محرير

الحرية، المساواة والعدل :” وتواجدهم المشترك بين الأنوار والبردايم الحالي “

Untitled 5للمسائية العربية 

بقلم : عبد الاله محرير

–      هل يمكن التنظير في البناء السليم للمجتمع الديمقراطي دون ضبط مفاهيم الحرية، المساواة والعدل؟ وكيف يمكن نسج وتليين شبكة الروابط بين هذه المفاهيم، على مستوى الممارسة؟

يقاس مستوى استقرار وتقدم المجتمع بمدى تفاعله مع هذه المفاهيم، وتراكم خلاصات نقاشاته الكبرى حولها، دون إخضاعها كليا، لمنطق الخصوصيات الذي يفقدها معناها الإنساني الكوني. وإذا كانت عدة معيقات تربك تواجدها المشترك على أرض الواقع، فذلك يرجع إلى استمرار إنتاج الثقافات الكابحة للحرية، وتواطؤ ثقافة غض النظر، والتجاهل التضامني بين نسبة كبيرة من الأفراد داخل المجتمع، بمنطق حق المساواة في ممارسة التعسفات والتجاوزات، وحتى الحماقات.

لا يمكن الكلام عن مجتمع ديموقراطي حداثي دون مواطن حر، والمواطن الحر هو الذي يكتسب الحق والقدرة على أن يتساوى، وفي نفس الوقت تكون له الإرادة والرغبة الطوعية لقبول التساوي، علما أن المساواة لا تعني تنازل البعض عن مكتسباته الناتجة عن إرادته واجتهاده وإبداعه، بل تتطلب إٍرادة واجتهاد الآخر واستعداده للارتقاء.

الحـــريــة

لا يعتبر الإنسان حرا إلا إذا كان أمام اختيار، لكن فيما  وأينما  وكيفما يجب، دون أن تصطدم عفويته بالإكراهات الخارجة عن إرادته. وإذا سلمنا بأن الحرية جزء لا يتجزأ فيجب تحديد   مجالات ممارستها، والبحث فيها.

مثلا في الليبرالية الاقتصادية، فالحرية تؤدي حتما إلى وضعيات احتكارية لا تطاق، ليس فقط على مستوى الأفراد حيث استفحال الفوارق الاجتماعية، بل وحتى على مستوى المجتمعات حيث أدت إلى وجود جزء من العالم يعاني من الفقر والجهل والبؤس. وعكس ذلك في الاقتصاد الممركز، فالحرية تقود إلى الشمولية المفرطة. حيث تكون الجماعة كل شيء والفرد لاشيء.

هل مبدأ الحرية يسمح لجماعات متطرفة أو فاشستية بممارسة مشاريعها لتهديم الديمقراطية؟ وهل مبدأ الحرية يسمح للفرد بالمس بالأخلاق  والقيم والمصالح  المشتركة العليا في مجالات عدة خصوصا، الثقافة والفن والإعلام والبيئة؟

لكن ماذا تعني الحرية إذا  كان غير مسموح بممارستها، وأن  تكون الكوابح المجتمعية العشوائية تعرقل وتكبت  عفويتها وتلقائيتها، هذا يعني أن ليس فقط، للحرية حدود، بل كذلك يصعب تحديد مجالات ممارستها، ما يجعلها مثل الحقيقة، أي أنها ليست موجودة، بل يجب البحث عنها حيث تثمن وتقدر بممارستها. وليس اعتبارها مطلقة وتؤطر بالبحث عن التقليص منها لتحقيق المساواة.

المســاواة

تعلق الأمر بالحالة الصحية، بالقوة البدنية، بالذكاء أو بالوسط الاجتماعي وشروط العيش، فكل هذا يعني فوارق، منها ماهو في حكم الطبيعة، ومنها ما يدخل في شرط القدر. وإذا كان ج ج روسو J.J Rousseau قد توسع في فكرة أن الطفل حين ولادته يكون لا شيء، وقد يصبح كل شيء، فإن علماء الجينات قد بينوا أن الميزات الخصوصية تبقى وراثية، إلا أن هذه المقاربة في تفسير السلوك البشري، ليست كليا خاطئة ولا شموليا صحيحة، لأن لا أحد يجادل في أن المحيط الذي ينشأ فيه الطفل يؤثر على كينونته ومآله. ولا أحد كذلك، ينفي أن الإرادة المرتبطة بالذكاء تمكن من اجتياز حواجز المحيط وتقود إلى الثورة ضد القدر، وبالتالي تغيير مسار حياته.

