رشيد برقان

الزين اللي فيك أو جرح الكرامة

مسائية الرأي الحرIMG_0323-300x225

رشيد برقان

كلما تطور النقاش بصدد فيلم نبيل عيوش كلما بدأت تتكشف مجموعة من الحقائق المرتبطة بمجتمعنا التي لا يمكن للتزويقات أن تفلح في محوها، وبهذا يشكل فيلم “الزين اللي فيك” قضية رأي عام، ويثبت لمن لايزال بحاجة إلى دليل أن الفن منغرس في عمق الناس ووجدانهم، وأنه يصيبهم في مقتل على الرغم من أنه محض خيال يقارب الواقع من منطلق جمالي وليس من أجل نقل الحقيقة.
لقد نجح نيبل عيوش في إثارة قضية الدعارة في مجتمعنا ولو على صعيد الإقرار بوجود الظاهرة، واستطاع جعلنا ننتبه إلى أننا كائنات بشرية مثل جميع عباد الله معرضون للنقص، ونسعى نحو الكمال الذي لا نحققه غالبا، ولكننا دوما نعوضه بالوهم بأننا الأحسن والأذكى والأرفع رغم كم المحبطات التي تقول العكس.
لايزال نمط التفكير المحافظ هو المهيمن على أغلب الكتابات والتعليقات حول هذا الموضوع، ولايزال حتى الذين كانوا تقدميين سياسيا متخلفين اجتماعيا، وهنا أتذكر صورة كانت تبدو لي قديمة، ولكنها لاتزال تحتفظ بطراوتها. أذكر وأنا لاأزال مراهقا خلال مرحلة الثمانينات أنني كنت بمعية مجموعة من الرفاق نتجول، فإذا بصديق ينبهنا أنه بدل أن نتسكع هكذا، نحن جماعة الذكور، يجب علينا الاقتداء بشخص كان منغمسا، فعلا، في كلام حميمي مع صديقته في إحدى زوايا الشارع، وقبل أن نصادق على ما يقول انتقل ذلك الشخص بقوة إلى الطرف المقابل للشارع، ولمحنا شابا آخر يهرب، وانهال هذا الشخص على فتاة بالضرب والشتم. سوف نعلم بعد ذلك أن الفتاة أخته وأنها كانت برفقة صديقها. والغريب في الأمر أن الفتاة صديقة ذلك الشخص لم تبرح مكانها، ولم تستنكر ما وقع، وانتظرته لكي يتم طقس تربية أخته لتدخل معه في طقوسها الخاصة.
لايزال الناس متشبتون من خلال نقاشهم على القشور دون الوصول إلى العمق، فإذا كانت الدعارة واقعا مجتمعيا الكل يعرفه ويقر بتواجده قريبا منه، فإن المنطق السليم يقضي بمعالجة الظاهرة وليس قطع أصبع من يشير إليها.
ولعل هذا هو أكثر ما أثارني الكل مصر وممعن على شيطنة نبيل عيوش وفريقه وعائلته، لأنه قال لنا إن هناك علاقات حميمية يقع الاتجار فيها والكسب من ورائها، وأن هناك نساء رغم انغماسهن في هذا العالم هن ضحايا بشكل أو بآخر، وأنهن بحاجة لتدخل مجتمعي وليس فقهي للنظر في حالتهن والسماح لهن بحض من الكرامة والعيش في دائرة الضوء بحيث يمكنهن أن نعلنّ عن شخصياتهن الحقيقية، وليس الداعرة، بكامل الحرية والاعتزاز.
وأعتقد صادقا أن عمق الأزمة التي خلقها نبيل عيوش هي ما يمكن أن أسميه جرح الكرامة، فالمغاربة وأمام حجم الهجومات علينا باعتبارنا مسلمين، وباعتبارنا عرب، خلقت نوعا من التقوقع على الذات، ورفضا للغرب، لأنه هو الذي يصدّر لنا مجتمع الاستهلاك، وهو الذي يتشبث بالحرية إلى حدود الانحلال، وهو الذي يصر على معارضة حقنا في فلسطين، وأخيرا وهو الذي يوظف حرية التعبير للنيل من شخصية الرسول (ص). وأمام كل هذه الهجومات عمل الانسان المغربي البسيط على الانخراط في عملية تصعيد قوية، وبدأ يقدم شخصيته بتأثيث مجموعة من الأساطير تشكل سنده الرئيسي، ولعل أسطورة الفحولة، والمغرب أجمل بلد في العالم، والمغاربة أذكى شعوب العالم، والخصوصية المغربية، ليست إلا غيضا من فيض. وهنا يأتي تدخل نبيل عيوش ليعيدنا إلى الواقع ويتبث أرجلنا على الأرض. وهنا مكمن الحرج أي أن نعترف بأننا “مامربيين بحال عباد الله” و”أننا عندنا الحفاري بحال عباد الله (الحفرة: هي المصطلح المتداول في البوادي المغربية لدور الدعارة قديما)”، وأن الغرب يتفوق علينا تقنيا، ولكننا لانتفوق عليه أخلاقيا.
والجرح، لمن لا يدري، ضروري لكل أمة كي تتطور وكي ترى نفسها واقعيا وعمليا وفعليا، ومن تم تقطع مع كل الشوائب التي تحول دون تطورها وتصالحها مع ذاتها، وهذا هو السبيل الوحيد للتطور والتقدم. ومالم نقطع من سياسة تغطية الشمس بالغربال لن نستطيع تسليط أشعة الضوء على ثنايانا المعتمة.
وتصبحون على جرح أو كل جرح ونحن بخيييييييير.