الخوف والتخويف وأثرهما العكسي في المجتمع

المسائية العربية

بقلم ذ محمد السعيد مازغ

 

ارتبط الخوف والتخويف بالعديد من المظاهر التي زرعت كشتلة في مخيلتنا منذ الصغر، وتهيأت لهما التربة ليستمرا ويتطورا ويتشعبا في ذواتنا كأغصان شجرة مورفة تمتد ظلالها خارج حدود الادراك الذي يمكن للعقل ان يحدد معالمه، او يحصره في زاوية معينة، كان الظلام او العتمة عنصرا أساسيا للخوف، لما يخفيه من طقوس يختزنها اللاوعي والتي تتجلى في وجود الغول وعيشة قنديشة، والجن والعفاريت، واللص بو خنشة وغيره ..

كما كان التخويف بمثابة قرص فعال لتهدئة الأعصاب، وقطع الطريق على تلبية مطالب الطفل المشاغب الذي يتغيى في بعض الأحايين التخلص من مراقبة الأسرة وقيودها، أو قمع شيطنته والحد من تحركاته المزعجة، لذا كانت بعض الامهات تلجأ إلى أسلوب التخويف اعتقادا منها ان الطفل حين يكبر، سيصل الى مرحلة التمييز بين الصدق والكذب، وبين الواقع والاسطورة، ولا يخطر على بالها أن يكون لذلك أثر على نفسيته وشخصيته، علما ان مسلسل الخوف والتخويف لا ينقطعان مع اكتشاف الطفل مجموعة من الاكاذيب التي كانت تلاحقه، وتأكده من أن ظلمة الليل لا علاقة لها بالاوهام التي ترسخت في ذهنه، وان عليه لكي تستمر حياته طبيعية ودون تعقيدات تذكر، أن يقوم بغسل الذاكرة من الفطريات التي عششت فيها، ويغربل أفكاره مما علق بها من صدإ ويضع مسافة بينه وبين الشائع من معتقدات العوام، وبمعنى آخر، عليه أن يحارب الجهل في نفسه، الذي يدفع به الى الخوف وفي هذا يقول لعبد الرحمن الكواكبي في كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد :“  أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف”، والعوام هم: ” أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، ” ، وفي الإطار ذاته، يمكن استحضار إحدى المقولات المشهورة لهذا الكاتب رحمه الله والتي يحث فيها على نزع الخوف والتحلي بالشجاعة والعفة والكرامة يقول:” يا قوم : جعلكم الله من المهتدين ، كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعاً لله ، و أنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعمين و لو بلقمة مغموسة بدم الإخوان ، و أجدادكم ينامون الآن فى قبورهم مستوين أعزاء ، و أنتم أحياء معوجّة رقابكم أذلاء ! البهائم تود لو تنتصب قاماتها و أنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم ، النبات يطلب العلو و أنتم تطلبون الانخفاض ، لفظتكم الأرض لتكونوا على ظهرها و أنتم حريصون على أن تنغرسوا فى جوفها ، فإن كانت بطن الأرض بغيتكم ، فاصبروا قليلا لتناموا فيها طويلا

ومن تم فالخوف بات عنوانا لمراحل متداخلة بينها في الزمان والمكان، وتختلف حدته حسب الوسط المعيشي والمستوى المعرفي والمحيط السوسيو اقتصادي، سواء كان خوفا حقيقيا أو محتملا فهو يتجسد في كل شيء تقريباً، بما في ذلك من أقرب الأشياء إلى الممارسة اليومية: الكحول والتدخين والسمنة،والمرض، والسرعة والجنس والهاتف المحمول والمزروعات المعدلة جينياً ولحم البقر والدجاج والبيئة… أضف إلى ذلك الكوارث الطبيعية وصولاً إلى الدمار الشامل والارهاب وجرائم القتل والحروب التي تبثها وسائل الاتصال من تلفزة واذاعة وانترنيت….

