عمر الزيدي

حوار مع الفاعل السياسي المناضل عمر الزيدي

المسائية العربية

عمر الزيدي

عمر الزيدي

                                   أجرت المسائية العربية حوارا مطولا مع الفاعل السياسي اليساري عمر الزيدي طال العديد من المجالات السياسية و الإجتماعية وطنيا ودوليا، والوضع اليساري والبدائل الممكنة، إليكم نص الحوار :

المسائية العربية : السيد عمر الزيدي مرحبا بك إلى هذا اللقاء مع المسائية العربية

عمر الزيدي :   شكرا على الإستضافة، أهلا وسهلا

المسائية العربية : قبل عقد و نيف تقريبا ،جرى الحديث عن ان المغرب يعرف ثورة بيضاء و انه بصدد تكريس عهد جديد  أساسه ممارسة جديدة للسلطة  و حقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا.. برأيك الاستاذ الزيدي عمر ما هي حقيقة  الوضع السياسي بالمغرب،؟  

سواء من جهة النظام السياسي للدول؟ أو المعارضة اليسارية؟

عمر الزيدي:   هناك من أراد تسميتها “بالثورة البيضاء” أو “الهادئة” وما شابه ذلك، فله ذلك، لأن كل المعطيات كانت تؤشر لذلك. “خلينا ” نكون بعيدين عن التسميات والتصنيفات لأن ذلك غالبا ما يحول دون النظر إلى تفاصيل الأمور ومعطيات الواقع. جاءت أوضاع الألفية الجديدة نتيجة تطورات (دعنا نقول خلاصات كذلك) الأوضاع التي عرفها المغرب خلال العشريات السابقة، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي :

أولا-   لقد اتضح لرئاسة الدولة، منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، استحالة القضاء على المعارضة بكل أصنافها الديمقراطية واليسارية، كما أن القوى اليسارية بكل أطيافها اقتنعت بعدم القدرة على تغيير النظام مما جعلها تنحو إلى النضال الديمقراطي على كافة الواجهات السياسية والإجتماعية والحقوقية. ولعل انتفاضة  دجنبر 1990 بفاس لأحسن تجسيد لموازين القوى آنذاك.

ثانيا-  تشكل تحالف المعارضة البرلمانية الذي دشنته مبادرة ملتمس الرقابة سنة 1989 ثم الرسالة الثنائية بين الإتحاد والإستقلال عن طريق زعمائهما الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ومحمد بوستة، هذه الخطوات التي أفضت إلى تشكل “الكتلة الديمقراطية” التي انعشت التنسيق بين أربع مكونات ديمقراطية بإقدامها على بعث مذكرات إلى الملك تتضمن مقترحات للإصلاح الديمقراطي.

ثالثا-  دخول الشتات اليساري إلى نقاشات ماراطونية من أجل التجميع وتشكيل كيان سياسي علني يعبر عن طموحاتهم ومواقفهم، وقد أصبحوا يعبرون عن ذلك من خلال جرائدهم المختلفة (المواطن – الأفق – النهج الديمقراطي- المستقبل الديمقراطي- اليسار الديمقراطي- الحرية/تيليلي وغيرها كثير)

رابعا- ظهور تشكيلات مدنية “أمازيغية” وازنة بجرائدها وقوة مرافعاتها منذ لقاء أكادير(في 1989 على ما أعتقد)، بحيث أن بروزها في التظاهرات المختلفة كان ملفتا.

خامسا- بروز قوة التيارات “السياسية-الدينية” في مختلف التظاهرات كذلك سواء في الندوات أو المسيرات أو في تصديها لمختلف المطالب النسائية من مساواة وغيرها.

سادسا- اشتعال النضال الحقوقي وانتعاش عمل الجمعيات الحقوقية وصدور الميثاق الوطني لحقوق الإنسان سنة 1990 بين خمس مكونات حقوقية،( وللتاريخ هي: الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، هيئة المحامين بالمغرب، وجمعية القانونيين بالمغرب)

سابعا- انتظام النضالات النسائية وتميز مطالبها وانتزاعها من بيروقراطية الهيئات السياسية ذات المنحى الثقافي الذكوري مما جعلها تتصدر المعارك من أجل تغيير مدونة الأحوال الشخصية ورفع طابع التقديس عنها.

أردت التذكير بكل هذا الذي تطلب كفاحات يومية وتضحيات لا يمكن الإستهانة بها حتى نستطيع قياس بشكل ملموس أين وصلنا في مسيرة بناء الديمقراطية.