 إذا كان يتضح أن المساواة لا توجد، فيجب الإقرار بأن هذا ليس إلا رؤية روحية لأن مجال القانون جدير بخلق شروط إيجاد الحق في المساواة، لكن أي قانون؟ طبعا القانون الذي يسري على الجميع، يحمي قبل أن يعاقب، ولايعترف بالامتيازات إلا إذا كانت نتيجة القدر والكفاءة والمهارات، مضمونة لا يغيب معطيات المكان الذي ينبثق منه ويعدل بمجرد بروز تطور أو ظلم وحيف ما.

 على هذا الأساس يمكن القول أن المساواة لا يمكن أن يكون لها وجود على مستوى الممارسة إلا بسيادة العدل وضمانة القانون، لذالك فهي مفهوم نسبي ومتحرك يرتبط بالتطور والتراكم. .

العـــــدل

نتسائل عن عدل، يصدر عمن، في حق من، ونسبة لماذا؟

  تعددت مفاهيم العدل زمانا ومكانا وأخذ أشكالا عدة ومختلفة في المجتمعات لكن عمليا، تعلق الأمر بالتشريع أو التطبيق، فالعدل يصدر عن أشخاص يشترط ألا يكونوا أطرافا، ينطقون بأحكام يفترض أن تنبثق عن قناعة عميقة ومجردة، بالنظر إلى وثائق  وأقوال نزيهة ومطروحة بصدق، وذلك في إطار قانون يعكس ضمير جماعي يوضع في سياق الإيديولوجية السائدة، يتطور ويختلف حسب البلدان والأوان، لذلك فهو نسبي. ومتحرك بين الفردي والجماعي، أي بين الأحادي والمشترك، حيث يشكل الخيط الرفيع بين الحرية والمساواة، فبقدر ما تمتد مساحة الحريات المشتركة، يتقلص سلم الحريات الفردية، لكن كلما تعززت الحريات الفردية تتقوى الحريات المشتركة وتتحصن، لأن تحصين الفرد ينتهي بتحصين الجماعة. هذا التفاعل بين الفردي والمشترك يحكمه التوازن الذاتي للفرد بين، من جهة، حيوانيته و ” خاميته”، حيث لا يجد التوازن إلا إذا بلغ حده وفعل أقصى ما يمكنه فعله، ومن جهة أخرى، إنسانيته وتحضره، حيث يجد توازنه في أرقى و أسمى ما يمكنه فعله، في إطار القيم المتعارف عليها.

فالعدل إذن هو المؤطر والمنظم والفيصل في تدبير هذه العلاقات المتشابكة، لكن يجب الانتباه إلى أن التحولات تفرض على كل المجتمعات مراجعة وإعادة تقييم بعض الحريات المشتركة، بالنظر إلى أن ما يبررها لم يعد قائما.

لقد لامسنا عدم عدالة الليبرالية لأنها تعزز الحريات الفردية وتنفي تساوي حقوق الفرد، لكن هل يجوز باسم العدالة، إنشاء المساواة بإلغاء الحرية؟ لا مسنا كذلك، أنه لا يمكن للإنسان أن يكون حرا إلا في إطار تطبيق قانون متفق عليه بحرية، وبالرغم من ذلك، فلن يكون منصفا إلا إذا كان مقبولا ليس فقط، على مستوى الفرد بل وكذلك بمراعاة مصالح مجموعات من الأفراد.

–      في مجال الأخلاق والقيم، هل يجوز باسم الحرية أن ينتصر الخطأ والشر؟

–      في مجال العلم والمعرفة،هل يجوز باسم المساواة أن يستوي الذين يعلمون مع الذين لايعلمون؟

–       في مجال حقوق الإنسان، هل يجوز باسم العدل، أن يصدر الإنسان أحكاما بسلب الحياة من الإنسان؟

الاختلالات المركبة التي تحملها هذه التساؤلات تجد حقل إصلاحها في انسجام وتماسك هذه المفاهيم ببعضها، حيث تخلق ظروف تواجدها المشترك، بل وتحويلها من الممارسة الإجرائية التي تقود إلى التعامل مع القيام بالواجب كمجهود متعب ومرهق، وتؤدي إلى اعتبار العدول عن الممنوع كقمع وكبث للحرية، إلى الفعل الثقافي المؤدي إلى سيادة سلطة معنوية داخل المجتمع تحمي وتحصن الفرد والجماعة، لتصبح العفوية، بصفتها أهم الحريات الفردية، متناغمة مع المشترك ولا تصطدم مع حرية الأقرب.

