تساؤلات حول مسيرة البيضاء الملغومة وقضية القباج المحمومة

المسائية العربية 

حسن البوهي%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d9%87%d9%8a

“حين ينتهي القانون يبدأ الطغيان: وليام بت
يظهر أن المغرب “أحسن بلد في العالم” و”بلد الاستثناءات” يسير بخطى حثيثة نحو إقبار تجربته السياسية في مرحلتها الجنينية بعدما اهتدى مهندسوا الخفاء السياسي إلى التراجع عن أدبيات الممارسة الديمقراطية والعودة إلى أسلوب الكولسة ومنطق التحكم عن بعد، عن طريق بعث إشارات ورسائل مشفرة واضحة المغزى على بعد أيام قليلة من حمى الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في السابع من أكتوبر، ولعل مسيرة الدار البيضاء الأخيرة المثيرة للجدل ضد حكومة بنكيران (بتاريخ 18 شتنبر) تستدعي التوقف مُطولا لطرح أكثر من علامة استفهام، لاسيما أن هذه المسيرة الملغومة لم تتبناها أي جهة سياسية وليس بمقدور – حسب عدد من الباحثين والمحللين السياسيين- أي حزب سياسي أن يستنفر المواطنين للخروج والاحتجاج في الشارع ضد سياسة حكومية معينة لأن غالبية هذه الأحزاب تفتقد للامتداد الشعبي ولم يعد لها رأسمال رمزي يؤهلها لكي تحظى بثقة المواطن المغربي، للاستدلال على حالة الهوان السياسي هاته يكفي إلقاء نظرة بسيطة على المعارضة السياسية بالبرلمان لتتضح تجليات الضعف والخبط العشواء الذي ترزخ فيه على مستوى هزالة حصيلة تشريع القوانين التنظيمية وأعمال اللجان.
ضعف الأحزاب السياسية يجعل أصابع الاتهام تتوجه بشكل مباشر لوزارة الداخلية بعدما أدلى مواطنون بسطاء بتصريحات مفادها أنهم لا يعرفون المقصود من شعار المسيرة الاحتجاجية “لا لأخونة المجتمع” وانتقلوا للدار البيضاء بناء على توجيهات أعوان السلطة من “المقدمين” الذين وفروا لهم بتنسيق مع جهات مجهولة وسائل التنقل واللوجستيك، ألا ينتمي المقدمون إلى وزارة الداخلية؟؟؟ ليخرج بعد ذلك الوزير حصاد بتصريحات يقول فيها إن وزارة الداخلية بريئة من مسيرة البيضاء.. حتى لو أن فرضية وزارة الداخلية بريئة من هذا السناريو لماذا لم تقم بالمُتعين وتوضح للمغاربة الجهات المدبرة للمسيرة ونواياها؟ ولماذا سمحت بالتجمهر غير المرخص؟ هل نامت أعين الداخلية رغم أن خبر تنظيم المسيرة تسرب لوسائل الاعلام ثلاثة أيام قبل ذلك؟ في حين تستنفر أجهرتها عندما يتعلق الأمر بوقفات أصوات تغرد خارج السرب وتشحذ هرواتها لتنهال على المعطلين حاملي الشواهد العليا، مهندسوا هذه الكواليس ماضون في اتجاه إعادة إحياء المجد السلطوي لوزارة الداخلية عندما كانت أم الوزارات في عهد الوزير الراحل إدريس البصري، ليعودوا القهقرى بالمغاربة إلى سنوات ضنوا أنهم حسموا معها بدون رجعة مع مجيء دستور 2011.
رغم أن حصيلة الحكومة الحالية تبقى جد ضعيفة ودون مستوى التطلعات وتعتور توجهاتها العديد من النقائص ونقاط الضعف على مستوى التوجه الاستراتجي فإن تدبير المرحلة الانتخابية المقبلة لا يجب أن يتم وفق هذا التوجه الملغوم الذي قد يقود البلاد إلى سيناريوهات غير محمودة العواقب، بقدرما يستدعي الامتثال لقواعد الممارسة الديمقراطية التي ارتضاها المغاربة من خلال دستور 2011، فالقوة لا تتأتى إلا عن طريق الحق الذي يحميه القانون على حد قول المهاتما غاندي.
قبل مسيرة البيضاء طغى على المشهد السياسي والاعلامي قضية رفض ترشيح السلفي “احماد القباج” بدعوى أن السلطات توصلت بعد البحث الإداري أن المعني بالأمر عبر في عدة مناسبات علنية عن مواقفه المناهضة للمبادئ الأساسية للديمقراطية التي يقرها دستور المملكة، من خلال إشاعة أفكار متطرفة تحرض على التمييز والكراهية وبث الحقد والتفرقة والعنف في أوساط مكونات المجتمع المغربي” ولعل السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق لماذا لم يتم اعتقال احماد القباج قبل ذلك ما دام أنه يشكل خطرا على المجتمع والدولة؟ ولماذا لم تصادر جواز سفره وتفرض عليه الاقامة الجبرية وما إلى غير ذلك من الإجراءات التأديبية والاحترازية؟ وهل يحق للسلطات المحلية أن تمنع قرار الترشيح بناء على التهم المشار إليها – التي تعاقب عليها مقتضيات القانون الجنائي – دون حكم قضائي مسبق علما أن النيابة العامة هي من لها كلمة الفصل ولا يحق لأي جهة كانت أن تتدخل في مجال تخصصها وتوزع صكوك الاتهام بشكل جزافي وتصدر قراراتها الانفرادية بشكل قطعي، فعدم احترام اختصاص السلطة القضائية وضمان استقلاليتها سيجعل من تقارير وزارة الداخلية أداة انتقام لتسوية الحسابات الضيقة ووسيلة قهرية لمصادرة حقوق الغير وتكميم الأفواه.
يأتي قرار منع ترشيح احماد القباج في ضل تغاضي وزارة الداخلية عن ملفات عدد من المترشحين الذين تفوح منهم رائحة الفساد والمتابعين في قضايا نهب المال العام، لماذا لم تتدخل إذن لحماية المواطنين البؤساء من جشع هذه الكائنات الانتخابية التي تساهم في تغذية تربة الفكر المتطرف بإمعانها في تفقير الفقراء وتسخير المال العام لمصالحها الشخصية؟ هل كانت وزارة حصاد ستقدم على رفض ملف الترشيح المعني بالأمر لو تقدم تحت قبعة حزب سياسي أخر كحزب الكومسير عرشان “حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية” الذي يضم أكبر عدد من السلفيين المعروفين بأفكارهم المتطرفة قبل أن يتراجعوا عنها بأقبية السجون، علما أن القباج لم تتم إذانته من قبل في قضايا الإرهاب والتطرف ولم يمض عقوبة حبسية؟…لا شك أن عنقاء الانتخابوية تطل برأسها من رماد الحسابات السياسوية لتشكيل المرحلة المقبلة على مقاس جهات بعينها….للحديث بقية