ذ محمد السعيد مازغ

الشعب ينشد التغيير الحقيقي

المسائية العربيةمحمد-السعيد-مازاغ

بقلم : محمد السعيد مازغ

بلد يختلط فيه الحابل بالنابل، يجد التافهون فرصهم لاقتناص المناصب واقتحام المجالس، واللعب على حلو الكلام ومعسوله، واقتحام شاشات التلفاز والسيطرة على المشاهد وإجباره على قبول القليل من الجودة، والكثير من الرداءة. وتمثيل المواطنين دون استشارتهم أو الأخذ برأيهم..والأنكى من ذلك أن التهافت على الواجهات لم يعد يقتصر على السياسيين، بل وطال أيضا المثقفين والحقوقيين والرياضيين والفنانين..، لهث مستمر وراء المصالح الشخصية، وتجاهل للنتائج الوخيمة التي تترتب عن أفعال قد تبدو بحكم تفشيها داخل المجتمع من المسلمات وهي في حقيقتها عامل من العوامل الأساسية في تأزيم الأوضاع ، وتعطيل الانتقال الديمقراطي، واستمرار العزوف السياسي، ووضع المجتمع بكامله  تحت فوهة بركان مشتعل.

زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتضارب فيه المواقف، وتنهار القيم أمام المصالح الذاتية والصراعات السياسية والاملاءات الخارجية، تجاذبات تحمل الفرقاء السياسيين على اللعب بالمكشوف عن الآخر، حيث تشبه المؤسسات التشريعية رقعة شطرنج، فيها الرافض والمقاطع، وفيها القانع والباحث عن التعادل ” لا غالب ولا مغلوب”.، وفيها الغاضب والمتنطع، و” المقطر للشمع”، والمستخف والمستبلد والمتهكم، والباحث عن السفريات المريحة، والحصانة الدائمة، والمشاريع المدرة للدخل… وفي آخر النفق، كل ينال حظه ، ويتطلع إلى الآتي من  الفضائل والمكارم أو التقريع والتسويف والتعتيم.

الشعب يترقب التغيير، يأمل في أن تتحسن أوضاعه المادية، وأن يطمئن على فلذات كبده، و ينعم الوطن بالأمن والسلام والحياة الكريمة، يحلم بحكومة تحقق له ولو جزءا يسيرا من المطالب الاساسية على مستوى الشغل، والصحة، واالتعليم واستقلال القضاء، ومحاربة الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة.. رئيس الحكومة الحالي يطلق الكلام على عواهنه، لا تدري إن كان يصدق الشعب القول وهو يحذر من الخطر المحدق بالوطن، أم هي رسائل لمن يهمه الامر، أم مجرد استغلال للاعلام العمومي لتمرير الخطاب الاديولوجي الذي يعطي لنفسه الطهارة، و يصف الآخر بالفسوق والعصيان واللصوصية والاجرام، وكان حري برئيس الحكومة وهو يعلم ببعض المفسدين ان يقدمهم إلى العدالة لتقول فيهم كلمتها، بدلا من التلميح والتهديد و”التهريج”..الهمز واللمز..

كل شيء يسير بالتراضي و إن شئت كل يمرفي إطار التوافقات، الحكومة بالتراضي، والاستوزار بالتراضي، والانتخابات بالتراضي، التصويت بالتراضي، حتى طمع “الراضي ” وكاد يرث القبة وما حولها، وكان يمكن للعبة التراضي او التوافق أن تجود بغيمة تسقي الزرع وتطفئ العطش وتوقد شموع الامل، ولكن هيهات هيهات، كيف يحصل الاجماع وكل يغني على ليلاه..،  كيف يحصل الاجماع  في غياب الديمقراطية داخل الاحزاب السياسية، وفي تكريس سياسة المناورة الداخلية والقدرة على التجييش والتأزيم، وتبني سياسة العلاقات القائمة على الولاء والطاعة للنافدين وأصحاب “الشكارة” والتملق للقيادات التاريخية المحتكرة للمقاعد القيادية،  مما  حول بعض الاحزاب من مدرسة للوطنية والتوعية السياسية إلى تنظيمات فوقية، وواجهات سياسية لقضاء المآرب والمصالح الشخصية الضيقة، ناهيك عن تناسل المريع للأحزاب، وسيادة الانشقاقات والتطاحنات والتخوين،  وثقافة ” العصا في العجلة “.

كان لزاما على الهيئات السياسية المشكلة للحكومة أن تحترم نفسها وتنسجم مع خطابها السياسي بإعطاء الأولوية للخيار الديمقراطي، و أن تبلور أفكارا ومشاريع مجتمعية وبرامج قابلة للتنفيد، وأن تكون صادقة مع نفسها ومع المواطنين على مستوى التقييم والنقد الذاتي، وأن يكون اختيارها للمسؤول مبنيا عن الكفاءة والحنكة والمصداقية، حيث تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وبذلك تكون قد قطعت دابر ” خوك هنا “، و”باك صاحبي ” وادخل عندي” … و القطع مع الشعبوية، وسياسة دغدغة المشاعر،…ولكن كيف” للبيادق” في رقعة شطرنج ان ترسم خريطة طريق حيث يشعر كل مسؤول بالتزاماته وقدرته على المساهمة في الدفع بتنمية الوطن وتقدمه، والجرأة على اتخاد الاجراءات الصارمة كالقطع مع دابر التوظيفات خارج الاطار الشرعي، ويكفي تصريح احد الفنانين الصويريين في برنامج تلفزي وبدون حياء وخجل ” أنه نجح في توظيف وتشغيل كل افراد اسرته ومعارفه مستفيدا من شهرته والعلاقات التي ربطها بالمسؤولين في كل القطاعات.الشيء الذي يتطابق وتصريح المندوب السامي للتخطيط السيد احمد الحليمي الذي أكد :”أن المحسوبية وتأثير العائلات النافذة تنخر شفافية ومصداقية الحصول على الوظائف في المغرب، أشار أيضا إلى أن الدراسات التي أنجزتها المندوبية التي يرأسها أظهرت أن أزيد من ربع التوظيفات في المغرب تتم وفق المحسوبية والزبونية والعلاقات الخاصة. وقد دعا الحليمي المجتمع المدني إلى توعية الناس بحقوقها من أجل التصدي و القطع مع مثل هذه الممارسات التى أفقدت الشباب الثقة في مؤسسات الدولة.”

هذا التوجيه الذي خص به الحليمي جمعيات المجتمع المدني باعتبارها قادرة على الحد من ظاهرة خطيرة نتج عنها فقدان الشباب الثقة في مؤسسات الدولة، كان يمكن ان يكون في محله لو كنا نتوفر على جمعيات مجتمع مدني قوية بإمكانياتها المادية، قوية بأطرها المتخصصة، قوية بالضمانات المتوفرة لها من أجل البحث عن الحقيقة واتباع كل الخيوط الموصلة إليها دون حواجز ومتبطات، قادرة على التأثير على الرأي العام وتوجيهه، ومن جهة اخرى يمكن ايضا ان يكون الحليمي قد تعمد ذكر الجمعيات وليس الاحزاب السياسية يقينا ان الشعب المغربي بدأ تدريجيا يتهرب من العمل الحزبي ، ويتجه بقوة إلى العمل المدني الجمعوي والانساني والخيري، بعد ان اصبح أغلبها مجرد أسماء لا حياة فيها لمن تنادي.