رشيد برقان

تخسار الهدرة

المسائية العربية

رشيد برقان

رشيد برقان

رشيد برقان

ينضاف إلى المشاكل التي تعانيها الأغنية المغربية ومجمل أشكال التعبير الشعبي  مشكلة بعض الأغاني التي أصبحت تفضل الدخول في صراع وخصام غنائيين،خصوصا عندما يكون موضوعها علاقة الحب بين المرأة والرجل؛ وكأن علاقة المرأة بالرجل المعبر عنها حميميا بالحب أصبحت حلبة للتباري والصراع بشكل سوقي وعنيف، فلم يعد العنف حكرا على داعش والحركات الجهادية المتأسلمة، ولكنه اخترق الأغاني أيضا، فبعد “أنت باغياواحد .. تلعبي عليه العشرة” تطلع أغنية جديدة بعقلية انتقامية فذة “وا مشيتي فيها .. الغلطة درتيها .. كنت حفرتي حفرة أنت طحت فيها”، وآخر يصل به القرف إلى درجاته القصوى فيصيح ” تبدلت .. ماحشمتي .. أنا تقادا لي صبر معاه .. ينعل اللي مامشى خلاه”
ونحن على مقربة من فصل الزهور وتفتح المشاعر، وعلى مشارف اليوم العالمي للمرأة، ووسط موسم السيد فالنتاين الذي يبدو أنه بدلا مجهودا كبيرا بدون طائل، لأن ما عقد من عقود حب خارج إرادة الشرع تتكسر اليوم أمام مرأى شرع السوق الجديد للأغنية المسماة باطلا مغربية.
لست من دعاة التحريم والمصادرة، ولا أقبل التعرض لحرية التعبير مهما كانت الظروف والملابسات، ولكن هذه الحرية هي التي تدفعني اليوم للاحتجاج على هبوط الذوق التعبيري للأغنية من برج الحب السامي إلى حلبة صراع داخل قاعة مظلمة يتحين كل واحد فيها إصابة غريمه في مقتل. وأتساءل مثلما يمكن أن يتساءل كل قارئ هل تستطيع أن تحب شخصا بهذا المنطق؛ أي شخصا يتحين الفرصة لكي يوقعك في الغلط لكي يبرر منطقه ويؤكد صلابة تصوره. أعتقد أن المنطق المتحكم في مثل هذه الأغاني هو منطق رجالي مقيت يرى العالم من خلال منظاره الذكوري فقط، فهو رجل جميل لا يعاب ولا يرتكب الأخطاء، ولكنها هي المتسلطة والخائنة، وهو مسكين حسن النية والطوية لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه، وهي سبب شقاء الانسانية. وكأن الأغنية المغربية لم يعد يكفيها استيراد الأدوات التعبيرية من الغرب ومن الخليج، ولم يعد يكفيها أيضا تعميم أغاني حلقات الذكر المخمورة من البارات إلى عموم المنازل والشوارع العامة في واضحة النهار، لتطلع علينا بلهجة ساقطة تعتلي أشكال تعبيرية نغمية حديثة، لكي تهد مابقي من قيم مجتمعية نبيلة لاتزال تتسكع بين ظهرانينا.
أعتقد أن هذه الموجة من الكلام الساقط والمواقف الانسانية المتأزمة تعكس نثرية العلاقات الانسانية المغربية، ودرجة الصدام القوي بين المغاربة وهويتهم. لم نعد نستطيع التصالح مع ذواتنا، ولم نعد نعتبر الأدوات التعبيرية بلسما لجراحنا، لهذا انخرط فنانينا في موجة الشتم والخصام، وباركنا، بدون إرادتنا، هذا النمط من التعبير من خلال المسابقات والإذاعات الجهوية، وإذاعات القرب التي لم تعد تستطيع إلا تسويق الضجيج وحثالة الفكر المتخلف.

رشيد برقان

رشيد برقان

وأنا أسرد هذا الكلام نطت إلى ذهني مثل فراشة ربيعية أغنية لمارسيل خليفة  أنشدها، من شعر محمود درويش، في عز الانتفاضة، عندما كانت أذهاننا تضج بالمقاومة والاحتجاج، وضرورة التصادم مع العدو في كل الواجهات تقول:

عِنْدمَا يَذْهَبُ الشُّهَدَاءُ إِلَى النَّوْمِ أَصْحُو، وَأَحْرُسُهُمُ مِنْ هُوَاةِ الرِّثَاءْ

أَقُولُ لَهُم: تُصْبحُونَ عَلَى وَطَنٍ، مِنْ سَحَابٍ وَمِنْ شَجَرٍ، مِنْ سَرَابٍ وَمَاءْ

أُهَنِّئُهُم بِالسَّلامَةِ مِنْ حَادِثِ المُسْتَحِيلِ، وَمِنْ قِيمَةِ الَمَذْبَحِ الفَائِضَهْ

وَأَسْرِقُ وَقْتَاً لِكَيْ يسْرِقُوني مِنَ الوَقْتِ. هَلْ كُلُنَا شُهَدَاءْ؟

وَأهْمسُ: يَا أَصْدِقَائِي اتْرُكُوا حَائِطاَ وَاحداً، لحِبَالِ الغَسِيلِ، اتْرُكُوا لَيْلَةَ

لِلْغِنَاءْ

اُعَلِّقُ أسْمَاءَكُمْ أيْنَ شِئْتُمْ فَنَامُوا قلِيلاً، وَنَامُوا عَلَى سُلَّم الكَرْمَة الحَامضَهْ

لأحْرُسَ أَحْلاَمَكُمْ مِنْ خَنَاجِرِ حُرَّاسِكُم وانْقِلاَب الكِتَابِ عَلَى الأَنْبِيَاءْ

وَكُونُوا نَشِيدَ الذِي لاَ نَشيدَ لهُ عِنْدمَا تَذْهَبُونَ إِلَى النَّومِ هَذَا المَسَاءْ

أَقُولُ لَكُم: تُصْبِحُونَ عَلَى وَطَنٍ حَمّلُوهُ عَلَى فَرَسٍ راكِضَهْ

وَأَهْمِسُ: يَا أَصْدِقَائيَ لَنْ تُصْبِحُوا مِثْلَنَا… حَبْلَ مِشْنَقةٍ غَامِضَهْ!

فمن يحرس أتعابنا ويضمد جراحنا نحن الذين يطحننا النهار بمشاغله، ومن يترك لنا ليلة للغناء تصالحنا مع عالمنا وتجدد الأمل في ذواتنا. نحن على وشك أن ننام ونحن فزعين بأن يصبح الصباح ونجد أن أحلامنا سرقت ولم يبق لنا إلا المسوخ.

 

اضف رد