المسائية العربية تحاور الفاعل السياسي والحقوقي ذ.عمر الزيدي (الجزء الثالث )

المسائية العربية136654

المسائية العربية : كيف تحكم على مطلب “المجلس الدستوري” بانه وهم تنظيري تعيش في العالم الافتراضي مع العلم أن لدعاته وجود في ساحة الفعل التقدمي كما يشكلون في الان نفسه منظومة فكرية سياسية تقف على القدمين ضمن مختلف واجهات النضال الديموقراطي  الجماهيري و الحزبي؟

 

ذ.عمر الزيدي: سؤالك يطرح العديد من النقط الهامة، ويستدعي بعض التوضيحات الأولية. فأنا لم أقصد “المجلس الدستوري” ولكن “المجلس التأسيسي” لأن هناك فرق بين الإثنين، وهذا مطلب له تاريخ طويل في ثقافة اليسار، يبرز إلى السطح ويغيب من السجالات السياسية منذ الستينات حسب المراحل، سأعود لتوضيح ذلك. أما في وجود المكونات السياسية اليسارية وفعلها النضالي، فأنا لا أشكك في ذلك، لكن صوابية تقديراتها السياسية تبقى محط نقاش وتقييم كأي فعل إنساني، خاصة ونحن بعد أربع سنوات من الفعل، والنتائج صارخة أمامنا.

تطرح مسألة “المجلس التأسيسي” حين نكون في مرحلة لتأسيس الدولة من جديد، أوحين تكون بعد التخلص من الإستعمار ونكون بصدد بناء أجهزة الدولة الجديدة. أو تكون البلاد في حالة ثورية وتنهار أجهزة الدولة وتكون مطالبة لتأسيس جديد. والحال أننا لم نكن لا في هذه الحالة أو تلك. فالبلاد عرفت الإستقلال منذ حوالي 60 سنة (كيفما كانت التقييمات له)، والدولة الحديثة بأجهزتها وقوتها تمتلك ما يكفي من القوة الشرعية والإقتصادية والسياسية والمادية ما يوفر لها شروط الإستمرار والتطور وفرض الإستقرار، ومطلب المجلس التأسيسي كان في بدايات الإستقلال وخاصة مع بروز “الإتحاد الوطني للقوات الشعبية” سنة 1959 وتكرس في مؤتمره الثاني سنة 1962. ومن جهة أخرى فبلادنا كانت بعيدة جدا عن الحالة الثورية حيث تستطيع قوى ثورية تحقيق مكتسبات على مستوى صياغة جديدة للسلط المختلفة للدولة. فحركة 20 فبراير لم تكن في هذا الوضع، فضلا عن الأعطاب التي كانت تعاني منها والتي أسلفت التعرض لها سابقا. فأعتقد أن المطلب من داخل الحراك جاء في إطار المزايدات ولم يكن الإجماع عليه. إنه نوع من النوستالجيا لإبراز الثبات على الموقف رغم أن المعركة حسمت في الصراع على السلطة بين 1956 و1965. أعتقد أنه لحسن حظ الشعب المغربي أن الدولة المغربية قوية واستطاعت احتواء نتائج الحراك بإخراج دستوري جديد متفاوض عليه وخاضع للإستفتاء، مدشنة بذلك مرحلة انتقالية ديمقراطية جديدة خاضعة لموازين القوى في الصراع السياسي والإجتماعي. وإلا لكانت بلادنا في أسوأ حال  مما هو ماثل أمام أعيننا الآن في الشرق الأوسط. لنتفحص جيدا وضعية سوريا، فالرهانات الدولية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط كبيرة جدا تتجاوز مستويات النقاش الحالي السائد في ساحتنا السياسية اليوم سواء إعلاميا أو يساريا.

المسائية العربية :كيف تستسيغ كفاعل سياسي يجر وراء ظهره ماضيا كفاحيا حافلا(تجربة لنخدم الشعب، النضال الحقوقي .. و الايكولوجي) ان حركة النضال في افق دمقرطة الدولة و دمقرطة المجتمع قد راكمت مكاسب و منجزات ،و الحال ان البنية التشريعية و القانونية عاجزة عن تحويل المكاسب المعنوية إلى تقاليد وسلوك تجعل من الحكامة الامنية اختيارا للدولة، ومقوما مركزيا  يحاسب كل من يخل بمقتضايته من مسؤولي الدولة؟

 

 ذ.عمر الزيدي: طريقة صياغة السؤال توحي وكأنني ارتكبت زلة في الكون، نعم قلت وأؤكد بأن الحركة الديمقراطية واليسارية في المغرب حققت تراكمات في مسألة دمقرطة الدولة، ولازال أمامها الكثير في مسألة دمقرطة المجتمع. سأوضح ذلك أكثر بعد وضع بعض النقط على الحروف فيما يخص التاريخ النضالي، لأن العقلية الستالينية يروقها دائما محو تاريخ المناضلين لمجرد الإختلاف في الرأي.

