حراك الرّيف وحيرته مطالب اجتماعية عادلة فلتكن تحت سقف الوطن

المسائية العربية/ادريس هاني

   لعلّه من الصعوبة بمكان تناول ظاهرة في حالة حراك، ذلك لأنّ العقل الجمعي المنبثق عنها يكون في حالة لا تسمح بالإنصات، وهذا من طبائع كلّ الحركات الاجتماعية، وقد يصبح من السهولة أن تفهم الرسالة خطأ، لذا لا بدّ من الإجابة الاستباقية لتفادي أعطاب نظرية التّلقي. فكاتب السطور معني برصد الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تخص البلد والمنطقة، وهو يؤمن بدور المثقف في اقتحام هذه الظواهر بالقراءة والفهم والانخراط في الشأن العام والنقاش العمومي، كما يهمّه استكمال قراءته للسياقات التي لا زال يحوم حولها ما سمي بالربيع العربي الذي أحتفظ برأي واضح حول مآلاته، عبرت عنه في كتابي حديث الصدور: “بؤس الربيع: رؤية فلسفية وجيوستراتيجية”، وفيه تمت مقاربة السياقات والمسارات الملتبسة.

         ويهمني هنا البعد الجيوسياسي لكل حراك، ومدى قدرة وعي الشعوب على الخروج بحراكاتها من حافة الاستغلال الإمبريالي الذي يشغل المكان ويتوفّر على رصيد من نظرية الألعاب يصعب رمقها في لحظات الغضب، وهو ما يضرّ بالحراكات الاجتماعية نفسها. وفي مقدمة هذه القراءة لا بد من أن نؤكّد على أمرين:

الأمر الأول يتعلقّ بأهمية الحراك في نطاق المطالب الاجتماعية المشروعة كما أجمع الكلّ على ذلك في سائر التصريحات التي تأتي حتى من مناهضي الحراك أنفسهم، وهو ما يعكس حيوية المجتمع المغربي ويقوم بدور التحسيس الذي تنتج عنه إصلاح منظومة الرقابة والمحاسبة على المال العام والتدبير. وقد عرف المغرب منذ سنوات وحتى قبل موجة الربيع العربي تقاليد احتجاجية استمرت من دون هوادة، وبات المغرب متعايشا مع احتجاجات المجتمع في إطار تدبير حقوقي وقانوني متقدّم على جيرانه الإقليميين ولكنه لا زالت تكتنفه بعض الثغرات التي تشكل محور النقاش العمومي حتى الآن. الاحتجاج بهذا المعنى لم يعد يمثل مأزقا سياسيا إلاّ إذا خرج عن سقفه المنتظر، وفي هذا الإطار نعتبر أنّ التشكيك في وطنية الحراكات الاجتماعية مطلقا هو وجهة نظر أخرى ليس بالضرورة أن تصدق على الحراك  كله، وهو أحيانا يعتبر خطأ يجب تفاديه. والقارئ يدرك أن كاتب السطور عانى ويعاني من كل صنوف التهميش والتعسف حتى أنّه لا يتمتّع بالحد الأدنى من الحقوق إلى حدّ أن ينعت ونظراؤه بالفيروس من قبل المسؤول عن قطاع الأوقاف قبل أيام، كما ينعت من صحافة الريع ومن العياشة الملتحي منهم والحليق بما لا يليق منذ سنوات إلى حدّ التشكيك في وطنيته كما يفعل المتملقون اليوم وهم يصدرون أحكام القيمة عن أي حراك قبل أن يقضي وطره ويمر بسلام. ولكن هذا لا يمنع من ممارسة النّسيان، لأنّ الحقّ الذي يخفّف من كلّ هذا هو مجرد أن تكون كائنا حرّا في حيّز يتمتع بالسيادة وبعيدا عن أي تهديد يستهدف الاستقرار المجتمعي، الوطنية هي أن تعمل وسعك لدفع البلاء عن الاستقرار المجتمعي وسيادة المغرب الذي هو الحقل الذي نمارس فيه تنوعنا الدلالي، ولكنه أيضا الحيز الذي لا ننسى فيه نصيبنا من الإجماع حول سلامته ومناعته. القاعدة الأثيرة هي أنّ النقص الحاصل في حقوق المواطنة لا يغيّر من رصيد واجب الوطنية. هنا المراهنة على الوعي الذي يتراجع بسبب الجنوح إلى ثلاث عوامل مخرّبة للعمران وللحركات الاحتجاجية نفسها: العدمية + الفوضوية + الطوباوية.

الأمر الثاني يتعلق بجملة المحاذير التي يتعين أخذها بعين الاعتبار لكي لا يكون الحراك من دون سقف منطقي وخارج الواقعية السياسية: أن يكون تحت سقف الوطن.

التفكير خارج الإيقاع التّاريخي للجغرافيا يوقع النّاظر في أحوال المجتمعات في جدل الأقصيين: التهويل حدّ الإرعاب والتهوين حدّ الإسفاف، وبينهما تندكّ حقيقة العدالة الجغرافية التي يتمّ في العادة حجبها في تحليل الأحداث. وفيما نستشفه من خلال تأمّلنا في حراك الرّيف، نجد أنفسنا أمام قضية يتعيّن قراءتها في سياقها التّاريخي والجغرافي في هدأة العقل وراحته بعيدا عن حماسة البوليميك السياسي الذي ينضح به لاشعور الحدث، سواء أتعلّق الأمر بشريحة الحراك أو شريحة المناهضين للحراك. سيظلّ الريف هو الحقل الدلالي لمغرب لا زال في وضعية الحشر الجغرافي الذي جعل المطلب الديمقراطي والمطلب الجيوستراتيجي يبحثان عن صيغة ما للتكامل. وهنا يبدو أنّ المغرب هو في حالة بحث مستمر عن مخرج تاريخي لمطلبين لا زلنا نعتبرهما في حالة تنافر ترثه الأجيال، ولكنه بات قضية ملحّة في كل منعطف من منعطفات التّغيير والإصلاح الذي بات قناعة إجماعية وإن اختلفت طريقة التدبير ووتيرة الإصلاحات ومآزق الفساد الذي يشغل بال كل المغاربة.

عن أي جغرافيا نتحدّث؟

العزلة التي فرضها القدر الجغرافي على منطقة الرّيف كان لها عبر التاريخ دور مهم في حفظ الكيان المغربي، أو لنقل كانت سببا في عزلة الجزيرة المغربية المحاطة من البحار والصحراء التي هي أخت المحيط باعتبارها متاهة: المتاهة هنا كما في تصوير باشلار لتجربة “ديول” في جمالية المكان، لكن واقع العزلة هو ما وجب الانطلاق منه من منظور الجغرافيا. إذا كان هنري طيراس في تاريخ المغرب قد أشار إلى وجود مغارب وليس مغربا واحدا ، فهذا من ناحية التقطيع الجغرافي الذي كان له أثر على الثقافة والمزاج، وليس شيئا آخر. وسوف نجد أن الخصوصية الجغرافية لا تحضر إلا في واجهة المشكلة الاجتماعية التي وسمت تاريخ المغرب. بالعودة إلى الحقيقة الجغرافية التي تتحول في منعطفات تاريخية ما إلى انحراف جغرافي، أي أننا أمام تحوّل إيكولوجي لجزيرة المغرب كما وصفها الجغرافيون العرب ، بتعبير إدموند بورك التي يحيط بها البحر والصحراء، حيث يؤكد على أنّ الوضع المأساوي الناتج في المغرب عن تعمق الفجوة بين الفقراء والأغنياء منذ 1900، وحصلت دائما بسبب ذلك ردود فعل سياسية. كان إدموند بورك على طريقة طيراس قد استند إلى الأساس الجغرافي لدراسة تاريخ المغرب، ومن هنا بدا له أن التقسيم الذي فرضته الجبال على المنطقة إلى اثنتي عشرة منطقة إيكولوجية كبيرة جعلت الساكنة تتأقلم مع بيئات متنوعة وبهذا تطورت وحدات شبه مستقلة تختلف في الأعراف وطرق العيش.

   قبل ثورة الاتصالات كانت المنطقة عصية على الاختراق، بينما كان الإنسان المغربي في الريف الذي استمسك عصبه الجمعي بفعل خصوصية الحيّز الجغرافي مثالا لممانعة النموذج المغربي في شقّه الشمالي. والمغاربة يدركون أنّ هذا الجزء من جغرافيتهم الطبيعية والبشرية ونظرا لتموضعها في الثغور الشمالية عانت الكثير من آثار الصدام مع الاستعمار وكذلك عانت الكثير من حالات التهميش التي فرضتها الجغرافية التي لا زالت تشكّل تحدّيا للمغرب، ليس آخرها ما تم اكتشافه من حالة استعمال السلاح الكيماوي في حقّ ساكنة الريف مما جعل المنطقة تحتوي على النسبة الأكبر من المصابين بالسرطان، مما كان يستدعي أيضا وجود مراكز علاج داخل المنطقة التي عانت الكثير من التهميش لأنّه لا مركزية في مجال الصّحة. شمول المنطقة في سياسة الإدماج التنموي كان ولا زال هو التحدّي الذي باشره المغرب منذ شرع أول مرّة في بناء طريق الوحدة الواصل بين شمال المغرب ومركزه، الطريق الذي كان بمثابة المؤشر الأول للتخفيف من وطأة العزلة التي زادها الاستعمار ضراوة. حتى بعد مضي عشرات السنين على الاستقلال لا زال هناك مشكل يتعلّق بتدبير المخصصات المرصودة في تلك المنطقة، والتي يتولّى مسؤوليتها الجماعات المحلّية والمنتخبون.

