سعيد كجديحي

براح الذاكرة…

المسائية العربية

سعيد كجديحي

سعيد كجديحي

لحسن كجديحي

المدينة تصدر للإنسان حساً قاتماً، بأن النهاية ستكون هنا، وسط العربات والصراخ والزحام، لا تمنح المدينة أفقا للتخيل بنهاية أخرى لها ضفاف واسعة. وأن مشكلاتك لن تجد لها حلا وسط هذه التفاصيل المرعبة والمكدّسة، جاءت المدينة لتصنع فجوة بين الإنسان وخارجه، بين ذاكرته المشحونة، لم يبق إلا النسيان ليساوي بين ذاكرة المدينة المكدسة والعشوائية وطويلة الأمد، وبين ذاكرة الإنسان الاختيارية، قصيرة الأمد، النسيان أو السفر.

    من دون أن أدري بدأت في عقد مقارنة بين حياتي وبين حياة هذا المكان. اعتقدت حياتي هي البقعة الضعيفة المحاطة بسلسلة من الجبال الوهمية ، وهو التوصيف الخيالي لهذا المكان، ومادام المكان عاش وسط  تضاريس صعبة، فحياتي ستستمر، مهما كان ما يحيط بها. ستستمر كبقعة ضعيفة، لو نظرت إليها كفرد هش زائل، وهو المكان الحسّاس للاستمتاع بثقل الحياة وعشوائيتها وتنوعها، أن ترى من مكان ضعيفاً، لأنك الأقل، وهي دونية أصيلة، في العمق هناك شبه بين أي سيرة حياة سواء كانت لجماد أو لإنسان، وهي التحول من أجل الاستمرار والبقاء.

  أتذكر الليالي التي قضيناها تحت قبة السماء العظيمة، متحلقين حول شعلة النار، مع الأصدقاء من أهل القرية، داخل هذه البقعة الضوئية، استمعنا إلى حكايات عبد القادر الشاوي ، محمد شكري ،ومحمد بنيس ، وغيرهم من كتاب شباب القرية، والذين أصبحوا أصدقاء لنا. وسردنا أيضاً حكاياتنا، كانت بقعة الضوء هذه هي مكان اللقاء بين طريقتين للحكي، أي بقعة ضوء في ليل القرية تجذب إليها حكائين ومستمعين، يأتون من الظلام ويأخذون مكانهم، وتتسع الدائرة، ويتمدد الفضاء من أمامك كحكاية ناس بسطاء، فليس بطولة منهم أن يعيشوا هنا، وليس بطولة منا أن نعيش في المدينة، إنها الصدفة التي جعلتنا مختلفين ولنا حكايات مختلفة، وعلينا أن نتحمل تبعات هذه الصدفة.

الحياة شبه البدائية في القرية، وشكل البيوت الطينية، بجانب المساحات الشاسعة من الأشجار، والتي تبتلعها مساحات شاسعة من الوديان، كل تلك المتناقضات، وضعت أمام ذاكرتي مركزاً بعيداً، أبعد من مركز ذاكرتي ذاته الذي يبدأ من لحظة ميلادي. هناك نقطة أبعد من الميلاد أصبحت مشدوداً لها، وسيرة أخرى أوسع من سيرتي تجذبني بهدوء، بدأت أشعر ببعض الراحة، وبالبراح الذي تمرح فيه ذاكرتي.

 تشعرك القرية أنك في زمن آخر. هناك زمن آخر تسبح فيه، وهواء آخر، لتصل إلى نقطة بعيدة، البعد عن أي شيء؟ سوى أن هناك إحساساً دائماً بالمطاردة، وعليك الاستمرار في الابتعاد عن نقطة ما وراءك، خلف ظهرك، أو خلف حياتك. القرية تكشف عناء الشخصية وعصبها العاري. ربما هي نقطة زرعت في متخيلك. ما يؤرقنا ليس فقط تاريخ حياتنا وأزماته وأفراحه، بل تلك التواريخ التي تضاف إلى الذاكرة والخيال، ولو حاولت أن تتبع خيط حياتك، فربما يمتد هذا الخيط في هذا التاريخ السابح قبلك وبعدك، وأنت بينهما كنقطة تحاول أن تبحث عن مركز.

 في كل مكان بالقرية تشم رائحة أشجار الزيتون، ورائحة حرائقها، تستنشق رائحة الزيت القديم الذي يوضع في السراج ليملأ الليل بالرائحة والضوء الضعيف. هناك مكان آخر يقف وراء كل تفصيلة للحياة هنا، وحياة أخرى تقف وراء هذه الحياة، وهذا الفضاء. دائما ننظر إلى مسافة أبعد، وهذه المسافة الأبعد ترتد على ذاكرتك، ويمكنك الآن أن تطير بروحك، وعليك أن تدفع ضريبة هذا الطيران، بأن تتخلى عن ذاكرتك القديمة، ولو لبضعة أيام، أن تطحنها برحى مائية حتى تذوب كالجليد.

