مات الانسان فينا : قد يكون أنا ، أنت ، وقد يكون المؤدن عينه.

المسائية الثقافية

بقلم : محمد السعيد مازغ 

لم  يعد للحجام أثر، بعد أن طاحت الصومعة وخر البنيان،

 بقايا الركام تشهد على أن يوما ما،

كان هناك شيء يتحرك..

حياة تدب في المكان،

 تعشق الحياة ، تتشبت بتلابيبها،

فوضعت الأسس وهندست الموضع

قبل ان تصاب بداء الإسمنت المسلح والفولاذ الصلب،

وعمى التوسع والاستيطان والتملك،

بنايات صممت لتتحدى الزلازل والاعاصير ،

تمددت طبقاتها لتطل على الاسفل في علياء،

تزاحم النجوم في تموقعها ونورها وبهائها،

كل شبر فيها يحكي رواية ،

يتسلى بالكلمات ويحركها داخل

رقعة شطرنج خاوية الوفاض،

 تدق الضربة الاولى ثم الثانية

وتتلوها ثلات ضربات متتالية،

يسود الصمت المريب ،

وترتفع شحنة أوثار قيثارة هائجة،

 يرتفع الستار عن حركة آلة تسابق الزمن،

 يهز محركها المكان لدرجة تخال نفسك في

مطار دولي تتناوب طائراته على

الهبوط بمحاداة المدرج،

يختلط عليك الامر،

فلا تدري ان كان الدبيب الذي بداخلك

 نتيجة الهوس النفسي الداخلي،

او تموجات الريح الجانح من بين الكتل

الرملية التي تصفعك بقوة،

فتحك خدَّك دون ان تدرف دمعة،

وتخترق جدار عينيك،

تفركهما بمنديل اختلط فيه الحابل بالنابل،

الركح بساط احمر،

والممثل يقتفي اثر الضحك من اجل لقمة عيش،

وانت جالس على كرسي،

تبتسم، تضحك، تتأوه

تستسلم لغفوة طارئة

قبل ان تهرب من كابوس اسمه

المسرح الواقعي

تستنفر القلم،

فيخطط لانقلاب العالم،

لمصير الشعوب،

لمستقبل منفلت من عقاله،

وحين يجف حبر القلم،

تشكو في الأخير من  ألم الظهر،

وشيب شعرات الرأس.

يتملكك احساس غريب،

انفاسك تتقاطع وتتصارع كثيران اسبانيا المجنونة التي

تدوس كل من يقف في طريقها

ويتلدد الباقي بالمآسي وآهات المعطوبين  ،

 تتعطل جميع حواسك وتتثاءب ،

باستثناء حاسة الشم،

فرائحة البارود تتعلق بالخياشيم،

تزكم الأنف وتبعث على الغثيان،

رطوبة الجدران المتماسكة كعنقود العنب تخنق الانفاس،

تفقدك التوازن

فتتشبت بجلسة القرفصاء،

ومتابعة المشاهد بالاهتمام

المتزايد أحيانا، وبالتجاهل التام أحيانا اخرى.

تملا رئتيك بالهواء الملوث،

تضحك من حكاية صيانة البيئة

والمحافظة على التوازن الطبيعي،

تفرك عينيك، يتحرك لسانك ليسائلك :  

ـ ما ذا يقع في هذا العالم البئيس !؟،

والى اين يمضي الناس !؟،

وكيف ودّعوا  البساطة والانفة والشهامة ،

وعَوَّضوها

بالسيوف المتقاطرة دما،

واغتصاب المحارم وترويعها،

والانغماس في الرديلة والفجور،

هل هذا هو الوطن الذي كنت ترسمه على الورق الشفاف،

وتلك الالوان الزاهية التي كنت تضعها على شفاه الورود والازهار،

 وقف الاستاذ يتامل الخطوط المنعرجة،

استفزه الاطار والفراغات المتنافرة التي 

توحي باستفهامات ورموز زائغة،

يضع الصبي اصبعه على مكان الجرح،

يبحث عن بقايا الدم المنتشر

على جنبات الصفحة،

ينتابه الخوف من المعلم،

فيحتمي بقمطر الطاولة،

يدس راسك بين فخديك،

ينال سرواله حظه من البلل

وهو لا يدري في اي مكان من الجسد سيستقبل

حفاوة الانبوب المطاطي.

 

الجرس يعلن نهاية مأساة فصل دراسي،

يتابط الطفل محفظته،

ويطلق العنان لقدميه،

يبحث عن قصبة ليسابق الريح،

يتجاوز الاوامر والنواهي،

يتسلل خلف الحديقة،

بحثا عن فراشة تائهة،

تتخطفه يد عفنة،

صيحات وصيحات ،

كتب متلاشية،

حروف ذابلة تخطها دمعة ،

وموت ضمير في نهاية القصة.

 

يرفع عينيه من جديد،

تبدو ناطحات السحب شاحبة،

 لم يعد سموها يثير الاعجاب،

او يحرك المارد النائم،

مكاتب صممت لابرام الصفقات وعقد الجموع الحاشدة،

تتحرك الكلمات في قاعة المزايدات،

كل يزايد..

كل يراهن

كل يحتاط من غريمه،

وبين السطور

ينسج العنكبوت خيوط مناوراته،

وتوقع الصفقة على مضض.

يسود الصمت من جديد ،

تغلق الصناديق المحشوة بالاوراق والوصولات،

ويغادر الناس القاعة،

اجسامهم مطلية بصباغة الجير الاصلي،

 بياض في بياض،

لم تعد الدجاجة وحدها تبيض،

ففي زمن الاموال المشبوهة يهدر الزمن،

تموت الارادة ،

تسرح الروح بحثا عن ملجإ،

وتتقيأ الحية عبيدا، يمشون

بلا هدف،

بلا عنوان،

بلا جواز سفر،

فضاعة الاثرياء لا تنتهي،

وحب التملك في اطراد،

والمستثنى والمستثنى منه لا محل لهما من الاعراب.

،قال عمر: متى استعبدتم الناس

وقد ولدتهم امهاتهم احرارا،

مات عمر،

مات الناس،

عاش الاستعباد،

وعاشت السيادة،

بقهوة سادة،

وطحين في حاوية الازبال،

وحريق جسد منهار،

وهجرة بطعم لحم الجيفة،

وجفاء قناصة الحدود،

رفع الشارة ،

رصاصة تستقر في القلب،

ومنديل ابيض يتطاير كغمامة في يوم كئيب،

مات الانسان

قد يكون هو أنا

هو أنت

وقد يكون الحجام عينه.