جاءت هذه التطورات في ظل تطورات وأزمات متعددة الأبعاد وطنيا وإقليميا وكونيا، مؤشراتها، بتركيز شديد

بوادر الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في البورصات الأسيوية وأرخت بضلالها على الإقتصاديات العالمية. يضاف إلى هذا تجبر الولايات المتحدة وبروز ما أصبح يسمى “بالنظام العالمي الجديد” بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، والحرب الخليجية الثانية التي دشنت بالهجوم على العراق واسترداد الكويت وإقامة الحصار الإقتصادي على العراق الذي استمر إلى حدود الحرب الخليجية الثانية في 2003 ليعرف العراق الإنهيار التام واعتقال صدام حسين إلى نهاية القصة. في هذه الفترة الممتدة على طول التسعينات عرفت الجزائر الحرب الأهلية التي فجرتها جبهة الانقاذ الاسلامية منذ 1991.

عرف المغرب في هذه الفترة أزمة اقتصادية خانقة سماها رئيس الدولة آنذاك “بالسكتة القلبية” وهو مؤشر على إفلاس السياسات العمومية السائدة، واستعداد الحكم للتحول خاصة وأن مختلف الحركات التي سبق الإشارة إليها كانت تطالب بذلك، مما فتح المجال إلى الإصلاحات بشكل محتشم ولكنها ذات دلالة في خضم أحداث التسعينيات من القرن الماضي. أولها تعديلان دستوريان في فترة زمنية قصيرة (1992 و1996)، وإذا كان تعديل 1996 استطاع انتزاع مباركة المعارضة البرلمانية فإن أطياف اليسار الماركسي عارضته وقاطعت التصويت. يضاف إلى هذا العفو العام على المعتقلين السياسيين والمنفيين سنة 1994 وإحداث المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان (1991) ومراجعة العديد من المقتضيات القانونية المتعلقة بالإعتقال الإحتياطي.

كل هذه التطورات هيأت الشروط لحكومة عبد الرحمان اليوسفي التي انطلق معها توصيف “الانتقال التوافقي”، وهي الحكومة التي حققت الشروط الملائمة للتطورات الجديدة مع الملك الجديد حيث دخلت البلاد إلى انتقالات متعددة عالجت العديد من الملفات في بداية الألفية الجديدة: الإنصاف والمصالحة، مدونة الأسرة، المعهد الملكي للأمازيغية، الهيئة العليا للسمعي البصري، مراجعة قوانين الحريات العامة، الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وكيفما كان تقيمنا لكل هذه التطورات فإن المهم هو أنها خلقت أجواء ميسورة للتطور والنقاش والحوار والتفاعل، مما فتح الباب للنشاط الإقتصادي ودخول دينامية جديدة للإقتصاد المغربي، بحيث لأول مرة في تاريخ المغرب يعرف الإقتصاد نموا هائلا في الإنتاج غير الفلاحي وتصبح المؤسسات المالية والباطرونا ذات الكلمة الوازنة على المستوى السياسي وذات التقرير في التوجهات الكبرى للبلاد، أشرت إليه حكومة جطو، حيث انطلقت العديد من المشاريع الكبرى وأصبحت التنافسات الإقتصادية حادة لم يعد يجد معها السياسي المحترف للشعارات مجال للتأثير(نتذكر شعارات “موت السياسة في 2007 و2009) وهذا حديث آخر. فالأمر لا يتعلق لا بثورة بيضاء ولا ثورة هائة إلخ.. إنها انتقالات ديمقراطية متدرجة وبطيئة تبعا لبطء المواطنين والمواطنات في المشاركة السياسية وعطب الهيئات السياسية على إفراز نخب وأطر جديدة. فأغلب النخب والأطر الشابة والنسائية يتكونون خارج الهيئات السياسية وتستقطبهم المؤسسات المختلفة للدولة.

 

يبقى بالنسبة للمعارضة اليسارية في كل هذا، أعتقد أنها على هامش التطور لأنها اختارت أن تكون كذلك، فلازال جدار برلين لم يسقط بالنسبة للبعض منها. اليسار يتعامل مع معطيات العالم الجديد بأدوات قديمة. أعتقد أنه حان الوقت لكي يقف وقفة نقدية جريئة لأطروحاته وأسلوب عمله ومقارباته، وذلك على أربع مستويات على الأقل، أشير إليها بسرعة على شكل تساؤلات:

1 – ما هو المشروع المجتمعي الذي ينشده اليسار الآن؟ لا الإشتراكية المحققة- وقد انهارت أمام أعيننا ولم تحقق المساواة والتوزيع العادل للثروة قبل سقوطها-، ولا الاشتراكية – الديمقراطية التي لم تفعل سوى خدمة مصلحة الرأسمال في زمن أزماته المتوالية؟ إذن ما هو المشروع الذي نناضل من أجله؟