 القرية تتعامل مباشرة مع الذاكرة، تضع سداً منيعاً، تحاول أن تتذكر أو تطول بأطراف أصابعك ،كالغريق، قشة من ذاكرتك القديمة، وفي النهاية تفشل، تغوص داخل هذا الفضاء والوديان المتدفقة ، القرية لا تعالج أمراض الذاكرة، إنها تقطع  الأجزاء الزائدة عن الحاجة، النسيان إحدى مقومات القرية، ربما هو نسيان مؤقت، ولكنه نسيان. تعيش ولادة فضاء جديد للذاكرة، كل تفصيلة تدخل فيه لها مكان، وطازجة، من دون نزاع مع أي تفصيلة أخرى، لأن الصراع يأتي من تركيب المدينة وصراعها من أجل الوصول للقمة. أما هنا فليس هناك قمة، هناك أفق ممتد بلا نهاية، كل شيء قابل للانشطار، للتفكك، للذوبان في فضاء عظيم وموحش، وحنون.

  لماذا كنت أفكر بالنهاية وأنا كنت في بداية المشوار؟ بالتأكيد لا أقصد بالنهاية الموت، ولكن تلك المساحة من التخيّل التي تمرح فيها ذاكرتك باطمئنان. النهاية دائماً هي أحد مواجع الذاكرة. المدينة تضع حداً للتذكر، لأنها تخفي النهاية وسط التفاصيل الكثيرة، تعيد شريط الحياة عشرات المرات، نشاهد فيلم حياتنا، وهو يمر أمام أعيننا متثاقلاً، ربما القرية تصنع ذاكرة أخرى، لأن الزوال قائم وواضح، عندها تصبح الذاكرة أكثر حدة في التقاط شذرات الحياة المتناثرة فيما مضى وفيما سوف يأتي. ربما كانت الرحلة، من دون أن أدري، من أجل إيجاد مركز أبعد لحياتي، أن أؤصل لهذه الحياة الخاصة، وأمنحها قدماً وتعتيقاً، حتى تكتسب تلك المرونة والتعددية والصلابة التي كنت أبحث عنها، ولا سبيل لحصولي عليها داخل جدران البيت أو المدينة التي أحيا بها. أعلمُ جيدًا بغضك لي، أتلمسُ لك في بعض الأحيان سيلاً من الأعذار، فظهوري على نحو مفاجئ أفسد عليكَ العديد من نزواتك المحمومة، أضاع منك أحاسيس النصر الملحاحة، وأحالها أشباحًا من القهر والإحباط المقذع، أستعيدُ من خدر الذاكرة ملامحكَ الساخطة حين حرمتُكَ لذّةَ المُلامسة المألوفة، كنتَ قد تهيأتَ تمامًا، اخترتَها بدقة من بين كل المُنتظِرين في صالة الاستقبال الواسعة أشهدُ لك بحسن اختيارك، لم تستعجلْ الوقت كعادتك، رأيتَها تهمُّ بمغادرة المكان، حان الوقت إذن، ستبدأ الركض كالمعتاد عندما تشاهدها وهي تمر كلمح البصر، ستقتنص اللحظة بمهارة، ستندفع خلفها مارقًا من بين الأضلاع اللامعة، تزج بنفسك في الفراغ الضيق بينها وجدران الخروج، وعندما تجلدُكَ بنظراتها المُستغربة ستبادرها بمطولات الاعتذار، تتعلل بالظرف الطارئ الذي استوجب سرعة تحركك فحدث ما حدث دون عَمْد منك، تنطفئ جذوة غضبها وتَعْلكُ باستمتاع كلامَكَ الممزوج بلعاب المكر، بل ربما تكون هذه الفعلة بداية علاقة جديدة.

 حدثت مفاجأة، إن هذه الذاكرة التي كنت أحملها والتي تحولت إلى وديان، بدأت في الاستيقاظ مرة أخرى، بعد عودتي من رحلتي، وأخذت تتجمع مرة أخرى وتشكّل من جديد تاريخي الشخصي وتاريخ كل الأشخاص الذين يعيشون فيها. أصبحت أمتلك حدة في التحديق في أعماقي وأعماق من حولي. هل القرية هي السبب؟ أعتقد ذلك. من دون البحث في الأسباب.

اضف رد