الفَكْرانيَّةُ والخطاب والنص؛ أية علاقة؟

المسائية العربية الثقافية

الطالب الباحث: ياسين بن ايعيش

لقد كان التاريخ على مر العصور، وحتى يومنا هذا، بمثابة كائن حي لا يمكن إخضاعه لهاجس التقييد أو الحصر، وإن سعت لذلك مجموعة من العلوم؛ من قبيل علم الجمال…وغيره؛ أي تشيئ التاريخ رغبة في كبح جماح انفلاته الدائم، وتحرره من كل الحبال التي ترغب في سجنه بغية ضبطه والتحكم فيه، وبما أن هذه الحركية ملازمة لهذا الكائن، فطَبَعِي أن ينفتح الإنسان بخلفياته ومعارفه على كل ما من شأنه أن يحقق له ذلك الحلم الضائع على مدى الأزمان، فكان أن ظهرت الكتابة على شكل نصوص تتراوح بين الرموز والأرقام والحروف… وغيرها، الأمر الذي مَكَّنَ الإنسان من أن يضبط جزءا مهما من التاريخ (  أي الزمن الماضي)، من أجل تدوين كل ما يسهم في فهم التقلبات التي حصلت؛ واستثمارها من أجل توقع ما يمكن أن يحصل إذا توفرت نفس الشروط، غير أن هذه النصوص المدونة لا تكاد تخلو من خلال استحضار المعالم التاريخية، والمظاهر الاجتماعية، والتلاوين المتعددة من الرموز… من تعدد تأويلاتها، إلى جانب المعطيات الفكرانيةكما سماها الفيلسوف طه عبد الرحمنفي كتابه تجديد المنهج في تقويم التراث الصفحة 24 ؛ أي الايديولوجية، هذه الأخيرة التي لا يمكن لأي كان أن ينكر بشكل او بأخر حضورها في جميع خطابتنا؛ شفهية كانت أم مكتوبة، وما حملنا على اختيار مصطلح الفكرانية بدلاً من الإيديولوجية؛ هو ذلك الحكم الذي يطلق جزافا على أي قول إيديولوجي بكونه يحمل صفة السلب، وهذا الحكم مجحف سواء في ظاهرة أو باطنه، خاصة في عصرنا الحالي، إذْ ينبغي تجاوزه وإعادة النظر فيه، تماما كإعادة مراجعة المفكر طه عبد الرحمن لمصطلح الايديولوجية، ولعل هذا الأمر كفيل بدفع الأبحاث والدراسات المعاصرة بعيدًا عن دائرة اتِّبَاع الأعمى القائل: ( كل قول إيديولوجي فاسد).

وما نرمي رصده من خلال هذه الصفحات التي تتخلل مقالنا، هو محاولة السير على نهج ذلك النقد البناء الذي يؤسس للهدم من أجل إعادة البناء، وليس العكس، ودليلنا في ذلك هو الاتكاء على بسط إشكال عميق، والانطلاق منه، حيث سنحاول من خلاله تلمس طبيعة العلاقة الكامنة بينالفكرانية و النصوص؟؛ أو كما جاء مع الأستاذ: د عبد الجليل أميمفي كتابه منهجيات الصفحة 88 (القول الإيديولوجيDieideologisheAussage)، لكونها؛ أي النصوص، المنتوج الذي يتلفظ به أو يكتبه منتج الإيديولوجيةLdeologieproduzent؛ وهو الباث للخطاب، كما سنحاول تتبع حدود تلك العلاقة. بصيغة أخرى سنحاول مقاربة علاقة الايديولوجيا كمنظومة فكرية شاملة بتجلياتها على مسـتوى النصوص، مستحضرين نصب أعيننا حالة التلازم التي تطبع العلاقة القائمة بين النص والخطـاب مـن جهـة، والتلازم الحاصل بين الايديولوجيا وبين كل من النص والخطاب أيضا، كل ذلك في إطار مقاربة جدلية للعلاقات التي أشرنا إليها، فـيمحاولة لتوصيف وفهم التعالق*الذي أساسه اعتبار الايديولوجيا فاعلة في تشكيل بنية الخطابات و النصوص أيضا، وسيتم تناول ذلك من خلال الاتكاء على العناوين الآتية:

  • الايديولوجية بين الاصطلاح، وخاصية تعدد تأويلات للنص.

  • الفكرانية كبديل اصطلاحي وإجرائي للأيديولوجية.

  • رؤية العالم وأثرها في النص.

  • تداخل الملفوظ والمكتوب الأيديولوجيين في تشكيل النص ودلالاته.

* ملحوظة: هذا المقال هو جزء من مقال علمي مكتمل، ثم إنجازه بمادة مناهج التأويل المعاصر، التي يشرف عليها الدكتور عبد الجليل أميم، ضمن مواد ماستر البيان العربي قيمه التداولية ومناهج تأويله الذي يشرف على تنسيقه الدكتور عبد الجليل هنوش، جامعة القاضي – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – بمراكش.

 

الجمعة 14 يوليوز 2017 بمراكش

*  اخترنا هذا الاشتقاق لدلالة على العلاقة والتلازم بين الإيديولوجية وإنتاج أي خطاب أو نص ما.