2- كيف نصيغ توجهاتنا السياسية للنضال من أجل الديمقراطية، هل يقف عملنا في مقارعة الحكم ونستمر في دور محامي الشعب الذي لم نسمع لرأيه فينا، أم أن الديمقراطية في آخر المطاف تهم المواطنة والمواطن؟ وإن كان كذلك أي حيز نعطيه للمواطن والمواطنة في عملنا السياسي؟ ألا يجدر بنا إيلائه الأهمية الأولى في عملنا وجعله يناضل من أجل مصيره عوض أن نستمر في الكلام عوضه رغما عنه؟ عهد محامي الشعب انتهي

3 – هذه الأشكال التنظيمية التي نعتمد والتي عوض أن تستقطب العديد من المواطنين والمواطنات نراها تعيش نزيفا خطيرا بعد كل مؤتمر، ونحن مستمرون لا نطرح مجرد مساءلة. ألا نرى بأن موروث الزاوية بالشيخ الذي يأمر والمريدين الذين ينفدون يطابق ما نحن مستمرون فيه مع إضافة مقولة “المركزية الديمقراطية” التي لا تعني سوى المركزية مع ثقافة الكواليس والصراعات المجانية التي ليست سوى مضيعة للوقت والجهد والتفكير. إننا مطالبون بقلب هرم التنظيم وإنهاء ثقافة الشيخ والمكاتب السياسية التي لا علاقة لها بتدبير السياسة النافعة للشأن العام. هناك أساليب أخرى للتنظيم السياسي علينا فتح غمارها.

4 – ما هي علاقتنا بالمواطنين والمواطنات موضوع عملنا السياسي بالأساس. لا علاقة إذا استثنينا العمل النقابي وبعض أشكال العمل الجمعوي التي يتعاطى لها البعض. وإن كان الأمر كذلك، وهو كذلك كيف سنقوي وجودنا في المجتمع، وهل العلاقة محكومة بشروط النزاع مع الحاكم أم يتطلب الأمر  الإنخراط في ورشات البناء مع المواطنين والمواطنات لكي يصبحون فاعلين في الحقل السياسي وفق إرادتهم واستعدادهم ومجالات اشتغالهم.

لعل أعطابنا كثيرة سنبدا مسيرة الألف ميل بالخطوة الأولى، ألا وهي الاعتراف بأعطابنا لنبدأ التفكير في الإتجاه الصحيح.

المسائية العربية : :لقد طال المحيط المغاربي للمغرب تطورات سياسية اسفرت عن سقوط نظام الجماهيرية                      بليبيا،هروب الرئيس امام صمود ثورة جانفييه بتونس،سيطرة الجنرلات بالسلطة و الحكم                     في دولة الجزائر، انبثاق حركة 20 فبراير بالمغرب.   

                    ما هي دلالات هذه الدينامية التي خلخلت بعض البني و أحداث إلى حد ما ثورة في الفكر                    الشبابي على وجه التحديد؟

