لحسن كجديحي

ثقافة التطلع …

المسائية العربية

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

تهتم مجتمعات الغرب  بنشر ما أصبح يعرف باسم – ثقافة التطلع – كأسلوب للسلوك والحياة وكمطلب يعمل أفراد المجتمع على تحقيق أهدافه. وهذا اتجاه يقتضي أن ننظر إلى الثقافة ليس فقط على أنها (الماضي) المتوارث أو الحاضر المعيش، ولكن أيضا على أنها (التنمية)، وبذلك تكون الثقافة هادفة وتشجع على التطلع والنظر إلى المستقبل، كما أنها تتطلب التنافس التطلعي إن صح التعبير لرفع مستوى المعيشة وتحقيق المكانة الأكثر رقيا وتقدما. فالثقافة منظومة حركية دائمة التغير، بالرغم من ثبات المقومات الأساسية. وثقافة التطلع تساعد على رسم خريطة لتحديد معايير النجاح والتقدم نحو مستقبل أفضل وتحديد المسارات لتحقيق تلك الأهداف. وربما تكون في المجتمع وهو أمر طبيعي ومفهوم بعض الفئات والشرائح التي تعجز لأسباب خاصة، وأخرى موضوعية، عن تقبل وتطبيق كل متطلبات ثقافة التطلع، ولكن قد يكون تيسير التعليم وسيلة تساعد على التغلب على ذلك العجز. والمهم هو أن يعمل المجتمع على الاهتمام والارتقاء بصناعة الفرد وتنمية تطلعاته ومساعدته على تحقيقها وفي الوقت ذاته إشراكه بقدر الإمكان في أنشطة الحياة حتى يشعر بوجوده وكيانه ودوره في حياة المجتمع.

إن تحقيق أي تحول نحو مستقبل إيجابي يتطلب حدوث تحولات في منظورات وقيم وسلوك الأفراد. فمنذ الطفولة وحتى الرجولة المبكرة يجب أن تكون فرص تعلم وتعليم مشكلات المستقبل متوافرة إلى أبعد حد في كل مكان على سطح الأرض بحيث تقدم بعض المؤسسات المختصة – على أقل تقدير – برامج ومقررات لتعليم الكبار كما توفر أشكالا متنوعة من الوسائل والأساليب التي تساعد على التعلم وتعرّف الإمكانات المستقبلية لحضارتهم وللكوكب الذي يعيشون فيه… ويجب أن تساعد فرص التعلم الناس من مختلف الأعمار على فهم القضايا العالمية وممارسة التفكير النقدي في الأمور المتعلقة بالمحافظة على كل أشكال الحياة على ظهر هذا الكون والاهتمام بالآخرين وإدراك أهمية العناية  بأبناء أجيال المستقبل

 – خاصة – وفهم منظوراتهم والشعور بالالتزام إزاء التغيرات الضرورية والتسامح مع مختلف الثقافات والآراء والأفكار والتعاون من أجل المصلحة العامة والبحث عن أهداف لا مادية ذات معنى.

وليس من شك في أن التطلع خاصة أساسية لدى كل أفراد الجنس البشرى في كل العصور مع وجود اختلافات هائلة بين الأفراد والجماعات وتباينات في الأهداف والوسائل. فالتطلع عنصر وعامل مهم في التقدم والارتقاء، ولكن ما يميز العصر الحالي والذي يدفع إلى وصفه بأنه عصر التطلعات هي الظروف الدافعة بقوة نحو التطلع غير المحدود وبزوغ فئات اجتماعية في كل المجتمعات الحديثة تجعل من التطلع هدفا وقيمة وأسلوبا للحياة وليس مجرد وسيلة، وإن كان يصعب مع ذلك تحديد موقع هذه الفئات الجديدة بدقة، في سلم التدرج الاجتماعي نظرا لعدم وضوح معالمها بدقة ونظرا لاختلاط المعايير التي توجه حياتها التي لم تنتظم بعد. وكثيرا ما يكون الوصول إلى المستوى الحياتي الأعلى والأرقى مجرد انتقال شكلي بعيد تماما عن الاندماج العضوي الكامل، نظرا للفجوة الثقافية والاجتماعية المتمثلة في قواعد القيم وأساليب الفكر والحياة، على الرغم من أنه يحقق مبدأ المساواة في الفرص والقضاء – ولو نسبيا – على الانفصال الكامل بين شرائح المجتمع، ووضع القيود على الحراك الاجتماعي.

إن تعلم وتعليم المستقبل يوفران أساسا ضروريا لبناء عالم أفضل. ولن يستطيع أي جيل أن يصل إلى مستقبل إيجابي دون إجراء تغييرات جذرية على مستوى الواقع وبحيث يحصل على ذلك النوع من التعليم والتعلم جميع أفراد الجيل وليس فقط المحظوظون. ولعلنا ما زلنا  نتذكر  الحكمة التاريخية قي هذا الصدد : ..التاريخ الإنساني يتحول شيئا فشيئا إلى سباق بين التعليم والكارثة… إننا لن نستطيع أن نتقدم بسهولة عبر السنوات  القليلة المقبلة إلا إذا استطاعت نسبة كبيرة من سكان بلادنا أن تفهم المشكلات العالمية وإمكانات المستقبل وأبدت الاهتمام الكافي بالأجيال القادمة وآمنت بضرورة التغيير واتّخذت موقفا بنّاءً يقوم على التعاون في معالجة الاختيارات الصعبة. وحين يتوافر عدد كاف من الناس الذين يهتمون بالأجيال القادمة يصبح من السهل قبول وتحقيق الأولويات.