الأصل في الحراك: اجتماعي

سنجيب عن كل الالتباسات التي حامت حول الحراك الذي نعتقد أنّه يتطلّب نظرة واعية تأخذ في الحسبان حقيقة الاجتماع السياسي وكذلك قضية الجغرافيا السياسية، بمعنى آخر كيف ندبّر ملفّا قد يصبح فيه الاجتماعي في ظرفية ما تفرضها عدوى الاحتقان مطيّة لسياسات التّدخّل. وهذا يتطلّب الوقوف عند محاذير كثيرة وأخطاء قد يقع فيها هذا الطرف أو ذاك مما يحرف وظيفة الحراك الاجتماعي من مساره الطبيعي إلى أخطار استراتيجية لا يمكن إغفالها مطلقا. سوف أتحدّث عن ثلاث معضلات تتهدد الحراك قبل أن أنتقل إلى الإشارة إلى جملة المعضلات التي تتعلق بالموقف من الحراك، ليكتمل النقد المزدوج وتحديد المسار الدقيق الذي قد يجعل للحراك نتائج عملية. العوامل الثلاثة التي تعيق تشكّل الواقعية السياسية هي:

1 ـ العدمية، أو بتعبير آخر عدم القدرة على رؤية المكتسبات أو عدم القدرة على استيعاب الممكن الذي يعتبر مجالا لتدبير السياسة نفسها. العدمية مآلها هو الوعي الشّقي، وهي كفر بالبدائل والمآلات.

2 ـ الفوضوية، أي استسهال فكرة الدّولة والجنوح الظاهر والمبطّن إلى اللاّدولة، وذلك بتفضيل الفوضى على النظام.

3 ـ الطوباوية أو عدم القدرة على تحديد مطالب محدّدة ومقدور عليها وفق تشخيص سياسي معني أيضا بمخارج السياسة لا برفع السقوف إلى ما لا نهاية.

كل هذه العوامل تجعل الحوار مستحيلا، بل تذهب بعيدا في متاهات الوعي الشّقي إلى حدّ الخروج عن المسارات المنطقية للحراك، ومن هنا تبدأ الفجوة تتسع منهجيا لاستدعاء التدخل الخارجي، وهو الأمر الذي ستبدأ معه حكاية أخرى ستكون لها استحقاقاتها المختلفة.

حكومة تزيد في الطين بلّة..

الحكومة التي ولدت في سياق موت الأحزاب السياسية وضحالة همّتهم في تحمّل مسؤولية تدبير الشأن العام وتهربهم المستمر من سياسة رقابية مشددة مصحوبة بمحاسبة أشد باعتبار أنّ المال العام لا يقلّ قداسة عن أصول الدّين، لأنّ سوء تدبير المخصصات المعنية بتنمية المناطق المسنودة إلى الجماعات المحلّية يراكم معاناة المواطنين ويشكّل البيئة الحاضنة لكلّ ألوان الاحتقان، أتساءل إذا ما كانت حكومة العثماني وهي تصبّ الزيت على النّار لأنّ همّها التهرب من مسؤولياتها ورمي المسؤولية على المجهول، أن تقف موقفا شعبيا وتتضامن مع المناطق المهمّشة عبر العمل على إيجاد حلول مقنعة وبأن تقترح التنازل عن ثلث ما يتقاضاه أعضاؤها ونوابها من تعويضات هي كفيلة بحلّ المشكلة، حكومة جبانة بكل المقاييس، بينما حكومة العدالة والتنمية التي حولت الحكومة إلى منبر لإشاعة الاحتقان والتحريض والتلويح: حكومة تمارس التسيير والمعارضة في آن واحد ولا تقدم برامج حقيقية، استنزفت آمال المواطنين بقفشات بلا مضمون: من يا ترى منعهم من أن ينجزوا أشياء بدل أن يتهرّبوا من المسؤولية؟ لقد أصبح واضحا أنّ المواطن فقد الثقة في أحزاب انتهازية تتصارع على المواقع وتراكم الثروة وتنسى الفقراء. إنّ التهميش يسبب خراب العمران البشري، وبات مؤكّدا أنّ سرّاق الله كما قلنا دائما هم أنفسهم يشكلون تهديدا للأمن القومي، وبأنّ مشكلاتهم الحزبية والشخصية وتنافسهم على الحقائب الوزارية سينتهي بأزمة. إذا كان الأمر بالفعل يتعلّق بمطالب اجتماعية، فلا بدّ من المحاسبة.

وحينما تحدث بن كيران سابقا عن أن الربيع العربي يتجول وممكن أن يرجع فهو كان يمارس ابتزازا فارغا لأنّ الكوارث التي سببتها حكومته هي سبب كل الاحتقانات التي أججتها أيضا تلك الانتظارات الكاذبة. لا ننسى أن الحكومة السابقة زعمت أنّها ستطبق برنامجا حكوميا سيأتي ثماره في السنة الأولى من الحكومة، لكنها بعد سنوات لم تفعل سوى أن رفعت من الضرائب وأجهزت على كل السياسة الاجتماعية وملأت الفضاء باللّغو والخطب الشعبوية وساهمت في تراجع الثقة حتى في الانتخابات والأحزاب السياسية، كيف نحاول عبر ركوب موجة الوساطة أن نهرب من خمس سنوات من التدبير الفاشل؟ لقد صوّت النّاس عقابيا على العدالة والتنمية لكنها عاقبت ساكنة الريف لأنها لم تنتخبها، فهي تتحمّل مسؤولية عرقلة الكثير من المشاريع المتعلقة بتنمية المنطقة. أما العثماني الذي جاء وهو يحمل الكثير من المزاعم فقد وجد أمامه تحدّيا حقيقيا سيحرمه من متعة الحكومة، لأنّ المطلوب اليوم أن تكون هذه الحكومة خادمة ومتداركة لكل أعطاب سالفتها، لأنّ الصراع على الاستوزار هو مستفزّ لمشاعر المهمّشين. أما الربيع الذي يحلم به أتباع بنكيران فهو ربيع الخراب، الربيع سيء السمعة ، لأنه سيبدأ إخوانيا وينتهي داعشيّا، وهو في هذه الجغرافيا السياسية: ربيع مستحيل. لم يبالغ الحراك وهو يشكّك في مصداقية الأحزاب التي وصفها بالدكاكين، ولم يبالغ حينما شكك في مصداقية المسؤولين عن القطاعات. وحتى الآن كان الأمر طبيعيا في نظرة باتت قناعة لدى الشارع المغربي. فالحراك كشف عن أنّ الأحزاب عاجزة عن الإقناع، وهي تختبئ خلف الدّولة وتنتظر مبادراتها وتدخلها لحسم ملفات كثيرة. إنّ الحراك ما دام تحت سقف الوطن فهو دينامية إيجابية لتجدد العقل السياسي المغربي. وستكون نقطة إيجابية في صالح المغرب أنه لا زال يمتلك مساحة رمزية لفكّ النّزاع. حراك الريف كشف عن زيف الذين يلوحون بالربيع العربي كابتزاز، ذلك لأنهم لا هم كانوا طرفا في منع وقوعه ولا هم اليوم قادرون حتى على أن يتواصلوا مع ساكنة الحراك. إنّ أي مبادرة من الدّولة ستكون مؤشّرا على أنّ الشعب لم يعد يثق في الأحزاب السياسية.

وعلى ذكر الربيع وألاعيبه، لا بدّ من التّأكيد على أنّ تكراره تحت أي ذريعة هو أمر ممكن أن تنكشف حقيقته لأنّه لا يوجد أساليب مبتكرة جديدة لا نعرفها نحن الذين لاحقناه على مدار 5 سنوات، ذلك لأنّ جين شارب نفسه أصيب بخيبة أمل وفقد الإبداع في مجال تقنيات التهييج وصناعة الحراكات. وحتى الآن يستحسن الإنصات والعمل والتدبير، ولا بدّ من الحوار والتفاهمات، ولا بدّ للحراك حينما يكون اجتماعيّا أن يحيّن دائما مواقفه المبدئية تجاه الثوابت الوطنية، بالمعنى الذي يفوّت الفرصة على صناع الفتنة في الداخل والخارج؛ تحيين الموقف المبدئي هنا أساسي وجزء من إنجاح أي ملف مطلبي اجتماعي: وذلك بتفادي ما من شأنه خلق بيئة للتشغيب. لا شيء حتى الآن من شأنه التشكيك في وطنية الحراك ما دام هم أنفسهم يؤكدون على ذلك، لكن أي مواطن هنا يصعب عليه الوثوق في حراك يستبدل فيه العلم الوطني في أقل تقدير. حكاية رفع الأعلام البديلة، أيّا كانت التفسيرات التي تحتفظ بها بعض الفئات، هي حسب قناعتي عنصر يسلب الثقة عن أي حراك اجتماعي مهما كانت التعلّلات. كل مطلب لا يكون تحت سقف الأوطان هو تكرار لأحلام جين شارب وخراب لا يتحقق معه لا تحرر ولا حقوق ولا استقرار. ومن هنا تعيّن الحديث عن احتجاج كسائر الحراك الاحتجاجي الذي يستهدف تحقيق مطالب معيّنة، هي مطالب يتشارك فيها الجميع. إنّ كلّ دعوى انفصالية أو عنصرية أو فوضوية أو موصولة بقوى أجنبية أو تساير سياسات التدخّل، تنتمي إلى وصفة ما سمي بالربيع العربي. وهذا الربيع بكلّ صراحة لا يخدم الحراك الاجتماعي لأنّ الأمر بالغ التعقيد من ناحية الجغرافيا السياسية التي يجب أن تؤخذ بالحسبان. ذلك لأنّ فكرة التقسيم واردة في رهان الإمبريالية هذه الأيّام من شرق الأكراد إلى مغرب الأمازيغ. الحراك الاجتماعي له لغته وشروطه إذا تعدّاها تحوّل إلى نوع من الفوضوية التي تخرّب العمران. وإذ ننزّه الحراك الاجتماعي عن هذا الرهان، فذلك لتعزيز الحركة المطلبية للمجتمع لأنّها تعزز من حيويته، لأنّ المجتمع يتطور بالحراك السلمي. يبدأ الخطّ الأحمر من سياسة التدخل الأجنبي والاستقواء به أيّا كان. من حق الناس أن تعيش عيشة كريمة، ومن حقها المطالبة بما يصلح حال مناطقها، ومن حقّ الجميع أن يتصرّف بمسؤولية عالية وعدم خلط الأوراق. نتابع ما يجري بتأمّل ونراقب تطور الأحداث ويصعب إصدار حكم القيمة على الأشياء على استعجال، غير أنّ لفت الانتباه إلى المحاذير أمر مهمّ، لأنّ دور السياسي والمثقف هو أن يستوعب ويحتوي أكثر من أن يستفزّ. التحريض على العنف مسألة أجنبية عن الغاية من أي حراك اجتماعي لا سيما بعد أن تحركت وفود وهي تعمل تحت ضغط الحدث ولا يمكن إلاّ أن تعمل وفق توصيات النقاش.