كنت مناضلا فيما ذكرت ولازلت وسأبقى بروح “لنخدم الشعب” التي ساهمت شخصيا في تأسيسها سنة 1972 في منزلي(حيث كانت تطبع نشرتها) كاستمرار لتيار “صوت الكادح” الذي كان يشكل إحدى تيارات تنظيم “ب”(23مارس فيما بعد)، ومن مؤسسي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في انطلاقتها الجديدة منذ 1986 (فأنا عضو بها منذ مارس 1980)، وغادرتها سنة 2002 بعد تحملي مسؤولية عضو الأمانة العامة لحزب اليسار الإشتراكي الموحد انسجاما مع موقفي المبدئي، عدم الجمع بين المسؤولية الرئيسية في الهيئة السياسية والجمعية الحقوقية. هذا الحزب الذي جاء نتيجة مجهود تجميع اليسار الذي دام 12 سنة بكل تفاعلاته التي أفرزت 3 تنظيمات يسارية، حيث انتقل اليسار الماركسي من الشتات إلى 3 تنظيمات (الحركة من أجل الديمقراطية، النهج الديمقراطي والديمقراطيون المستقلون)، دخلت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي على الخط سنة 2001 بعد تعرضها لإنشقاق سنة 1996 فكان المؤتمر التأسيسي لحزب اليسار الإشتراكي الموحد في يوليوز 2002 بعد خروج “النهج الديمقراطي” من صيرورة التأسيس الموحد. ففي كل هذه العمليات كان لي دوري الهام في المحاولات المختلفة للتجميع حتى لا أقول محوريا منذ صدور جريدة “المواطن” التي كنت مديرها المسؤول والتي تعرضت للمنع منذ  عددها الأول. حيث كان لها فضل تعميم النقاش حول الإطار السياسي لليسار الديمقراطي. أعتذر عن هذا التذكير الطويل ولكن البعض يحلو له تناسي التاريخ أو إخفاءه عن الذين لم يعيشوه أو لم يعرفوه لسبب من الأسباب. لا أدعي امتلاك الحقيقة ولكنه جزء منها بكل تأكيد. فمنزل “مي خديجة”(والدتي) لازال يذكر الإجتماعات الأسبوعية للجان التنسيق الوطني والتجمعات التي كانت تضم أحيانا أكثر من 140 مناضل مناضلة ليومين متتاليين من النقاش للخروج باتفاقات لتأسيس قوة يسارية جديرة بالإحترام.

بقيت مسألة أخرى وجب توضيحها بالمناسبة قبل الإجابة عن جوهر سؤالك، وهي مسألة “الإيكولوجيا السياسية” التي أتبناها منذ 2006 والتي أصدرت كتاب “إيكولوجيا الأمل” كأطروحة سياسية جديدة لليسار من أجل تجديد التفكير وأدوات العمل. للتذكير فإن الإيكولوجيا توجد في عمق التفكير الماركسي، انتبه لها ماركس مبكرا حين تعرض إلى “الميتابوليزم”(أزمة الآزوت) في سياق تحليله إلى العلاقة بين البادية والمدينة في مجلده الأول “للرأسمال”، وهي المسألة التي يتكلمون عنها باستمرار إلى حدود ثورة أكتوبر 1917 ؟؟ فالإيكولوجيا شكلت عنصرا هاما في الخطاب الماركسي قبل الثورة السوفياتية، إضافة إلى ذلك فالإيكولوجيا تعطي جوابا عن إشكالية توزيع الثروة من خلال برامج متطورة اقتصادية واجتماعية وسياسية يطول الحديث في توضيحها(يتضمن الكتاب جزء منها).

