تارودانت ـ حديث مع الصورة ـ : الرهبان من “تبحرين” الى دار نقطة الحليب-ج1

 

تارودانت

تارودانت

  المسائية العربية : تارودانت

إعداد : علي هرماس

1924 مباشرة بعد انتقال الطبيب شاتنيير للعمل بالمستشفى الجديد، ضربت تارودانت جائحة مرض التيفوس  épidémie du typhus كانت كارثة وبائية لا تبقي ولا تدر لواحة للبشر، أتت على الأخضر واليابس والحيوان والانسان، من تبعاتها كثرة الأيتام والأطفال المتخلى عنهم الذين لا يستطيعون حيلة ولا ضربا في الأرض، الطبيب بول شاتنيير الذي استقر لتوه بالمستشفى الجديد،كتب الى المطران الأكبر بالرباط Archevêque يلتمس منه المساعدة؛ هكذا وصل الى تارودانت أول الرهبان الأب بيغيكير والأخ لوكونط Père Peyriguère  le frère Leconte  ، التحق بهم في 1928 سيدتين ضمن “راهبات فرنسيي بعثة مريم” religieuses Franciscaines  Missionnaires de Marie  الباشا نفسه ـ هو الحاج حماد بن حيدة ميس أو القايد عمر بن حماد، لأن الباشا حيدة ميس قتل في 1917 و الشنقيطي تولى الباشوية في 1932ـ الباشا مكنهم من مسكن شاسع متهدم محاط بحقل مترامي وسط المدينة يسمى تبحرينTibhirine – مقر دار الطالب والعجزة بمجمع الأحباب اليوم –  سوف يستغلونه : 13 طفلا وفدوا في الحين، تبعهم مجموعة أخرى من 20 طفلا في حالة هزال مخيف، جائعين، خائفين، منطوين على أنفسهم، في بضعة أيام وصلوا 70 يفدون بعدد أكثر فأكثر، مرت السنة الأولى في علاج المرضى وتقويت الأطفال.

 

تتابع البناء لترميم الدار وتوسعتها، أحدث ميتمان، واحد خاص بالأطفال الاناث والثاني خاص بالذكور الذين سلموا للراهبات، جميعهم يتعلمون غرس الحديقة، وأشغال النجارة، أما البنات فيعملون “الشبكة” La dentelle والطرزLa broderie ، كافة يتعلمون شيئا فشيئا الفرنسية.

2

بعد صدور الظهير البربري  في 17 ذو الحجة 1340 هـ / 16 مايو 1930 م، الراهبات وجدن أنفسهن مضطرات لمفارقة جزء من المسلمين الصغار الذين لم يعد لهن حق التكفل بهم، بموازاته تم توسعة ورشة العمل، الأطفال أصبحوا يعيشون على نمط القبائل الجبلية التي ينحدرون منها، ، بعد 1937 عقب موجة جفاف حاد جديدة، تحتم القيام بتوسعة أخرى بدعم من سلطات الحماية ـ ما يمكن ملاحظته بهذا الخصوص أن جميع الوثائق المكتوبة والكتب المرقونة وكل ما سجل عن هذه الفترة حول التواجد الفرنسي بالمغرب لما يقوم به الفرنسيون أنفسهم لا يسمونه احتلال occupation أو استعمار colonisation بل يسجلونه بلفظ حماية protection ـ كافة المحتضنين يتابعون دروس العربية والفرنسية، يلجون المدرسة الابتدائية و يتلقون معارف القرآن، في هذه الفترة انتهت أشغال ورشة السمار القصبي L’atelier de vannerie التي تصنع فيها السلات والحصير وسترة الرأس وسرير الأغراس المعلقة مثل كروم العنب وسياج الحقول ،،، كذلك انتهت أشغال ورشة البنات الخاصة بالطرز و”الشبكة” والسلطات المغربية تشجع هذه المشاريع ؛ بعد الاستقلال الميتم أصبح يعمل بالاقتصاد الاحتياطي ومساعدات الجمعيات الخيرية الاسلامية التي يعتمدون عليها. بعدها أوكل الأمر الى الصحة العمومية ليقتصر مجال العمل على أقل من 6 سنوات. 1957 بعد تهيئة مدرسة فتحت أبوابها لاستقبال فتيات المدينة وبضع طفلات كبيرات من الميتم يبقين لمتابعة الدروس – هي مدرسة آمنة بنت وهب الخاصة بالبنات-، شيئا فشيئا الفرنسيون دخلوا لبلدهم. في 1960 و 1970 العدد بقي في تراجع، في 1971 وزارة الصحة العمومية قررت تعيين مدير مغربي للميتم، لتنسحب الراهبات، فيما الممرضات منهن تابعن عملهن بالمستشفى. نسجن أخوة وترسخت في جناح ما، صبغتها التقدم مرة والتردد مرة، الراهبات يتتابعن الى يومنا ـ تاريخ الوثيقة ـ في تحفظ كامل، يؤمنن فقط المداومة والحضور للإنصات في اطار المساعدة الاجتماعية بالنسبة لمن يحتاجونها.