دائما هناك سبب ما ولو مهمل يفجّر الاحتقان، وبدل أن يتم المبالغة في توصيف الظاهرة لا بدّ من البحث عن أسبابها والعمل على إصلاح الخطايا، وحينئذ سيكون الأمر دورة من الدورات العادية في حراك المجتمعات. هناك ما يؤكّد على حيوية مجتمع تتطور مطالبه ووعيه ما يستدعي حلولا مقنعة ومنطقية، وعليه، سيكون الأمر مفيدا لأنّه كالزلازل التي تشهدها المناطق تفيد في خصوبة الأرض، فهذا الذي يحدث هو منعطف في مسار الإصلاحات المتواصلة وتحسيس بأهمية السياسة الاجتماعية والالتفات إلى دور الحكومة والأحزاب والبرلمان والجماعات المحلّية لأنّ مشكلة التدبير تكمن هناك أوّلا وقبل كلّ شيء.

إذا كانت المطالب اجتماعية فهي محقّة فلا يصار إلى القول أكثر من ذلك لأنّ هذا لا ينتج الحلّ. ما يحدث حتى الآن ، إذا أغلق بعض المخطئون أفواههم، هو حركة احتجاجية اجتماعية لا زالت حتى الآن بعيدة عن الاستعمال والاستغلال الذي يتربّص بها وتظهر له صور شاذة هنا أو هناك، فالمطالب الاجتماعية لا تخيف دولة الحق والقانون، ولكنها تخيف حكومة سرّاق الله الذين نهجوا منذ البداية نهجا مناهضا للسياسة الاجتماعية. بعض الحلول التي تجري على أفواه غير مسؤولة بناء على أسلوب المبالغة هي حلول كارثية. أتوّقع حلاّ سريعا ومنطقيّا ولكن ليس من حكومة العثماني ، ولكنّني أيضا لا أتوقّع للمغرب ربيعا كالربيع العربي كما يحلم به سرّاق الله وسرّاق الثورات، إنّ ما يحصل هو دورة أزموية يكفي التعامل معها بالمقاربة السوسيو_سياسية، والتجاوب الإيجابي معها هو مهارة تقتضي الكثير من ضبط اللسان والمبادرات الفعّالة والابتعاد عن المزايدات وركوب الموجات وإلصاق العناوين الساذجة. لا بدّ من سياسة واقعية وتنزيل ثقافة سياسية جديدة قوامها التّواصل المثمر مع القوى الاجتماعية في انتظار تنمية سياسية جديدة وانبعاث الأحزاب السياسية من القبور. إنّ الاستدراج إلى العنف والعنف المضاد هو المنزلق الأخطر، ولا نرى أنّ الأمور ستتجاوز هذا الحد.

الالتباس لا يخدم القضايا العادلة

أينما حلّ الالتباس أفسد الأمر، هذا من القواعد التي يجود بها زمان الحراك الاجتماعي في كلّ عصر وجيل. ورفع الالتباس هو مطلب الطالب والمجيب، أي بقدر ما يجب أن تكون الحكومة صادقة أن تكون الحركات الاحتجاجية واضحة هي الأخرى في خريطة مطالبها وسقف احتجاجاتها لأنّ لكل حقه، وحقّ الكيانات في دفع عوامل التهديد حقّ وجب التذكير به لأنّه مختار نهجنا ورؤيتنا منذ بداية ما يعرف بالربيع العربي الذي أهلك الحرث والنّسل.

أخطاء المسؤولين عن القطاعات لا حدود لها، وأساليب الاستفزاز تجلب الغمّة على هذه الأمّة، لكن الذي يهمني حتى الآن هو كما ذكرنا مواجهة المخطط الإمبريالي لتقسيم المنطقة. وعلى ذكر هذا المخطط الذي تعكسه خريطة برنار لويس منذ بداية الثمانينيات يشمل تقسيم المغرب أيضا إلى دويلات، فليس هناك جديد في التلويح بهذا المخطط كما يفعل بعض الفاعلين كما لو أنهم هم من اكتشف ذلك، فالمخطط موجود في مكاتب البونتاغون ويرخي بظلاله عند كلّ منعطف. والفارق بيننا وبين الذين سقطت عليهم الحكمة وهم يحللون وقائع الحراك الشمالي هو أنهم بين عشية وضحاها تحولوا ضدّ الربيع العربي الذي وصفناه على امتداد 6 سنوات بالبؤس. اليوم فقط يتحدث البعض عن الأكاذيب التي رافقت الحراك الذي أصاب سوريا وانتهى إلى ربيع داعشي. ليس في موقفنا ازدواجية بينما من خاصمنا طيلة هذه السنوات يدرك سرّ تخوّفنا. ستجد حكومة العثماني نفسها في مأزق تاريخي لأنها ساهمت في تأزيم الوضع بتصريحات تتناقض وحميّتها السابقة للدفاع عن الربيع العربي نظرا لصلاتها الوثيقة بالجهات الإقليمية المتآمرة، وهذا أمر يؤكّد أنّ الذين يقودون الحكومة لا يحسنون سوى التأزيم ورياضة اللسان الطويل. لقد وضع هذا الحراك الحكومة أمام تحدّي كبير، وربّما كانت المفارقة هنا هي أنّ قادة البيجيدي أنفسهم تعاطفوا مع حراكات الربيع العربي ، بل وكما فعل بن كيران مارسوا ضربا من الابتزاز بالربيع العربي، وهم اليوم في حالة فصام نكد، لأنّ مطالب الحراك تتطلب تدبيرا حكوميا استعجاليا ومقنعا.

نعود لنؤكّد بأن المطالب الاجتماعية حينما تكون واضحة غير ملتبسة تشكل مناعة حقيقية للكيانات وتحقق المطالب، لأنّ مداخل الإمبريالية وركوبها موجة التحشيد هو حينما تصبح المطالب مجرد رهان لأهداف أخرى غير واضحة. وحتى الآن تبدوا المطالب في أفقها الاجتماعي عادلة بينما تدبير الحراك تنتابه محاذير ذات بعدين: البعد الأوّل: ما يتعلّق بالخروج عن مظاهر السلمية التي حثّ عليها الحراك من قبل ثم الوقوع في حالة الخروج عن القوانين التي تجري على سائر المواطنين، لأنّه كان أحرى أن تتصف قيادة الحراك ببعض السياسة وتعبر عن موقفها خارج المسجد، لتحافظ على سلمية الحراك ومنطقية مطالبه والاستغناء عن كل أمر قابل للتأويل السيئ. هنا بتنا أمام شكل من التطور السلبي الذي يعطي الحراك صبغة التمرد. ونحن نعلم أنه من جملة ما يحيط بالحراك وجغرافيته ما يسيل لعاب القوى التي تستهدف تقطيع الكيان المغربي، وهي تنتظر فقط أن يخرج الحراك عن سياقه الطبيعي لتركبه كرجز الشعراء وتضفي عليه طابعا آخر كما كان في الربيع العربي. هذا مع أنّ النقاش والحوار فضلا عن عدم استعمال العنف كافيان لتعزيز مسار الحوار لتحقيق المطالب. أما البعد الثاني فهو ما يستشعره سائر المغاربة وهم لن يفهموا ماذا يعني رفع علم غير العلم الوطني بصورة ممنهجة ندرك أنها تعيدنا إلى قضية ملتبسة وإن كانت اليوم قد تسيل لعاب خصوم الكيان المغربي التاريخيين. هذا العلم هو صديق لكل خصوم الوحدة الترابية، بل هو نفسه العلم الذي رفرف في تل أبيب من قبل بعض الفاعلين في التيار المذكور الذين يعتبرون أنّهم غير معنيين بالصراع العربي _الإسرائيلي، وهو ارتبط بهذا المزاج الحسّاس كثيرا. ولا يوجد شيء مقنع في تجاهل العلم الوطني مقابل علم لا يمثّل المغاربة جميعهم، حيث بات محمد بن عبد الكريم الخطابي أيقونة كفاح في ذاكرة كل المغاربة، ولم يكن إلاّ وحدويا. ولا يستطيع المواطن العادي في سائر البلاد أن يدرك معنى التعبير عن الهوية الخاصة بعلم، حيث يشعر هؤلاء المواطنون بنزعة عنصرية وعرقية وهو ما يؤسّس لحراك شوفيني ينذر بالتقسيم والعصبية ويخرج عن منطق الاحتجاج الطبيعي الذي نراه حالة صحية ومطلوبة لضمان استمرارية التفاعل الإيجابي في دولة الحق والقانون. لا يمكن أن نتجاهل حساسية المغاربة الآخرين، ولا يمكن أن لا نكون مقنعين في ذكر أهدافنا، إذ مجرد التجاهل هو ميل إلى الخصوصية والاستثناء بعلم وشعارات ونزعة عرقية اصطفائية وإحساس عارم بالتفوق على الآخرين، وهو للأسف خطأ أنتربولوجي يجد مجاله في الأساطير التي لا تستحضر دور الجغرافيا نفسها في الاختلاف والتنوع والاستعصاب، الجغرافيا التي كانت لها في تاريخ المغرب خاصية مزدوجة: حفظ الهوية والعزلة، وصعوبة تدبير الأعماق. فالشجاعة هي سمة يتقاسمها الشعب المغربي سواء بسواء وتتمايز حسب المصالح الطبقية والتوزيع الجغرافي للعصبية وخصوصية التموضع البيئي والسياسي والاجتماعي. إنّ العصبية والحشد تمنح الفرد شخصية أخرى، والطوبوغرافيا الطرفية في كل العالم تتميّز بميل عصبي ومزاج خاص. إنّ حراكا يستثقل أن ينسب نفسه للحقل الدلالي الوطني بكل رموزه المعبّرة والمعتبرة، ويعيدنا إلى حالة التشكيك في البداهات سيواجه الباب المسدود. أقول أنّ الأمر غير مقنع حينما يتحدّث المفهوم بخلاف المنطوق، ذلك لأنّنا بقولنا أن الاستعمار الإسباني هو أرحم من الاستعمار العروبي كما تردّد قيادة الحراك، نكون قد حدّدنا الأفق الذي ينزع إليه الحراك، ذلك لأنّ هذا المجاز غير العادل في اللغة يمحي عن ذاكرتنا ما قام به الاستعمار الإسباني من إبادة في حقّ ساكنة الشعب المغربي في الريف، لا بل هو أمر يذكّرني بما سمعته في مبتدئ الحراك في حماة السورية حين قال أحدهم : والله إن إسرائيل أرحم، وهو ما انتهى بعد سنوات إلى تدخل إسرائيل في سوريا وفتح الحدود لمعالجة ضحايا داعش، فإسبانيا الرحيمة لا زالت موجودة في الشمال ومعنية بالحراك وهو ما يعني أنّنا لم نصل إلى محض لغة المطالب الاجتماعية التي يحتاجها النّاس في المنطقة، واستعمال لغة من شأنها أن تتطوّر إلى ما لا تحمد عقباه على مستوى وحدة النسيج الاجتماعي المغربي.