نأتي الآن للإجابة عن سؤالك. حين أقول أننا حققنا تقدما في مجال دمقرطة الدولة لا أقول بأن الديمقراطية تحققت بكل شروطها فذلك رهين بمعركة طويلة وبتراكمات التي لن تخلو من تراجعات مما يتطلب استجماع القوة ورص الصفوف للاستمرار في النضال من أجل التقدم، وهو أمر تعرفه كل البلدان حتى “المتقدم” ديمقراطيا، وإلا ما مبرر وجود الأحزاب الديمقراطية واليسارية بطيفها المختلف. الأساسي هو أن المجال السياسي أصبح مفتوحا على كل قوى المجتمع ولم يعد مغلقا ومحتكرا من طرف أجهزة الدولة. وهذا بحد ذاته انجاز هام تحقق بفضل الكفاحات المتعددة للقوى الديمقراطية واليسارية، ولن نستطيع التطور في انجاز ما نصبو إليه كيسار إلى بالتقدم في دمقرطة المجتمع وهي القضية الأساس التي لا سبيل لتحقيق التقدم الديمقراطي والإنصاف الإجتماعي فيما يخص التوزيع العادل للثروة إلا بالتقدم فيها، وهذا ما يتطلب برنامجا واسعا وطويلا للعمل الإجتماعي والثقافي والتكويني في المجتمع. فالعديد من مجالات الحريات الفردية مردها إلى الكوابح الثقافية-الاجتماعية بالأساس، فكل التشريعات تعكس بشكل من الأشكال موازين القوى السياسية والإجتماعية-الثقافية بالأساس، ولعل الصراع الحالي حول مشروع القانون الجنائي لأحسن مثال عن ذلك.

يبقى هل البنية التشريعية و القانونية عاجزة عن تحويل المكاسب المعنوية إلى تقاليد وسلوك تجعل من الحكامة الامنية اختيارا للدولة؟ لا أعتقد ذلك. فالدستور الحالي اعتمد صياغة مفتوحة على امكانيات التطور، وأحال العديد من المقتضيات الهامة إلى قوانين تنظيمية مما تركها خاضعة لموازين القوى الإجتماعية والسياسية والثقافية حسب كل مرحلة وشروط التوازن، وهذا يتطلب الهيمنة الثقافية والاجتماعية لتحقيق الأهداف السياسية. فالتقاليد والسلوك بالنسبة للحكامة الأمنية للدولة لا يكفي وجودها في التشريعات والقوانين ولكنها تتطلب الهيمنة الثقافية والإجتماعية لتصبح الحاضنة لكل المكتسبات مع اليقظة المستمرة لتحقيق التقدم.

المسائية العربية لنعد إلى ما تحاجج به قبل قليل من أرقام، من قال بمشاركة 70,/’ في عملية الاستفتاء على الدستور(2011)و أن 96./’ منهم صوتوا لصالحه؟ هل هي مؤسسة  أو هيئة محايدة متخصصة في رصد العمليات الاستفتائية؟ أم مركز بحث مستقل ينجز هذه الخدمة في إطار طلب عروض تقدم بها جهاز العدالة ضمانا لنزاهة المسلسل الاستفتائي؟  تم من قال أن 30./’ المتبقية صحيحة ،سيما أنها تشكل فضلا عن نسبة المواطنين العازفين عن المشاركة السياسية ، احزاب اليسار غير المشارك في المؤسسات لحد الان؟

 

عمر الزيدي: التشكيك في كل ما تشرف عليه الدولة وكل ما تأتي به من أرقام حديث قديم، ويتجدد باستمرار لإظهار الرفض للدولة نفسها، وهو تعامل سياسي لم تعد له نتائج إن لم يكن يزكي نوع من الخطاب الذي يضعف الوعي المواطن، لأن الذي يشكك في كل الإستفتاءات والإنتخابات كيف يبرر لنفسه ولجمهوره قدومه غدا على المشاركة في الإنتخابات. تطرح مسألة “الهيئة المستقلة على الإنتاخابات” تساؤلات؟؟ من سيضمن استقلاليتها؟؟ ومن يملك الأجهزة الإدارية والجيش الواسع من الإداريين؟ أليست الداخلية؟؟ أليس هذا فقط مزايدات سياسية؟ وسياسة سياسوية، إن الأمر يستدعي تفكير عملي وليس فقط شعار. لقد كانت هيئات دولية ووطنية للمراقبة وأصدرت تقريرها، وكل الآراء عبرت عن نفسها في التلفزة بما فيها التي كانت تدعو إلى المقاطعة. صحيح أن ذلك لم يخل من اعتداءات محدودة في بعض المناطق على الذين كانوا يدافعون عن حقهم في المقاطعة، بل وهناك من تعرض إلى المتابعة القضائية، لكنه لم يكن له تأثير على النتائج النهائية بشهادة تقارير الهيئات الدولية والوطنية.