 إننا نتوقع من المجتمع الذي يدعي التحضر  أن يقدم كل ما يستطيع من عون ومساعدة حتى تشعر أجيالنا القادمة بقوة الروابط العميقة مع كل البشر ومع الكوكب الذي تعيش فوقه ومع كل أشكال الحياة بل وأيضا مع جيلنا الحالي…..فكلما ارتفعت أعداد الذين يشعرون بقوة هذه الارتباطات ازداد الاهتمام بالإنسانية ككل وبمشكلات هذا العالم وازدادت بالتالي التصرفات القائمة على المحبة والتقدير والحرص على احترام الإنسان والعالم ككل. وسوف يسعد الأجيال القادمة أن تشعر بأنها ترتبط بشيء لا يشيخ ولا يفنى أي بشيء متسام وأعلى وأكبر بكثير من حياتهم الشخصية المحدودة الفانية. وليس ثمة شك في أن تكوين جيل له نظرة ثاقبة تكرس حياتها للأجيال القادمة سوف يكون مفيدا للغاية لكل الأطراف، إذ سوف يشعر أعضاء هذا الجيل أنفسهم بفاعليتهم وقوة تأثيرهم من خلال الاهتمام الذي يبدونه نحو الأجيال القادمة وجهودهم لإقامة مجتمع أفضل…… هناك كثيرون يرغبون في أن يصنعوا شيئا مختلفا لهذا العالم ولكنهم يفتقرون إلى وجود من يؤازرهم ويتعاطف معهم، ولذا فإن وجود جماعات متعاطفة يمكن أن يفعل الكثير للمحافظة على الحضارة الإنسانية مع الشعور في الوقت ذاته بالرهبة والتوقير إزاء أسرار الكون والالتزام بمراعاة الأجيال القادمة.

إن أكثر ما نخافه هو أن يتم اختيار الطريق السهل الممهد أمام الواقع المعيش وأن تستنزف الجهود في البحث عن أهداف وأولويات مخادعة ولا طائل تحتها ولن يكون لها مردود في آخر الأمر سوى تبديد الوقت وجهود ليس فقط على أمور مثل الاستهلاك والترف والمنافسة والصدامات والعنف ولكن أيضا على مشروعات وهمية وقضايا وقتية. إننا نرجو أن نفكر في الآلام والمواجع التي سوف تلحق بأجيالنا  من جراء الحياة الكئيبة والعالم العقيم والقيود القاسية والفرص الضائعة والإحساس بعدم الراحة والضياع وعدم الجدوى. إننا نشعر بالأسى حين نفكر فيما عسى أن يحدث لهم وربما تشعرون أنتم أيضا بشيء من الأسف حين تفكرون فيما سوف يسببه عدم مبالاة عصرنا بالأجيال القادمة.

في إمكان مجتمعنا أن يفعل الكثير جدا لنشر التعلم الفردي لأهم المشكلات على الإطلاق، ولذا ينبغي علينا تشجيع ومساعدة كل فرد على أن يحصل على المعرفة المتراكمة حول هذه المشكلات وأن يفكر حول أفضل الحلول والإجابات. ومن الواضح أنهم سوف يحرزون درجة أكبر من النجاح في محاولاتهم إذا ساعدهم مجتمعنا على إبراز وتنمية قدراتهم على التفكير بوضوح ومرونة وإبداع مع إبداء الشكوك حول المشكلات العويصة والمثيرة للجدل.

وحتى يمكننا  تحقيق مستقبل ترضى عنه أجيالنا لابد من أن نعمل بسرعة على توسيع جهودنا لتنمية وتطوير التوجهات المستقبلية في مجالات المعرفة والأفكار و الاستبصارات والفهم والرؤى والتفكير السليم. وهذا يتطلب منا كذلك الإحاطة الدقيقة بالكثير من مشكلات العالم والتغير الاجتماعي وإمكانات المستقبل وفاعلية المسارات الممكنة والتحولات الفردية والأسس الذاتية للاهتمام بالأجيال القادمة. ولكي نضمن النجاح  سنحتاج إلى تنمية معارفنا الحالية عن مشكلات العالم بسرعة تفوق سرعة تزايد المشكلات ذاتها. فمشكلات الحاضر تنهش وتغتال معرفتنا بأساليب التعامل معها ولذا يتعين علينا أن نتقدم بسرعة أكبر مما بذلنا حتى الآن لكي يمكننا التغلب على كل تلك المشكلات الكبرى وحينئذ قد نجد أن القوى السلبية تزداد سرعة حدوثها باطراد حتى تكون أقدر على التحدي. وحتى يمكن لنا تطوير المعرفة بحيث تتفوق على كل العوامل التي قد تدفع الحضارة نحو الانحدار والتدهور فسوف نحتاج و بإلحاح  إلى مضاعفة الجهود. وليس لدينا أدنى شك في أن لدينا القدرة على الفوز في هذا السباق ولكن ليس بالاسترخاء والاكتفاء بالمستوى الحالي الذي بلغته مجهوداتنا الحالية.

سوف يكون ثمن التدهور والخسائر أفدح بكثير من تكاليف إجراء التغييرات مبكرا. لو أننا استمررنا في أنانيتنا ضيقة الأفق فسوف تكون النتائج كارثية أكبر مما نتصور. فمن وجهة نظرنا نحن بعيدة المدى يبدو أنه من الغباء والظلم الفادح أن نتقاعس عن إجراء تلك التغييرات بأسرع ما يمكن. ويا ترى كيف يكون رد الفعل لدينا إزاء سائق حافلة يعرف أن الفرامل لن تستجيب له بالسرعة المطلوبة ومع ذلك لا يبالى بإصلاحها في الحال. أما إذا قمنا بإنجاز تلك التغييرات فإن المكاسب التي ستعود على أجيالنا ستكون أكبر بكثير جدا مما تتكلفه تلك التغييرات.