 لقد سمعت ردود بعض شيوخ الوهّابية المتملّقين والذين أصدروا حكم قيمة مطلق على الحراك ليس طلبا لسلامة واستقرار هذا البلد حيث هم لا يؤمنون لا بفكرة الوطنية ولا الدولة ولا الديمقراطية ولا الإنسان بل في ذمّتهم تحرّش قديم باستقرار البلد، بل همّهم المتاجرة والمزايدة والتقلب كالعطّارين في إصدار أحكام التكفير والتخوين، لكن المراد من حديثنا هنا هو التذكير بأهمية الحراك الاجتماعي تحت سقف الوطن، والبحث عن حلول واقعية وممكنة، والأهم من كل هذا تحيين التأكيد على الثّقة والوضوح الذي يترك أثره على الشعب المغربي. الفوضوية التي وسمت حراكات الربيع العربي لم تحم نفسها حينما ارتفعت فوق سقف الوطن وتحولت إلى ثورات محمية من الخارج انتهت بكوارث إنسانية لا مثيل لها في تاريخ النوع. إنّ استسهال نتائج الانزياح وخطره على الكيانات الوطنية أمر سبق إليه حراكيون في بلاد مختلفة وكانت النتيجة هو خروج قوى الظلام من جحورها وتحويل أهل الحراك أنفسهم إلى رهائن. لا يمكن أن نستهين بالسياسة في حراك مطالبه اجتماعية وثقافية واقتصادية، لأن غياب السياسة والوعي السياسي قد يفسدان كل شيء. لا يكفي القول إنّنا نحن لسنا مثل غيرنا ، ذلك لأنّ فهم مسارات الحراكات علم محكم الأصول لا يحتمل الخطأ، بل وجب تعزيز سبل حماية مسارات الاحتجاجات الاجتماعية من خطر الانزياح فوق سقف الوطن. والوطن ليس مجالا للمزايدة أو التجريب أو اللّعب أو المغامرة، الأمر الذي يعرفه الشعب المغربي في الريّف أكثر من الشّعب المغربي في سائر نواحي البلاد، فالوطنية إرث عام لا يزايد به بعضنا على بعض، ولكن لا بدّ من تذكير أهلنا وشبابنا بخطورة الموقف حين تصبح السقوف عالية ومضايق الحل مستغلقة والرغبة في التخاطب مع قوى الاستعمار خاضعة للعاطفة والجنوح الفوضوي والرغبة في الثّأر. الحديث عن أننا أمام مطالب خاصة تقتضي التعبير عنها بلغة الشوفينية والتميّز عن الشعب قبل التميز عن الوطن برمته، هو أمر يكرّس مزاعم البعض، حيث في كلّ الردود لا يوجد سوى البوليميك السياسي الذي يسمح به العقل الجماعي للاحتجاج، وهو عقل لا يقف عند أغاليط القول والعمل، لأنّه بقدر ما يندفع نحو مطالب عادلة فهو قابل لأن ينزاح إلى الخطأ. والخطأ هو ما يهمنا لأنّه يرتبط بلعبة الأمم التي تستغلّ حالة الافتتان الدّاخلي بتصريف نفوذها الجيوسياسي، بتقنيات يصعب رصدها أو فهمها من قبل من تسكرهم خمرة الحشد الاجتماعي وهذيان الحراك حين يتجاوز سقفه ويصبح فرصة لاستحشار الأجنبي أنفه في الشّأن الداخلي، وتحويل حراك اجتماعي عادل ومشروع إلى انزياحات ردود فعلية تكرس القابلية للاستعمار والتقسيم. ما يجري من تدابر بين منطق الحراك ومنطق الدّولة، فنزعة الفرد إلى العدالة المطلقة قد تتجاوز شرط وجود الدولة برمتها، وهذه حقيقة تظهر في علم نفس الحشد حسب غوستاف لوبون ولكنها أيضا وجهة نظر أمثال مورغنثاو الذي يرى أنّ عملية التحشيد العاطفي للحراك الشعبي لا يتم إلاّ بعملية إضعاف عقلانية السياسة الخارجية. ويورد روبرت د. كابلان في انتقام الجغرافيا ما يؤكّد على طبيعة هذا التناقض بين نزوع الحشد الاجتماعي ونزوع الدولة بالرجوع إلى مورغنثاو دائما بأنّ الفرد قد يقنع نفسه بتحقيق العدالة ولو بإفناء العالم غير أنّ الدولة لا تستطيع أن تقول ذلك باسم رعاياها، ويؤكد على أن للفرد مسؤولية تجاه أحبائه وحدهم الذين قد يغفرون له خطاياه باعتبار نواياه حسنة بخلاف الدولة التي لن يتفهمها أحد في حال تطبيقها لسياسة فاشلة، المهم في رؤية مورغنثاو هو قوله:” يجب أن تكون الدولة أكثر دهاء بكثير من الفرد”.

أخطاء أضرت بالحراك

ليست السياسة نافلة حينما يتعلق الأمر بحراك اجتماعي. قيادة الحراك هي الملزمة بالدرجة الأولى بالسياسة باعتبارها تدبير أيضا لملف مطلبي محدّد. ولا نتحدث هنا عن الأخطاء السياسية العارضة أو تلك التي يؤدّي إليها الانفعال وإيحاء الحشد، بل أتحدث عن أخطاء سياسية ذات تأثير على مسار الحراك. وأمام الأخطاء العارضة يتعيّن وجود تدبير أعمق من مجرد مقاربة أمنية، ذلك لأنّ الأخطاء ذات البعد السياسي الوازن تتطلب مقاربة سوسيو_ثقافية لمغرب عاش وحدته ضمن تنوع أو لنقل في ضرب من الاستقلال الداخلي بين مكوناته سببها الجغرافيا: مغارب منصهرة في مغرب واحد بالمعنى الذي أراده طيراس. سؤال الهوية في حراك يستند إلى خطاب مزدوج، متزاحم ، يفتقد إلى الواقعية، خطاب حائر بين الاجتماعي والهوياتي. في مثل هذه الحالة يبدو الموضوع  أعقد بكثير. لكن أحب أن أؤكّد على أن الحراك كشف عن هشاشة البنيات التمثيلية والحزبية، وبالتّالي التعبير عن عدم الثّقة في المسؤولين عن القطاعات من دون ضمانات، وفي النهاية نعتقد أنّ الحلّ سينسج خارج الحكومة والأحزاب، ستكون هناك مفاجأة لا شكّ في ذلك تنطفئ فيها كلّ العصبيات.