ذ.عمر الزيدي: يصعب الكلام عن ثورات فيما جرى ويجري إلى الآن في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط. ماذا نسمي ذلك إذن؟ الثورة تخضع لتخطيط وتدبير ومشروع بديل للمجتمع يطال السياسة والإقتصاد والثقافة، ويتطلب قوى اجتماعية حاملة هذا المشروع. فما عرفته هذه المنطقة، يمكن تسميتها انتفاضات وجدت حاضنة لها في تونس وبشكل أقل في المغرب، سأوضح ذلك بالنسبة للمغرب فيما بعد. بالنسبة لتونس كانت هناك حاضنة اجتماعية (النقابة) وسياسية (مجموع القوى السياسية التي كانت مقموعة في عهد بن علي)، واستطاعت الخروج من النفق بتشبتها بالتظاهر السلمي والتوافق بين مختلف الحساسيات السياسية ولعبت النقابة دورا أساسيا في ذلك. أما بالنسبة لليبيا وباقي بلدان الشرق الأوسط، فالمشروع الذي ساد هو تخريب الدول انطلاقا من المشاريع المختلفة لدول المنطقة والقوى الدولية (أمريكا وأوربا وروسيا)، فهناك على الأقل أربعة مشاريع تتصارع في الشرق الأوسط تتصارع فيما بينها وتتقاطع مع القوى المهيمنة على الصعيد الدولي (أمريكا وأوربا وروسيا). هناك المشروع السعودي المتحالف مع الإمارات والأردن، والتي تسعى للحفاظ على مصر إلى جانبها لأنها خلفيتها الأمنية.  هذا التحالف يتقاطع مع مشروع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، ففي الوقت الذي يجد راحته في التحالف مع أمريكا ينزعج من قطر المنافسة حول أنابيب الغاز التي تعمل في الحلف التركي، وكذا رفضها المشروع التقسيمي الذي تشتغل عليه أمريكا، الذي يستهدفها كذلك. وما “داعش” سوى الأداة التي تشتغل على تفتيت الدول لتهيئ الشروط للمبضع الأمريكي الذي يسعى إلى تقسيم كل دول الشرق الأوسط، (هناك كلام كثير عن سايس بيكو جديد). المشروع الثاني هو المشروع التركي الذي ينافس السعودية ويبحث على تقويض الدولة السورية والمصرية حتى لا تبقى أي دولة تنافسه في المنطقة، ويجد في قطر الحليف القوي ماليا لتحقيق أهدافه التي تتقاطع مع مخططات الإمبريالية الأمريكية وإسرائيل، وهو المشروع الذي عمل على تهيئ “داعش” لوجيستيكيا بتمويل قطري وتخطيط أمريكي-إسرائيلي. المشروع الثالث هو المشروع الإيراني الذي يتحرك مع سوريا والمقاومة اللبنانية (حزب الله)، والشيعة في البحرين والحوثيين في اليمن، هذا في الوقت الذي يحقق الإنتصارات في حوار 5+1 حول النووي، بحيث وصلت الحوارات إلى اتفاقات هامة ولم يبقى إلا ترتيبات رفع العقوبات على إيران ورفع الحجز عن أموالها في الأبناك الأمريكية والأوروبية وباقي العالم.

المشروع الرابع طبعا هو المشروع الأمريكي والإسرائيلي الذي يبحث عن كل مداخل الهيمنة على بترول المنطقة وتدفقات الغاز، وهنا تبرز مواجهات روسيا التي أصبحت تواجه العراقيل المختلفة لتأمين مرور أنابيب غازها رغم إحداثها خط “أمبوكو” لتعويض خسائرها في أوكرانيا. يبقى أن مصر لازالت مهددة بإشعال الحرب الأهلية من أجل تفتيتها، وكونها أنهت حكم “الإخوان” الذين يعتبرون يد أمريكا في المنطقة لن تسلم من المواجهات، وستبقى الرغبة أكيدة عن طريق الإرهابيين لجرها إلى مستنقع ليبيا. أريد من خلال هذه المعطيات التنبيه إلى أن الأمر لا علاقة له بالثورات ولكنه يدخل في إطار مخططات مرتبة لتحقيق أهداف لا علاقة لها بطموحات الشعوب التي كانت تصدح في الشوارع، حرية – كرامة – عدالة اجتماعية، والتي كانت أوامر أوباما (البيك برادرز- حسب جرج أورويل في كتابه ” 1984″) من واشنطن “إرحل”. صحيح أن الشروط العامة لكل هذه البلدان كانت مساعدة ودافعة إلى الثورة، انطلاقا من الإستبداد والفقر وغيرها، وبالتأكيد أن ثورات ربما كانت آتية في الطريق لأن الإحتقان السياسي والإجتماعي وصل إلى مستويات لا تطاق. فعلينا أن نطرح السؤال الآن بعد كل ماحدث ولازال مستمرا بشكل مأساوي، حالات داعش والنصرة وكل أشكال الجهاديين، وأنظمة متجبرة رغم قمعها أصبحت الشعوب ترى فيها خلاص بالمقارنة مع الإرهابيين. ألم يعد الأسد جزء من الحل بعد ما كان المطلوب هو رحيله. السؤال هو أين اختفى كل أولئك الشباب الذين كانوا يتصدرون التظاهرات في كل هذه البلدان سنة 2011، اختفوا في العديد من المواقع، لأن دورهم انتهى، واكتسح الميدان المتطرفون والحركات السياسية-الدينية المسلحة والإرهابية بمسمياتها المختلفة، وهي القوى التي تنفذ مخططات طبخت في مطابخ الرأسمال المهيمن على العالم (المجندون/المجندات تأتي من أكثر من 80 جنسية، كيف تشكلت هذه الشبكة التي تجند بأسرع وقت؟؟؟ من أين تتزود بالأموال؟؟؟ ومن يشترى البترول والغاز من داعش، التي كانت تبيعه مابين 40 و50 دولار للباريل، وحين تم تخفيظ الثمن في السوق الدولي أصبحت تبيعه ما بين 20 و10 دولارات؟؟؟ كيف تنشط شبكات بيع الآثار لإسرائيل؟؟؟). لذلك لا أعتبر ما حدث ولازال ثورات، لأن الثورة بالنسبة لي تنشد التقدم وهذا ليس هو الحال، إن المنطقة محكوم عليها بالتفتت وانهيار الدول والرجوع القهقرى لما يفوق 50 سنة، المخابرات الأمريكية تتكلم عن تحويل الشرق الأوسط العربي إلى 14 دولة صغيرة. الثورة تعني تغيير في النخب الحاكمة، ما وقع هو استمرار بشكل من الأشكال لنفس النخب بمسميات أخرى، أو في أحسن الأحوال بالنسبة للتجارب التي استطاعت تجاوز الأزمة، عرفت نوع من توسيع الدائرة إلى نخب متوسطة جديدة. ولا زال شعار الإنتفاضات مطروحا : حرية، كرامة، عدالة اجتماعية.