إذا كان اصطدام الحريات يؤدي إلى الارتداد ويفرز عوامل التأمل، فإن الحوار  والتناغم هما أحد المحركات للتواجد المشترك لهذه المفاهيم على مستوى الممارسة حيث يكون العدل هو نقطة الوصل بين الحرية والمساواة. ” الحرية عبارة عن إرادة بين حواجز ثابتة، وهذه الحواجز تتنوع حسب الزمان والمكان” هكذا وصفها ” إمانويل” كانت “Kant”، معتبرا أن الشخص وحده جدير بالاحترام.

 

من المساواة إلى الانصاف

يفترض أن التحولات التي تعرفها الإنسانية في ظل البراديم الحالي ستنعكس على هذه المفاهيم وستؤثر نسبيا في مضامينها، لكن ليس إلى حد ثورة فكرية، لكن هناك على ما يبدو مشروع فكري جديد يؤسس لوضع نموذج للديمقراطية مثالي وعقلاني في آن واحد، كما يعتقد منظروه، ومن أهم المساهمات خلال العقدين الأخيرين، تطفو نظرية العدل لدجون راولس “JONN RAWLS“.

هذه النظرية بقدر ما تساير التطور، تعطي لمعانا جديدا لموروث فلسفة الأنوار، بل ويعتبرها البعض كامتداد لفلسفة التعالي الكانتية ” kantien Transandantalisme” ولنظرية العقد عند ج ج روسو، لوك، و إيمانويل كانت، لكنها تتميز بتكسيرها لبعض المفاهيم لها علاقة وثيقة بالحرية والمساواة والعدل، حيث تعتبر أن النفعية ” L’utilitarisme” في طبيعتها  تشــرعـن  العنف والظلم، وأن التضحية أوالقربانية لاتمث للعدل بصلة، ولاتعترف بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة. ومايزيد نظرية راولس مثالية، هو أنها تجعل العدل خاضع للخير وليس العكس، لأن الخير هو الذي يبرر وجود العدل، وأن دولة الرفاه “L’état providence”، وحدها الموكول لها مسؤولية التقليص من الفوارق البيولوجية على أساس أنه ليس عدلا أن تخلق أشخاص بقدرات عقلية وبدنية أقل من الآخرين، لذلك، فإلغاء الوضعية البيولوجية يشكل شرطا أساسيا لتحقيق الحياد الضروري من أجل وضع قواعد عادلة لهيكلة المجتمع، وبالتالي يفقد مفهوم المساواة مكانته أمام مفهوم الإنصاف، ويلاحظ مفعول هذه النظرية على مستوى الممارسة بثقافة الاهتمام والتضامن تجاه المعاقين وذوي الاحتجاجات  الخاصة، أما عن اللامساواة الاجتماعية، فلا شيء يبررها سوى الإنتاجية. وخلق مناصب الشغل، وتحسين الوضعية الاجتماعية، والمساهمة في الاقتصاد. حيث لا يجوز للعدل أن يمس بالحرية كمبدأ جوهري للإنسانية مرتبط بالمصلحة والطموح. ولا يجوز للحرية أن تتحدى العدل وتخلق التفاوتات غير المبررة.

هل “نظرية العدل” لراولس صالحة للإنسان في كل مكان أم أنها لا تعني ذلك الجزء من العالم الذي يعاني من التخلف والفقر والجهل ؟ وهل يمكن إنشاء مجتمع عادل ومستقر لمواطنين أحرار ومتساوين وهم منقسمين في العمق بسبب المذاهب الفلسفية والدينية والأخلاقية، بل وحتى الخرافية.

وأمام بعض المتغيرات في هذه مفاهيم  بفعل التحولات، فإن تواجدها المشترك والمتشابك بشكل رفيع، يرتبط بالتنمية الثقافية للمجتمع من أجل ثقافة وطنية إطار، تتغذى بالعقل وتحصن بالفكر، وتتطور بالإبداع، وإعادة النظر في الثقافات الجامدة والسلبية التي تعرقل التواجد المشترك لهذه المفاهيم، و تعطل السير الصحيح للمجتمع.

اضف رد