كان أولى الحفاظ على سلمية الحراك والتزام الإطار الذي نادى به قادته أوّل مرّة وهو يتعلّق بمطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية باتت مقبولة لدى عامة المغاربة باعتبارها مطالب شعبية من دون تصنيف. وقعت الخطابات التي كانت تصدر بين الفينة والأخرى من قادته في ما من شأنه الإضرار بخلفية الحراك ولا سيما ما يعكس خطاب الخصوصية الذي أبعد المطالب من هويتها الاجتماعية والحقوقية إلى مطالب هوياتية تضرب في عمق الأنتروبولوجيا والتّاريخ أكثر مما تضرب في عمق الحقوق الاجتماعية. تبدو هناك حيرة غالبة على الخطاب، إذ تارة يجنح نحو نمط الخطاب المطلبي الاجتماعي وتارة يجنح نحو خطاب الخصوصية وإرادة التّبرم من كلّ الشعارات التي تشدّ من عصب الحراك بعموم الشعب المغربي: إصرار ممنهج على التميّز الهوياتي. أعتقد أنّ هذه العبارات التي لا أريد أن أقف عندها إلاّ قليلا ساهمت في انزياح الحراك باتجاه ارتكاب أخطاء كان الحراك في غنى عنها لتحقيق مطالب ساكنة الريف، أو ما أحب أن أسميه: الشعب المغربي في منطقة الريف. الشعور بهذه الخصوصية يستلهم من حالة التهميش ديناميته، وكأنّنا أمام استبدال هوياتي عقابي يغذّيه سنوات من عدم العناية المكثفة بمنطقة ساهمت مافيا أهلها أنفسهم في تهميشها، فلا يخفى أنّ لغة التهميش والشوفينية لا حدود لها حتى أنها تمارس داخل الريف على ريف الهامش: ريف الحسيمة في نظر ريف الناظور هو درجة ثانية ، ما يؤكّد أنّ جوهر المشكلة اجتماعي وطبقي وليس سلالي وعرقي في زمن اندكت فيه أيديولوجيا الأعراق النقية المستحيلة خلدونيا وتوينبيا. لكن ما يهمنا هنا هو البعد الهوياتي الذي شوّش على الحراك الاجتماعي والذي جعل المغاربة لا يتحمّسون أكثر للتعاطف مع الشّق الذي بدا أكثر شوفينية والذي صاحبته أحيانا عبارات قدحية معلنة وغير معلنة في حقّ مغاربة الداخل. في جملة الخطابات نجد حديثا يلخص الحقائق التالية: أنّ الريف وحده هو الرجولة وهو وحده التهميش وهو وحده المعني بالكرامة والحرية وهو وحده الذي قاوم، بينما تم اختزال الداخل في مصدر الفساد، والانحلال، والدعارة، والعياشة، والعروبي وما شابه من صنوف العبارات التي تتفسد نقاء الحراك الاجتماعي، بلغ حدّ النيل من شجاعة ورجولة الداخل بمن فيه الجيش الذي يوجد فيه قوم من الريف. هذا أمر يتم التعبير عنه في سياق التداعي وفلتات اللسان وباطن العبارات وهو على استفزازه لساكنة الداخل لا يعبّر إلاّ على حساسيات أخبرني الكثير من أهل الريف بأنهم لا يمثلون أغلبية الحراك، ولكننا هنا نؤكّد على الآثار التي يخلفها الخطاب والرموز لدى متلقّي لا يملك سلطة التنزيه الموضوعي. لقد سبقت اللغة الواقع في التقسيم القيمي والنمطي بين مجال ومجال وهو ما لم يلتفت إليه حراك الريف، حيث بدأت تنطلق حساسيات من الدّاخل، وبما أن المجال تحتل النسبة الكبرى فيه الشعبوية، فسنجد ضربا من الحجاج واللّجاج بين جهتين، كل واحدة لها صفة نحثها الخصم المقابل. يبدو أنّ اللغة تخون أصحابها لأنّها ترتبط باللاّوعي العميق للهوية والاستهوائية: أقصد الهويات التي تعيد إنتاج عصبيتها انطلاقا من مقاربة أيديولوجية ، فقد أفسدت اللغة المسار الطبيعي للحراك، على الأقل في عين من يراقب الوقائع من مغرب الدّاخل، مما يؤثّث لحافة “الهويات القاتلة” بتعبير أمين معلوف، ولكنها في كلّ الأحوال ، ليست أخطاء تحجب ما يجب إنجازه في منطقة حكمت عليها الجغرافيا والاستعمار وسوء التدبير بالعزلة والتهميش.

أسئلة العلم والرموز الوطنية

تقاسم الحراك وخصومه حتى من داخل المجتمع المدني الصور والأوصاف النمطية، حتى بات الداخل هو تراثهم الذي صودر منهم وبدا الحديث عن الاستعمار العروبي وربما بات الداخل كلّه هو المخزن. وهي لغة تجد لها اهتماما في خطاب كلّ من يراهن على حالة الهياج لأسباب ومآرب متفاوتة سيكشف عنها التّاريخ. الحالة الاستعراضية لا تقول دائما كلّ شيء، بل الوعي هو الذي ينتصر. تحوّلت المخزنية إلى صفة قدحية يلقي بها البعض ضد البعض، مع أنّه لا بدّ من الوقوف قليلا عند هذه العبارة التي لا تعني الحمولة الأيديولوجية التي حملوها إياها، يعني يقصدون المعنى غير التاريخي للعبارة. المخزن أو ما يعتبره المؤرخ الشكل البيروقراطي للدولة المغربية، وهو بمثابة الرايخ المغربي أو أي عنوان يعني الدّولة، والتي هي كائن تطوّر على أنحاء مختلفة في تاريخ المغرب وسيطه وحديثه وقدره أن يتطوّر باستمرار. ماذا نقصد يا ترى بالمخزنية في سياق اللّجاج السياسي التقادحي؟ أحيانا نطلقها حتى على حالة الوعي حينما لا تكون جزء من هياج سياسي وانحراف جغرافي؛ تحدث عبد الله العروي في بداية السبعينيات بمناسبة ذكرى محمد بن عبد الكريم الخطابي حيث يقول المفكر المغربي وابن الريف بأنّ الوعي الوطني أحيانا يجعل المثقف أكثر مخزنية من المخزن. نعتقد أنّ هذا المعجم اللغوي لم يعد ينسجم مع نماذج التحليل السياسي وتطور السياسات والجغرافيات. كان المخزن بالأمس يواجه الحراكات بالعنف العاري واليوم هو يمارس ذكاء الدّولة في تجنب المواجهة، وبالتالي إذا كانت الدولة تطورت في أساليبها فأي معنى سيبقى للمعجم اللغوي السياسي الذي أنتجته سنوات الرّصاص؟ هنا تختلط الفوضوية بالثورة، والسياسة بالطوباوية، ثمّة أزمة في معجم الحركات الاحتجاجية لم يواكب تطوّر السياسات والأنماط، الحقيقة التي يجب التذكير بها من أجل تحصين الحركات الاحتجاجية بالواقعية السياسية والوعي السعيد(= منحوتة أقصد بها ما يقابل الوعي الشّقي بالمعنى الهيغلي). في ظلّ التمييع الممنهج للمفاهيم لم يعد هناك معنى لأيّ توصيف يحمله هذا التقادح الأيديولوجي الرّث.

حينما تخضع البداهة التاريخية والجغرافية للسؤال العدمي هنا تبدأ حكاية أخرى من الالتباس الذي يفرض مهام أخرى لتحيين الذاكرة وتصحيح التّاريخ بما فيه التاريخ الجغرافي الذي أدركت أهميته مدرسة الحوليات، هنا تحديدا أجد نفسي أمام تساؤلات لا تشوش على الذاكرة فحسب بل تفرض أيضا مهام خاطئة كما تدخلنا في عصر استنزاف الوهم واللاّمكان للعقل السياسي الأزموي الجانح للتّشظّي. والاستعمار معني بفلسفة الصورة وأساطير المحلّي، لأنّه ليس أوّل مرّة سيتعرّض المغرب فيها لأسئلة تضليلية حول تاريخه الجغرافي. نتذكّر كيف سعى الرحالة الاستكشافيون للمغرب الطرفي تمهيدا لاستعماره على خلفية تحريف الجغرافيا: لنتذكّر الرحلة الاستكشافية عن سانتا كروز وكذلك رحلة دي فوكو الذي قتل على يدي قبيلة الركيبات بالصحراء، الراهب والانتربولوجي الذي أتى ماسحا للمجال تمهيدا للاستعمار الفرنسي. أمّا حكاية الاستعمار الإسباني فهي حكاية تعزّز ما طواه النّسيان: أنّ الأطماع الإمبريالية الإسبانية يومها وحدها وحّدت بين الريف والصحراء لتؤكّد على أنّ التقطيع الكولونيالي للمغرب لم يكن فقط تقطيعا في الجغرافيا بل كذلك في الثقافة والمزاج والذّاكرة.

