت في الصحراء الشرقية والسودان الشرقي والغربي وتونس وطرابلس ومصر وغيرها من البلدان الإفريقية”[2]

كما كان للشيخ أبو زيد الطاهر بن عبد المعطي دور في تنشيط الحركة العلمية بنفحة صوفية درقاوية بزاوية توات بغرب الجزائر، ولا يزال نشاطها إلى يومنا هذا.

وقبلها زاوية عين ماضي ممثلة في الطريقة التيجانية بجنوب الجزائر. ونشطت الطائفية العمرية والتي هي من فروع التيجانية بالحوض السينغالي. التي قاومت الحركات التبشيرية بإفريقيا السوداء. كما شكل الركب الحجازي محلات صوفية خصوصا بالنسبة للحركة الناصرية:”في حين ارتبط نفوذها الصحراوي بالتجارة القارية في اتجاه السودان مرورا بالواحات الجنوبية وعبر السوس وبلاد درعة وسجلماسة”[3].

ومن الأعلام الذين كان لهم دور في نشر الطريقة التيجانية الحاج علي حرازم برادة ببعض البلدان الإفريقية بعدما أذن له شيخه سيدي أحمد التيجاني بذلك: يقول الدكتور أحمد بوكاري: :” أذن له شيخه في السفر إلى المشرق قصد الحج ثانية والدعوة للطريقة ونشر مبادئها، فاستغل مروره ببلاد تونس ومصر وتلمسان وغيرها للقيام بهذا العمل- بقصد ترسيخ الطريقة التيجانية- ومن أبرز الشخصيات التي تتلمذت عليه في هذه الرحلة: الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي” [4].

فأغلب هذه الحركات والطرق الصوفية، عرفت امتدادات في الأوساط الإفريقية، انطلاقا من أرض المغرب والصحراء إلا أنها ازدهرت أكثر، واشتد عودها ببلاد السينغال لوجود قابلية من قبل أوساطهم الاجتماعية والسياسية لذلك فعملية التلقي الفكري والروحي لاحتضان التيارات الصوفية، كانت مستساغة. ولكون شيخ الطريقة أصبح في السينغال هو صاحب الحل والعقد في كل القضايا حيث حل محل رئيس القبيلة،وامتلك كريزما أهلته لبسط نفوذه.

فقد انتشرت الزوايا في أغلب المناطق السينغالية حيث توجد زوايا قادرية وتيجانية ومريدية… وتعد الزاوية، التيجانية هي حجر الأساس لمكونات الحركة الصوفية والطرقية بأرض السينغال. وإلى اليوم، لأنها عرفت انتشارا واسعا حيث نجد الزاوية التيجانية “بتواون” التي أسسها الحاج مالك سي عام 1902. والزاوية العمرية والزاوية المريدية..الخ

وقد اعتمدت الطريقة التيجانية في ترسيخ مبادئها على العملية التعليمية، بإدماج المناهج الممزوجة بالقيم الروحية سواء للتلاميذ والطلبة بالمدارس أو للفقراء بالزوايا والرباطات، ولقد حظيت هذه الزوايا وخصوصا الزاوية التيجانية بريع اقتصادي كبير بامتلاكها لضيعات فلاحية وأماكن تجارية. جعلها تشكل رقما اقتصاديا مهما داخل البلاد. مما دفع بأهل الشأن العام إلى استثمارها سياسيا، لاستمالة مريديها وأتباعها،واستغلال نفوذها.

وهذه الحركة الصوفية الممتدة نحو البلاد الإفريقية عرفت بالمقابل حركات ارتدادية وتداولية في اتجاه المغرب حيث بدأ يتوافد على المغرب العديد من أتباع هذه الطرق في إطار الزيارات المتبادلة أو من خلال سبي وتهجير بعض العلماء وإبعادهم عن موطنهم الأصلي. مثل ما وقع للشيخ أحمد بابا التنبكتي. الذي تشبع بالمذهب المالكي والفكر الصوفي، والذي شن حملة ضد أحمد المنصور الذهبي لاحتلاله تنبكتو. وتفرض عليه الإقامة الجبرية. ومكانته العلمية أهلته ليدرس بمسجد الكتبية بمراكش، وساهم في ازدهار الثقافة الإسلامية. ومال المريدون كثيرا إليه، حيث أسس مدرسة علمية بدرب الحمام بحي المواسين بمراكش، وتخرج على يده جم غفير من العلماء منهم: ابن القاضي: صاحب “جذوة الاقتباس”.

وقد أشار أحمد بابا التنبكتي إلى طبيعة هذه الحركية بين المغرب وإفريقيا السوداء في كتابه:” معراج الصعود إلى نيل مجلب السود”، والذي يشير فيه إلى ضرورة رعاية المسلمين الأفارقة، وعدم استرقاقهم، وتربيتهم تربية روحية كما تلقاها هو على يد المشايخ وأقطاب الحركة الصوفية المغربية.

ونجده في كتبه التي تربو عن الأربعين كتابا[5] والتي كتبها بمراكش يشير في معضمها، وخصوصا في ترجمته لشيخه بغيغ، عن انسجام التربية العلمية والروحية بين المغرب وأغلب بلدان جنوب الصحراء من حيث البرامج والمناهج.

وعلى العموم فقد استطاعت هذه الحركة الصوفية فتح طريق سيار بين المغرب وبلدان جنوب الصحراء، في إطار التواصل المعرفي، والمجاهدة الصوفية في التطهير السلوكي، ونبذ الاختلاف وإرساء أسس القيم الروحية النبيلة بين هذه الشعوب.

 

م رشيد السيدي

عضو النادي الأدبي بمراكش

 

[1] – أبو سالم العياشي: الرحلة 1/96

[2] – الحركة الصوفية وأثرها في أدب الصحراء المغربية (1800- 1956) ص: 156

[3] – الدرر المرصعة ص:12

[4] – الإحياء والتجديد الصوفي في المغرب ج2 – ص61.

[5] – ورد ذكرها في :فهرسة المراكشي” وبعضها ذكر في كتاب :”فتح الشكور في معرفة أعيان وعلماء تكرور” للعلامة الولاتي، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر،ط1- 1981 تحقيق محمد إبراهيم الكتاني ومحمد حجي.