 

لما راسل الطبيب شاتنيير سنة 1924 مقر الكنسية الكبرى بالرباط يطلب المساعدة، بعث كبير أساقفة الكاتدرائية رسالة خطية الى أحد الرهبان برتبة أب كاثوليكي يقضي فترة نقاهة مرضية بمراكش تقول:

هكذا، الأب العزيز، أعتقد أنكم ستساهمون في مشروع كبير، لدينا في سوس وضعية مؤسفة جدا، وفرصة استثنائية جاءتنا قصد مساعدة الأهالي، لا أستطيع التخلي وتركها تضيع دون استغلالها ،،، هناك خطر، حقيقة، لكن توجد كذلك نفوس تنتظر الإحسان اليها، الأهالي سيتفهمون أننا نذهب إليهم ليس مدفوعين بالمصلحة، لكن من أجل حبهم في المصيبة مقابل حياتنا لو تطلب الأمر، واذا تمكنا أيضا من أن نوصل اليهم رحمتنا وإخلاصنا، ألن يكون وسيلة كي يفتحوا لنا قلوبهم للثقة وتهيئة عيونهم الى النور؟ هل تقبلون الذهاب الى تارودانت ؟ سيكون بجانبكم الراهب الأخ بيير باتيستلوكونط، وهو ممرض جيد، وأربع راهبات من فرنسيي بعثة مريم   religieuses Franciscaines Missionnaires de Marie.

3

لم يتردد الراهب الأب وهو لايزال يتمتع بفترة نقاهة، في قبول الاستجابة التي عبر عنها من مراكش بواسطة برقية تلغرافية الى الرب الرسول كبير كنسية الرباط mon seigneur le vicaire apostolique de Rabat   .

الفرقة تهيئة للسفر والالتحاق بتارودانت للانضمام للطبيب بول شاتنيير لكن … وباء التيفوس خطف الطبيب أولا ، ثم الأخ الراهب بيير le Frère Pierre  وبقية الفريق، الأب الراهب بيريكرLe P. Peyriguère الذي تم إجلائه نحو الصويرة أفلت ونجى .

1930 بعد إحداث عدد من دور الميتم بالمغرب تسمى دار نقطة الحليب، لكونه عصب الحياة بالنسبة للأطفال الرضع الذين يجدون أنفسهم بين ظرف وآخر، رمت بهم الأيام، بين مخالب المجهول وغدر الزمان، نتيجة أم تخلت أو أب خطفته مصيبة المنية، تارودانت كانت هي خامس مدينة مغربية تؤسس بها فرنسا دار نقطة الحليب بعد الرباط والدار البيضاء ومراكش والصويرة، فتقدمت حرم المقيم العام الفرنسي بالمغرب الجنرال هوبير ليوطي الى السلطان محمد بن يوسف بطلب لتأسيس الدار بتارودانت، نزولا عند رغبتها “الانسانية” صدر ظهير شريف في الموضوع هذا نصه من نسخة أصلية: 

4

بعد الحمدلة والتصلية، طابع شريف بداخله محمد بن يوسف الله وليه، خديمناالأرضى ناظر أحباس ردانة الطالب الطيب الفاسي وفقك الله، وسلام عليك ورحمة الله. وبعد فقد اطلع علمنا الشريف خديمنا وزير عموم الأوقاف بطلب عقيلة سعادة المقيم العام للنصف في جنان السقاية الحبسي بترودانت الذي يسع كله هكتـ7ـارات لإحداث محل نقطة الحليب به … وعليه فنظرا لهذا المشروع الخيري الذي ينتفع به عموم الأهالي، نامرك أن تتخلى عن نصف الجنان المذكور مجانا، بشرط أن يبقى لجناب الأحباس الحق في حيازته ورده لحبسه إن استعمل في غير ما أعد له مما ذكر والسلام . فـ28ـي رجب الفرد الحرام 1349 وسجل الكتاب الشريف بوزارة عموم الأوقاف بعـ2539ـدد تاريخ 2 شعبان الأبرك عامه الموافـ23ـق دجنبر 1930 محمد ملين لطف الله به.

كل زمن وأيتام تارودانت بألف خير

 

اضف رد