ومع أنّ الأمر يتعلّق باتجاه معين داخل الحراك يعيدنا مرّة أخرى إلى أسئلة الوطن والعلم والمصير في سياق حراك انطلق من مطالب اجتماعية يريد لها البعض أن تصبح حراكا لإعادة السؤال على الحقيقة الجيوسياسية للمنطقة. وما يثير اهتمامي هو أنّني لا أجد أجوبة واضحة وحاسمة على تساؤلاتي التي لا زلت كل مرّة أعيد طرحها على أصدقائي من التّيار الأمازيغي الذي يتبنّى هذه الأطاريح وهو ما يجعل الإنسان في حالة حيرة والتباس يصعب هضمه في مجال يسمه التيار نفسه بالتيار العروبي. ولست هنا في وارد الدّفاع عن بعض الآراء المناهضة للتيار الأمازيغي لأنني أعتقد أنّ الالتباس هو جذر مشترك لدى الإثنين، فركوب القضايا إلى حدّ الإسفاف الأيديولوجي هو سخف يمارسه حتى بعض الذين يزعمون أنفسهم حرّاس القومية وخصوم التيار الأمازيغي لتمرّسهم على ركوب الأمواج وسقوطهم في الاستئصال بطريقة أخرى. لكن حينما أجد ناشطة صهيونية ترفع باليد اليمنى العلم الإسرائيلي وباليد اليسرى ما يعرف بالعلم الأمازيغي، هنا أتساءل بعمق حول ما يجري بالفعل، أو حينما يعلن بعض نشطاء التيار نفسه أنفسهم أصدقاء إسرائيل ويستخفون بالدّم الفلسطيني باعتبارهم غير معنيين بتلك القضية هنا يطفوا السّؤال عن أي آفاق لهذه الدعوة التي تبدأ بالتعابير العفوية ، مع أنه لا يوجد شيء عفوي حينما يمتلك بنية الأسطورة. على الأقل السي دغيرني يكشف عبر سلطة الضحك والإضحاك ما تخفيه الأيديولوجيا المذكورة، هو بعضمة لسانه يقول لي: نحن نريد هؤلاء في الشرق أن يتقاتلوا وينقرضوا. يبدأ الالتباس في التطور حينما يخيّم الصمت على هذه التساؤلات ولا يملك الحراك نفسه أن يجيب بوضوح عن كل تلك الأسئلة بل ثمة إصرار على تبني ذات الشعارات والمقدمات المنهجية التي يبوح بها التيار الأمازيغي الذي يتحرك اليوم على خلفية الحراك ويرى أنّ مطالبه أبعد مدى من كونها مجرد اجتماعية. هناك أطروحة خلق دولة منفصلة، لذا فدعاة هذه الأطروحة معروفون وهم يتحركون بين تل أبيب وكردستان وينخرطون فيما يسمى مناهضة العداء للسامية ويسخرون من المقاومة. قد تكون أقلية مهملة هي من يتبنّى هذه الأطروحة غير أنّ الحراك حينما يصبح واسعا وينطلق من مطالب اجتماعية معينة وجب أن يكون مقنعا في قضية العلم والهوية الوطنية وتحديد الموقف من أطروحة الانفصال. وهذا الموقف يجب أن يكون موثّقا وليس حجاجيا بوليميكيا في معرض الجواب الفرعي عن شبهة هنا أو هناك. يفترض من الحراك أن يقدّم بيانا موثقا تذكر فيه المطالب الاجتماعية بمعية التأكيد على ما بات ثوابت وطنية خارج المشاريع التي كانت لها سياقاتها. لم ينجح العلم المذكور حينها ولا العملة ولا الحلم بالانفصال المحكوم أنذاك بلعبة الأمم بين الألمان والبريطانيين والفرنسيين والإسبان. هي قصة طويلة قد نعالج بعضها في آونة أخرى، لكن ما القيمة المستقبلية لتحيين رموز قصّة ولدت في اللاّمكان وفي زمن التقطيع الاستعماري للمغرب؟ وأعني أنّ كل مشاريع الاستعمار أو حتى ما جرى في زمن التقطيع الاستعماري للمجال هو بمثابة مشروع في اللاّمكان.

قد يكون من سوء الحظّ أن نجيب عن الأسئلة التي تدور حول بداهة الأشياء، مرّة أخرى نذكّر بأنّ محمد بن عبد الكريم أطلق حركة تحررية واسعة لم تقف عند الرّيف بل تجاوزته إلى منطقة النفوذ الفرنسي، قبل أن يطلق مشروع تحرر الكيان المغاربي. وكما في مذكراته يذكر الأمير بصورة حاسمة بالحرف: ” إنّ هذه الشقة كانت تحت سيطرة الريف المباشر لما أقدم الفرنسيون على احتلالها أخيرا، وسيان عندي إذا كانت إسبانيا تعدها تابعة لها أو كان الفرنسيون يحسبونها جزءا من البلاد المشمولة بحمايتهم، مادامت الحكومة الريفية لم تعترف قط بتقسيم المغرب الأقصى إلى مناطق مشنولة بحمايات أجنبية مختلفة”.

 لقد نافح عن القضية العربية وكان أوّل المبادرين للانخراط في المقاومة بل مؤسسا في المقاومة الفلسطينية سنة 1948 وكلامه واضح وسيرته واضحة كما حكاها عنه رفاقه كما عبّر عن ذلك المناضل الهاشمي الطود وغيره. ابن عبد الكريم الخطابي الأمازيغي أم بن عبد الكريم الخطابي الورياغلي الحجازي العربي كما يذكر في مذكراته لا إشكال: هو مفخرة المغرب كلّه وملهم كفاحه ضدّ الاستعمار، أي أنّ قضية العرق لا تحدد الانتماء والثقافة، فلقد كان هذا الزعيم مقاوما ومساهما في إنشاء مكتب المغرب العربي في القاهرة حيث كان منفاه الاختياري، من أين جاءت نزعة التبرم من القضايا العربية والعروبية وقضية فلسطين وإضعاف المغرب ككيان بحركات ترسل رسائل استمكان للرقيب الغربي؟ وقبله كان الشريف أمزيان الذي كان له دور في دحض حركة الروكي بوحمارة الذي استعان بالإسبان في حركته التمردية التي وصلت الريف أنذاك.

إنّ الحراك الذي يمثل مطالب لا تخص فقط تلك المنطقة معني بالدرجة الأولى بإجابات واضحة عن تساؤلات تحيّر الشعب المغربي خارج تلك المنطقة، لأنّ في هذا الجواب والحسم ما يخدم القضية الاجتماعية في تلك المنطقة ويعزز مطالبها المشروعة ويجعلها مطالب ممتنعة عن الاستغلال والاستعمال، الشيء الذي يعيدنا إلى البدايات البريئة للحراكات العربية التي سبقت في الحسبان ولكنها سرعان ما تحوّلت إلى حكاية أخرى حينما خرج المارد من قمقمه وأزاح أصحاب المطالب الاحتجاجية الأولى ورهن الربيع لعرس دم كما حصل في بلدان عربية كثيرة وسياسات التقطيع التي لها خرائط مسبقة في قمطر الإمبريالية. هذا الذي حذّرنا منه وقلنا أنّ استغلال المطالب الاجتماعية إن لم يرافقه وعي سياسي وتحديد سقف المطالب وتعزيز وطنية الاحتجاجات من دون شعارات تشويشية ومن دون أي انزياح سيميائي خارج رموز الوطن هو دعم للحراك لا قضاء عليه. لكي ندفع محذور المزايدة بالوطنية التي واجهها الحراك تارة ببراءة وتارة بافتعال لا بدّ أن يكون الجواب الحاسم مسؤولية ملقاة على من يقودون الحراك ويصنعون شعاراته.

حتى لا تتكرر الأخطاء

يبدو أنّ المغرب اجتاز تحدّي ما سمّي بالربيع العربي الذي ما أن نقرأه قراءة جيو-سياسية حتى نقف على محاذير خطيرة لم يعد من الصعوبة الإغضاء عن أضرارها على السلم المجتمعي والاستقرار وسيادة الدّول. إنّ الحراك الذي لا يستحضر أهمية البيئة الجيو-سياسية ويتكامل معها، أي فعل النسيان الذي تمارسه سلطة الحشد في حقّ مصير الشعوب في مسارات لعبة الأمم، لا يحقق أهدافه الواقعية. فكما على الدّولة التزامات تجاه الشعب هناك حدود يفرضها التعاطي الواقعي مع أخطاء التدبير عبر التحسيس والاحتجاج الذي يستدعي وجود ملف مطلبي واضح ومنطقي واستراتيجية لدفع الالتباس والشبهات.

بما أنّ الشعب المغربي كلّه معني بما يحدث في مناطقه، بات من الضروري أن يعمل قادة الحراك على تفادي سوء الفهم الكبير، وذلك من خلال تفادي ما يبدو غير مفهوم في ما يرى ويشهد، ولا سيما قضية رفع أعلام خاصة وتفادي العلم الوطني الذي يمثل رسالة مباشرة على عدم صحّة ما يروج هنا وهناك حول وجود نزعة انفصالية لدى البعض، وهي النزعة التي تضع أي حراك أمام تحدّي السؤال الملح من قبل الشعب المغربي.

إن المزاج الذي يطغى على الخطاب الاحتجاجي المذكور يرتكز على الأبعاد العنصرية(= التيار الأمازيغي الجذري) والبعد الانفصالي (= العلم الخاص مقابل غياب ممنهج للعلم الوطني + خطاب التمايز الذي يصل حدّ عدم اعتبار عموم الشعب وحساسيته) والبعد التمكيني الذي يستحضر ثقافة المحميين: هذه رائجات تجوب الرأي العام المغربي ولا تجد لدى الطرف المعني بالحراك أي تفسير مقنع أو مطمئن، مما يعزّز النفور وسوء الفهم والتراشق بشتى التّهم.

وحتى الآن يبدو في خطاب قادة الحراك نوع من البوليميك السياسي ذي الطبيعة الحجاجية فقط، ذلك لأنّ الأمر هو أعمق بكثير من كونه جدلا سطحيا بين قادة الحراك وما يسمونه بشريحة العيّاشة، ذلك لأنّ كل حراك ينتج قاموسه الحجاجي، فالقضية تتعلق بعموم الشعب المغربي. يبدو من باب التبسيط إن قلنا أنّ المغرب في صالحه أن تقوم حراكات لأسباب اجتماعية، كتلك التي يسببها سوء تدبير الجماعات المحلّية أو تلك التي تنجم عن أخطاء العناصر المعنية بتدبير السلطة كما حصل في حادثة الشهيد محسن فكري، الذي كشف مقتله المؤلم عن حالة من الفساد في تدبير السياسة العمومية والتواصل مع المواطنين من قبل الأعوان، وهو شيء يتكرر هنا أو هناك ولا ينكشف إلاّ حينما تبلغ الأزمة حالة الانفجار. مقتل الشّاب فكري الذي كان على حكومة بنكيران أن تكرس له عاما حدادا لأنّ مقتله ذاك هو قضية أمة بكاملها بل قضية الإنسانية برمتها.