كمّ هائل من المخاوف التي قلما يمر يوم دون التحذير منها والتعوذ كما يتعوذ المؤمن يوميا من شياطين الانس والجن وهمزاتهم، فتجده يرفع أكفه إلى الله متدرعا طالبا الحفظ من العين والسحر والهم والحزن والعجز والكسل ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين، وغيرها من الادعية التي تؤكد خوف الانسان من الآت غير المنتظر،  …واصبح عاديا ان يتردد على مسامعك ادعية من قبيل: “الله يخرج سربيسك على خير”. الله يتم ما بقي على خير، الله يحفظك من شر الخلق، الله ينقي طريقك من الشوك

الانسان الخائف لا ينتج، ولا تكتمل ثمرة وجوده الدنيوي وهو مكبل بالأغلال، ولذلك أثره ينعكس  على انتاجيته وعلى مجتمعه وعلى   الحضارة الانسانية كلها، بل ويقف عائقا في تطور الثقافات الاخرى ، لذا فهو ملزم بالخروج من الحلقة المفرغة التي تعيق انتقاله لمراحل متقدمة من الوعي، وآفاق رحبة من التفكير العلمي المنظم المنطقي الذي يربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها، كما عليه ان يؤمن بنفسه، وبقدراته على تحمل الصعاب، ومواجهتها بعقلانية وبثبات، ويتهيأ لمرحلة انتقالية مقبلة، تصبح كل الظروف فيها مواتية للانتقال من مرحلة الغول الوهمي إلى مرحلة غول المخزن الذي يشحذ أنيابه في وجه المحتجين على الأوضاع الاجتماعية ومواجهة مطالب كل قوى الاحتجاج والمعارضة، وغول الحروب التي تأتي على الاخضر واليابس، وتخلف ملايين من المشردين واليتامى والارامل دون رحمة او شفقة، والبحار التي أضحت بدورها غولا يبلع الشباب الذين ينشدون حياة افضل في الهجرة، أما الامتحانات والمباريات والبحث عن الشغل فذلك خوف في خوف، وتخويف من مستقبل يتسم بارتفاع نسبة المعطلين والمنتحرين والمهاجرين ونزلاء مستشفيات الامراض العقلية..

أحيانا نجد الخوف لا مبرر له، نجد المواطن مرعوب من ذاته، بل يخاف حتى من ظله الذي يرتفقه، ويخلق آلاف السيناريوهات لاعطاء مخاوفه المصداقية والشرعية، وبالتالي فهو يعتبر سلامته في خوفه، :”اللي خاف نجى”، فهو يؤمن بأن الجدران لها اذان، ولن تتوانى في التبليغ عنه، ومعاقبته على تجرئه و مسايرته لاهوائه وممارسة حقوقه المشروعة وفق ما يقتضيه القانون، ويقر به الدستور،  او التعبير عن آرائه بحرية دون مواربة او نفاق او تزلف، من تم فالترسبات الماضية لها انعكاس سلبي على شخصية الفرد، وعامل اساس في فقدانه الثقة بنفسه وبمحيطه وبالعالم اجمع، ويتحول الى هذه  الشخصية المعقدة، والمهزوزة نفسيا، والقابلة لتقمص ادوار بايعاز من جهات تعرف كيف توظف الخائف وتحوله الى اداة قابلة للاستغلال ، حيث أدركت ان الاستثمار في الشخصية المضطربة الخائفة عملية مربحة ، واعتمدت لبلوغ مرامها التشجيع على الادمان على المخدرات القوية، وضمنها الغبرة البيضاء و حبوب الهلوسة فهما كافيتان لدفع الضحية الى الاعتماد كليا على غيره، والقيام بافعال خارج ارادته، وقد يبلغ الامر به الى تفجير نفسه او غيره ، دون ان يتملكه خوف، أو تحركه عاطفة، أو يفهم على الأقل مرامي الفعل الذي برمج من اجل تنفيده.

خاتمة لا بد منها:

اي شعب خائف سيظل يدور حول نفسه، ويؤدي دورانه إلى حفر فجوة تبتلعه بكل تاريخه و بالتالي يسقط من سلسلة التاريخ و تُطوى صفحته و يكلف الآخرين سد الثغرة التي خلقها بجموده و خوفه
إن كان لا بد من الخوف، فليكن الخوف من هذا السقوط .. فلنخشى ان نحيا حياة مكرورة تكاد تطابق من سبقونا و تتجاهل نداء العقل فينا و تعطل قدراتنا الخارقة على التغيير ..