         نأتي الآن إلى 20 فبراير المغربية، فهي حراك وليس حركة لأنها لم تخضع لتنظيم، أو لم يرد (بضم الياء) لها أن تتنظم، وأصبح مجلس الدعم هو الموجه عمليا. وهذا المجلس الذي غلب عليه بعض التنظيمات اليسارية وتنظيمات سياسية-دينية تقليدانية، مما فسح المجال للمزايدات الشعاراتية، وأصبح البحث حثيث لخلق المواجهات لتحويل المسيرات السلمية إلى عنف، في وقت لم يكن أحد مهيأ لذلك، ولا البديل واضح، وذلك بنقل المسيرات إلى الأحياء الهامشية عوض الشوارع التي كانت مسيراتها منتظمة في بدايات الحراك. كان ذلك بأمل تحريك “الجماهير الشعبية” بوهم إيديولوجي حالم، دون إدراك بأن منبع “البلطجة” هو تلك الأحياء. كان هذا تعبير عن لمسات توجيه التنظيمات الإسلاموية. ما كان يجمع المتظاهرين هو التظاهر وفقط، بحيث لم يكن هناك توافق حتى على الشعارات، لكل كان له سقفه في المطالب، في الوقت الذي كان البعض يحدد “الملكية البرلمانية الآن”، كان البعض الآخر لا يريد تحديد سقف. فمطلب “الخلافة” أو “إسقاط النظام” لا علاقة له بالملكية البرلمانية.

       جاءت المبادرة الملكية في خطاب 9 مارس جواب أربك الحراك، وجعل بعض شبيبة الأحزاب تدخل تحت توجيهات أحزابها في مسألة الصياغة الجديدة للدستور، وانبرى حراك 20 فبراير لمهام ليست مهامه بل كان ترجمة لتوجيهات الأحزاب المؤثرة باتخاذ موقف المقاطعة لأول باكورة أنتجها الحراك. فحكم الحراك على نفسه بالعزلة ثم الضعف واستمراره كفكرة، كنوستالجيا خاصة بعد خروج الحركات الدينية-السياسية ببيان “العدل والإحسان” بعد تصدر غريمهم “العدالة والتنمية” المشهد الإنتخابي.

فهل شكل الحراك ثورة للشباب بدخوله لمجال السياسة من بابها الواسع؟ أعتقد أن الحراك أبرز لنا بأن الشباب مهتم بالسياسة، عكس ما كان سائدا من كلام عن ابتعاد الشباب عن السياسة. لكنه مع الأسف كان ضحية للوسائل القديمة في ممارسة السياسة التي اعتمدتها التنظيمات المتطرفة. فهذه التنظيمات كان همها هو التنافس على الإستقطاب وسط هذا الشباب، يكفي أن نلاحظ الشباب المشارك في مؤتمرات الأحزاب اليسارية بعد الحراك. إلا أن هذا الشباب في سياق بحثه عن الجديد في ممارسة السياسة سرعان ما صد وجهه عن الأحزاب اليسارية ووجدناه ينخرط في حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية. إذن هذا الشباب يريد ممارسة السياسة ولكن من بابها الواقعي الذي يحقق التقدم والديمقراطية بالتدريج وليس بالشعارات المتطرفة دون ممارسة في مستوى الرهانات المطروحة.

      أغلبية الشباب اليوم مقتنع بضرورة التطور التدريجي مع الحفاظ على الإستقرار والأمن خاصة وأن بلادنا مستهدفة بالإنفصال والتطرف الإرهابي في الساحل وشمال إفريقيا، الأمثلة واضحة للعيان من خلال التجارب المختلفة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وغيرها.