لكي يكون احتجاجا نظيفا

ليس الاحتجاج أمرا مخيفا لدولة الحق والقانون حينما تقوم هذه الأخيرة بمساعي متكررة لحل الأزمة واعتماد عملية تدبير النّقاش، ولكن المشكلة تبدأ حينما يغفل أهل الحراك تحت ضغط العقل الجمعي حقّ الأمّة في كيان يتمتّع بصلابة سيادية وإغفال السياسات الإمبريالية إلى حدّ الاستهتار بالأمن الجيوستراتيجي. هنا وجود تدبير غضب الاحتجاج وهيبة الدولة لصالح مخرج يفرضه حقّ الممانعة الوطنية ضدّ التدخّل الأجنبي.

يكتسب قائد الحراك في أي حراك شخصية ثانية تولد من رحم الحشد أو الجماعة وهي عادة ما تكون شخصية أقل وعيا من شخصية الفرد نفسه في حالة عزلته وتفرده ، ولكنها تسعى إلى شكل من النقاء الثوروي الذي يبعده عن الواقعية، وأحيانا يؤدّي هذيان الشخص إلى وضعية الوعي الشّقي، لأنّ المسألة تتعلّق بوجود مطالب واضحة ووجود سقف محدد، شرطان لنجاح أي حوار بين قادة الحراك والمعنيين. الموازنة بين المطالب الاجتماعية والموقف الوطني لا سيما ما يتعلّق بالثوابت السيادية الوطنية هي خطاب واضح يفرضه نقاء الموقف واستقامة أيديولوجيا الاحتجاج، أمر يتطلب استحضار الواقعية إلى جانب نبل ومبدئية المطالب. هنا تبدأ محاذير عدم الوقوع في منزلق ما عرف بالربيع العربي، حيث أنّ الانحدار إليه أمر ليس في ملك الدولة ولا الحراك بل أمر يتحدد بموجب خريطة الألعاب الدولية ووسائطها ودومينو المسارات التي يتحرك فيها الحراك.

فالمحاذير تؤكّد على أنّ المطالب الاجتماعية تنتهي عند معالجتها، فإذا زادت عن سقفها المنطقي واختلطت فيها الأوراق باتت خطرا على السلم المجتمعي وسيادة الدّولة، وحينئذ سيكون فيها الخاسر هو المجتمع والكيان برمته. وحينما يكون هناك اعتراف من قبل الدولة بوجود أخطاء أو مشكلات وتقتنع بمعالجتها، فلا مجال للتأزيم ولا منفعة في العناد.

وكل ذلك لأننا ندرك أنّ السياقات الجيو-سياسية تفرض استحقاقاتها مما يضر بالكيانات ويحولها في النهاية إلى مجالات منكوبة، في صالح التوحش والإرهاب.

إنّ شباب المغرب من أقصاه الشمالي إلى أقصاه الجنوبي يتمتع بنباهة أكبر، وتسكنه روح المقاومة والممانعة ضدّ أي تحرّش إقليمي أو دولي بوحدته وانصهاره الوطني وسيادته السياسية، ولكن من باب التذكير والحرص على سلامة حراكاتنا الاجتماعية الممكنة والتي ستواكب بالطرق الحضارية مسارات التنمية الملحة التي يتوجب على الحكومة المنتخبة النهوض بها على طول الخطّ، إنّ المطلوب من حراكنا الاجتماع أن لا يتنازل عن واقعيته السياسية وسموه الحضاري، وهذا أمر يجب التأكيد عليه، إذ لم يكن غوستاف لوبون مخطئا حين قال بأنّ الإنسان حين يصبح جزء من الجماعة، أي حين تتلبسه شخصية الحشد يهبط كثيرا من سلم الحضارة فتصدر عنه عيوب الشراسة ومزاياها، وهكذا فالجماعة في نظر غوستاف لوبون دائما حتى وان كانت من حيث العقلية أدنى من الفرد، يسهل عليها أن تقترف إثما كما يسهل عليها أن تضحي بنفسها. نتساءل بدورنا: كيف يمكننا أن نحذر من شطط الجماعة لنجعلها تمارس نبلها الجماعي دون أن تنجرف نحو الإثم، وأن تمارس مزايا الشراسة لا عيوبها؟؟

أخطاء تعيد نفسها

المغرب الجديد هو كذلك من كلّ الجهات، وهو جديد لأنّ قدره أن يتحرّك ويتكيّف بدينامية وحيوية هي قدر تطوره التّاريخي، ولقد بات المغاربة على قدر من الذّكاء بحيث تجاوزوا أنماطا تقليدانية كثيرة منها على سبيل المثال الخطاب الذي تنتجه الانتهازية.

مهما بلغت أخطاء الحراك فالنتيجة هي أنّ مقتضى السلم المجتمعي أن يوجد سقف وطني تعالج القضايا تحته من دون انزلاقات تصبح محورا لمأزق فوق اجتماعي ومحلّي، مهما بلغ الخطأ فلا يصار إلى التأزيم عبر المزايدة والتخوين المطلق. وهنا أحبّ أن أتطرق إلى الجانب الآخر من الخطاب الذي تمثّله طائفة ممن يخلقون متاعب جديدة تهدد الاستقرار أكثر من انزلاقات الحراكات الاجتماعية نفسها. وأقصد بذلك ما أسمّيه بصيادي الجوائز، الذين يصنعون الأوهام والتهم ويوغلون في التبسيط وهم في الحقيقة لا يقدمون رأيا مقنعا ولا معطيات صحيحة ولا هم في وارد أن يقدموا ما يخدم الاستقرار، وهم أصناف ثلاثة:

1 ـ صنف الخبراء المغشوشين

تساهم طائفة من الخبراء المغشوشين في تهديد السلم الأهلي وخلق متاعب للبلاد من خلال تحليلات تبسيطية للحراك والإيحاء بأنهم يمتلكون معطيات كثيرة. في هذا السياق يهمني كما يهم الرأي العام أن يعرف إن كان حقّا ثمة علاقة للحراك في الشمال بالشيعة والتّشيع كما تفوّه بحماسة بليدة أحد الجهلة الذين لم يعودوا مقنعين بهلوساتهم الديماغوجية وتبسيطيتهم القاتلة وغريزتهم المستدامة في المتاجرة بالزّيف.

المعطى الحقيقي الذي يجب التأكيد عليه ودحض مزاعم هؤلاء المفترين هو أنّ الحراك له علاقة بعوامل معقدة ولا علاقة له بعناوين زائفة وهذا أمر بات مثار شفقة على أصحابه. لأنّه لا توجد طائفية عندنا، وهي ليست نموذجا تفسيريا لما يحدث إلاّ في خيال المرجفين.

لا ينفع الاستناد إلى أدوات تحليل خرافية مثل الحديث الساذج عن التقية لإخفاء الجهل وعدم القدرة على التحليل والإقناع، مما يجعل هذا الصنف من المحللين على غباء مزمن، وجهل بالدنيا والدين. ولا أريد أن أحلّل أكثر من هذا، لكن المعطى الحقيقي هو ما أصرّح به هنا لا ما يصرّح به القرصان: أنّ الحراك ليس مؤامرة شيعية كما يقول الأغبياء.

وبالمناسبة أحبّ أن أذكّر هذا الصنف من الطّبّالين والطرّارين بأنّهم في السفح الأدنى من الوطنية وبأنهم في صنائعهم تلك مجرد ممارسين للتهويل لكي يزفوا أنفسهم لجهات ما يستغفلونها، المغرب تطور ولا يحتاج لكي يعالج أزماته لهذا النوع من أهل الخبرة الصفراء، ولا هو ينتظر آراء معتوهة هي في الأصل رسائل إلى الخارج قصد الاستوضاف في مراكز أبحاث وجلب المال، أي التشويش على الواقع وممارسة النصب والاحتيال على الحقيقة.  المغرب حتى في حالة ضعفه الاقتصادي هو أقوى على التجاوز لأنه ليست المرة الأولى التي سيواجه فيها مشكلات من هذا القبيل. هلاوس الخبراء المغشوشين ليست تشويشا على الأمن القومي للبلاد فحسب بل هي حالة من الرداءة التي تفسد البيئة العقلية للأمة، ومثل الطفيليات ترعى على الأزمات. نتساءل أي حلّ يكمن في أن ينطق محلل من هذا الصنف حول الحراك المذكور بوصفه مخطط موصول بالشيعة، بينما هذه هي القراءة نفسها لقناة وصال الوهّابية التي يديرها الدعّاة الطائفيون ويستلهم منها المحلل الكسول والبليد كلّ معطياته المضحكة.

2 ـ صنف المتطرفين المدلسين

تصدت الجماعات السلفية والوهابية واستعملت عبارات تخوينية ضد الحراك ، وبالغت لتخفي أزمة مصداقيتها وسلمية نهجها، فكان خطابهم للحراك هو في الحقيقة رسائل موجهة للدولة، لأنّ هذا الجيل من السلفية المتشقلبة الحال والبال اختار نهج التدليس وتقديم شهادات حسن السلوك عند كل أزمة وأخرى برسم المرتجعات لا المراجعات، ولا يهمهم إن كانوا بخطابهم اللاّمسؤول يخلقون متاعب للبلاد أيضا. الدعاة الوهابيون هم جزء من الأزمة، ولو حصل أي انزلاق في الحراك لكان هؤلاء ركبوه حدّ التّدعّش، إنهم شرذمة لا يوثق فيها ولا وفاء لها حتى لعقيدتها، فضلا عن أنهم جاهلون بالسياسة وغير آبهين بمصير الكيانات. كل ما ينطق به هؤلاء هو التوريط والمزايدات والتشجيع على الفتنة. إن دخول مجاميع منهم واستعمال لغة الدواعش إنما فضيحة تكشف عن أنهم بالفعل خلايا داعشية نائمة، لأنّ لعبة الذهاب والإياب من وهابية متراجعة وأخرى مستنفرة هو المصلحة والانتهازية. لذا فخطاب هؤلاء فضلا عن إخطائه الواقع، فهو لا يمثل الحلّ. وحتى الآن نلاحظ شكلا من التناغم بين قراءة الدعاة الوهابيين والخبراء الاستراتيجيين المغشوشين، مما يعني أنّنا أمام خلل كبير، وخطاب فتنة يصنعه الصنفان معا.

3 ـ صنف المخطئين في تدبير القطاعات

الفساد الذي يصيب بعض القطاعات وسوء التدبير وعدم قيام مسؤولي القطاعات بإنجاز ما تصبوا إليه انتظارات المواطن يعيدنا إلى مربّع الأزمة. وهنا أحبّ أن أتحدّث عن قطاع الوزارة المسؤولة عن إنتاج الخطاب الدّيني الملائم في مثل هذه الظروف. المشكلة هنا مزمنة، فلا زال مدبرو القطاع الديني مرتهنين لوجهات نظر غير محترفة في إنتاج الخطاب الدّيني المقنع والمنسجم مع مسار تطور العقليات. إنه خطاب عقيم ينتجه قطاع الأوقاف ويخلق متاعب للبلاد، لأنّه عاجز عن خلق خطاب ديني خلاّق يستلهم مقوّماته من فلسفة الدّين لا من التبسيط والشعبوية وإعادة إنتاج التقليدانية بصورة فجّة. ننطلق هنا من وجهة النظر التي يذهب فيها لوبون حدّ اعتبار استحالة انقراض التقليدانية، غير أنّ الأمر هنا ليس في جوهر التقليدانية التي لها مسارب الحضور المختلف والمتجدد ضمن تكييفانية خلاّقة بل المشكلة في الجمود القاتل الذي تدعمه تصورات عقيمة وتجارب في فهم الخطاب الدّيني تقوم على التبسيط والتوريط.

إنّ تحويل المسجد إلى ساحة للحجاج السياسي والاحتجاج هو فقدان مهارة إقحام القطاع الديني في معركة غير متكافئة لأنها في نهاية المطاف لم تكن مقنعة ومن شأنها أن تجلب على القطاع ردود أفعال تستلهم قوتها من سلطة الحشد، إنّ قوّة الحشد هادرة أي شيء وقف ضدها سينهار حتى لو كان الدين نفسه. ولو كان المسؤول عن إنتاج الخطاب الديني يفهم في فلسفة الدين وعلم نفس المتدينين لما لجأ إلى التبسيط في إقرار خطاب جاف مستفز دون أن يكون مقنعا. هذا مع أنّ خطأ قادة الحراك في الدخول على خطّ المؤسسة الدينية كان مضرّا بسلمية الحراك وفي غنى عنه ومن أكبر أخطاء الحراك. كما أنّ دور الحقل الديني كان يفترض على مدبريه في القطاع أن لا يكون هدفهم تكرار الأخطاء وتأجيج الوضع، ففي سياق يحكمه العقل الجماعي للحشد لا ينفع خطاب العنف الرمزي. كنا ننتظر من مدبري القطاع أن ينتجوا خطابا للتسامح والاستيعاب والسلم المجتمعي والابتعاد عن خطاب الفتنة والاستفتان واللغة الدينية الخشبية التي تجلب الإساءة للبلد. ونعتقد أن وزير الأوقاف لم يكن موفّقا في تمثّل خطاب ديني حضاري، بل تظهر مؤشّرات السياسة الدينية في استعمال عبارات استفزازية من شأنها تأزيم الأوضاع لا تهدئتها، فلقد استعمل قبل أيّام عبارات غير مسؤولة حين صوّر جزء من المواطنين بالفيروس واستعمل خطابا تحريضيا يشجّع على الفتنة، خطاب لم يعد مقنعا لا في الدين ولا في الدنيا، والإصرار عليه وتكراره من وزير الأوقاف هو خلق متاعب تضر باستقرار البلاد وخلق حالات الاحتقان في العاجل أو الآجل، لأنّ السؤال المطروح اليوم: هل القطاع المعني بإنتاج الخطاب الديني المعتدل يرقى إلى تطلّعات المغرب ويخدم استقراره وسلمه المجتمعي أم هو مجال بات مخترقا من المزاج الوهّابي الذي يولد الاحتقان والإحساس بـ” الحكرة”، ومع ذلك تنسب وزارة الأوقاف المخترقة من عديد من الحساسيات الوهّابية والفاقدين للمهارات الفكرية والعلمية، وجهة نظرها الخاطئة إلى إمارة المؤمنين.

لذا وجب التحذير المزدوج

إنّني أتمنّى من الحراك أن يحافظ على سلميته ويتحلّى بالواقعية السياسية لتحقيق مطالب النّاس دون الانزلاق لأي دعاوى أخرى تدلّ عليها انزلاقات لغوية مستفزّة، كما أنّ قضية السلمية والحوار لا تضع حدّا فقط لمحاولة ركوب الحراك من قبل حساسيات تتجاوز مطالب النّاس بل إنها تضع حدّا أيضا للانزلاقات اللغوية المناهضة للحراك نفسه.

للمسؤولين أقول، وجب التدقيق في آراء الكثير من العيّاشة والمتملّقين لأنّهم أخطر على استقرار البلاد، ونستثني من له وجهة نظر أخرى مبنية على تخوف حقيقي أو حتى تلك الانزلاقات اللغوية الناتجة عن ردود فعل لغموض شعارات بعض المشاركين في الحراك بنوايا مختلفة. كما وجب العمل بمقتضى الموازنة بين هيبة الدولة وتواضعها الأبوي في مسألة التجاوب مع مطالب الحراك في إطار يحفظ للدولة هيبتها ويحفظ للمجتمع كرامته. وهذه سياسة لا يمكن أن تنبع من مبادرات الحكومة ولا الأحزاب لأنها مفلسة سياسيا واجتماعيا، وأنّ غياب الثّقة فيها ناتج عن فشل الحكومة في زرع الثّقة والأمل، لا سيما وأنّها عجزت عن جلب الاستثمارات إلى هذا البلد ولا زالت الحكومة نفسها تعتمد على مبادرات الدّولة وهي عالة على دينامية المشاريع الملكية. فلقد كان الحراك صادقا في هذا الجانب حين طلب بالضمانات، بل هي حالة إيجابية في الحراك تجعله حتى الآن بعيدا عن العدمية، لأنّه لا زال يعتقد بوجود الضّامن. ومن هنا يكون انتصار الاحتجاجات رهين بتحقق مطالب المجتمع وبذلك يكون انتصارا للمجتمع والدولة والساكنة وفيه سحب للبساط من تحت من ينتظرون انزلاق الحراك، فذلك هو ثمن السلم المجتمعي ودفع الأخطار عن السّيادة. وحتى الآن نعتقد أن الحراك معلّق على مبادرة تستند إلى الثقة والمصداقية، كما أنّ للمجتمع المدني قدرة على المبادرة في هذا المجال، لأنّ المطالب الاجتماعية هي شأن يخص المغاربة كلهم حتى لو تعلّق الأمر بخصوص ساكنة منه، كما أنّ مخاطر الاستعمال والاستغلال للمطالب الاجتماعية لصالح حساسيات تتهدّد سيادة المغرب ووحدته واستقراره ستواجه حراكا مضادّا وتصبح القضية حينئذ مطروحة لمناهضة سياسة التدخل والتقطيع والاستعمار. مع أنّنا نعتقد أنّ أي امتحان للمغرب في أمنه ووحدته واستقراره هو امتحان فاشل، وأنّنا سنتصدّى لكل ألاعيب الإمبريالية في مهدها، لأننا نؤمن بالتوازن بين المطالب الاجتماعية ومناهضة المشاريع الإمبريالية.

أمّا لشباب الحراك، فالنصح قائم على ضرورة تجنّب الشعارات المستفزة أو تلك القابلة للتأويل السيئ، كما يتعيّن توثيق المطالب وتحديدها وحصرها في وثيقة مطلبية تذكر فيها المحاذير المطمئنة. وإذا كان ثمة علم يستذكر فيه الساكنة هويتهم المحلية فلا بدّ من أن يكون تحت العلم الوطني الذي يعزّز اللحمة الوطنية لأنّ الاستثناء الممنهج للعلم الوطني أمر غير مقنع مطلقا ويولّد الانقسام والحرب الأهلية، الشعور المستفز لتهميش العلم الوطني لا يلقى أي قبول عند سائر المغاربة كما نعرف جيّدا حساسيتهم. ممارسة السياسة الإيجابية والشجاعة في القبول بالحوار لأنه هو الغاية والتحوّل إلى حركة سياسية تنخرط في المشهد الحزبي وتعيد الحيوية والمعنى للسياسة والتنافس في خدمة الصالح العام، لأنّ الأحزاب السياسية كما نعلمها جيّدا باتت مفلسة ومنتجة للأزمة.

إنّ دور الحركة الاحتجاجية في تحقيق الحد الأدنى من مطالب الناس أمر مطلوب، ولكن تحت سقف الوطن، كما أنّ دور المثقف في مراقبة مسارات الحراك وتحليل مضمون شعاراته أمر مطلوب ولكن تحت سقف الموضوعية، كما أنّ دور الدولة في تحصين الحراك الاجتماعي من الاستعمال والتدخل الخارجي بآلياتها المتاحة والدفاع عن السيادة مطلوب ولكن تحت المعقول السياسي الذي لا يستسهل هيبتها.

الخوف على المغرب هو من جهتين متكاملتين في معنى التّأزيم: راكبو موجة الحراكات أي خطر استغلالها من الداخل أو الخارج، والمتملّقون الذين ينتجون خطاب الكراهية ويقدّمون آراء تبسيطية، همّهم أنفسهم لا سلامة الوطن.

مفكر مغربي: من مؤلفاته سراق الله/حوار الحضارات/الإسلام والحداثة/محنة التراث الآخر/العرب والغرب ومؤلفات أخرى