رشيد برقان

حين يكشف الوزير عورتنا

المسائية العربية

بقلم : رشيد برقان

رشيد برقان

رشيد برقان

يطيب للوزير وزير التربية الوطنية هذه الأيام الاستمتاع في استعراض خيبات البرنامج التعليمي الفارط، ويستلذ بشغف منقطع النظير كشف عورات مناهجنا، وكأن الأمر يتعلق بحزب معارض مافتئ يندد بتصورات الحكومة، ويعرض تصوراته التي لم يتم المصادقة عليها، وهو اليوم يذّكر، من يحتاج إلى الذكرى، بأن تصوره كان صائبا، وأن برنامجنا التعليمي وصل الباب المسدود، وأن علينا أن نقر بفشلنا ونقدم استقالتنا، ولم لا ننتظر المحاكمة.

قبل استئناف الكلام اسمحوا لي أن أعترف لكم أن “نا” الدالة على الجماعة الموظفة هنا هربت مني، ولم أعرف، لحد الآن، أين صدّت، ولا أين انتهى بها الأمر. والمرجو ممن لديه مكانا أو شيئا يمكنها أن تعود إليه أن يرشدني إليه، وله مني جزيل الشكر.

لنعد إلى جادة الصواب ولنطرح سؤالا لا يخلو من مكر وخداع. لمن يقول الوزير هذا الكلام؟؟؟

ليس لنا نحن، وبالطبع نحن هنا هم عموم القراء، أو عموم المواطنين، نحن الذين لم نتوقف يوما عن الاشتكاء من رداءة تعليمنا، ومن القول بأنه بقدرة قادر أريد له أن يكون رديئا يشبه حالتنا.

وليس للدوائر المسؤولة؛ لأنه واحد منها، فكيف يعقل أن يحدث مسؤول نفسه ويعدد أخطاءه. أعتقد أننا، وعلى غرار مطلب مجموعة من الباحثين الذين يلحون على ضرورة وجود علم اجتماع المغرب، بحاجة لعلم نفس الإدارة المغربية، لأنها تشكو من حالة انفصام شديدة، قد نفلح جميعا، كما يفلحون هم أيضا في تشخيص أعراض هذا الانفصام، ولكننا بحاجة إلى الدواء أكثر إلى الدواء من حاجتنا إلى التقارير التي لا تفتأ تِؤكد وضعا نعرفه حق المعرفة.

أعتقد أن المغاربة ملّوا ممن يستعرض عليهم حالتهم المزرية؛ فمنذ زمن مضى كنا نعتقد أن الاعتراف بالمشاكل والأزمات يشكل خطوة حاسمة نحو البحث عن الحلول الناجعة لمشاكلنا، ولكن العكس هو الذي حدث، فمنذ قرر أحد الوزراء الاعتراف بالأزمة، في زمن لم يولّ بعد، والحكومات المتوالية تلوك على أسماعنا خطاب الأزمة. وهكذا خرجنا من ثقافة “العام زين” و”تلميع الصورة”، لنغرق في بركة الأزمة التي كانت ولاتزال تزكم الأنوف.

لانحتاج، خصوصا، من وزير مسؤول أن يقرر لنا أن وضعنا التعليمي متردي، لأن كل عائلة في المغرب أخذت نصيبها منه، بشكل أو بآخر، ولكن مايبدو في الأفق هو تمهيد الطريق لتقبل حلول لن ترقى إلى مستوى تطلعات المغاربة، وتعمية الرؤية لكي لا ينتبه الناس إلى المشاكل الحقيقية التي تعيق حركة هذا القطاع.

ما نحتاج فعلا إليه هو أن يقول لنا الوزير إن معضلة التعليم تعود إلى المقاربة الاقتصادية للقطاع التي تهتم بتقليص الموارد البشرية، وتتقشف فيما يخص النفقات الضرورية للوصول إلى النجاعة والجودة في التعليم، وتمعن في الابتعاد عن الأهداف الحقيقية التي تضعها كل أمة تريد من التعليم أن يكون رافعة للتطور والتقدم ومصعدا للخروج من لحظة التخلف.

نريد من الوزير أن يقول لنا إن الحل يتجلى في الرفع من الغلاف الزمني المخصص للغات التي يدرسها أبناؤنا بشكل يفسح لهم مجالا قويا لتداول اللغة، أي لغة، والتحكم فيها؛ فلا يعقل مثلا أن يدرس تلميذ الشعب الأدبية سبع مواد مقابل إحدى عشر مادة بالنسبة لتلميذ علمي، كما لا يعقل أن تتساوى ساعات لغة أجنبية بين التلاميذ العلميين والأدبيين، في الوقت الذي تعد هذه اللغة بالنسبة للعلمي أداة للعلم فقط، وهي موضوع علم وأداته في الوقت نفسه بالنسبة لتلميذ أدبي. وكيف يعقل أن يدرس تلميذ علمي 21 ساعة من المواد العلمية، ولا يدرس تلميذ أدبي إلا 15 ساعة من المواد الأدبية.  وكيف يدرس تلميذ علمي سبع ساعات من الرياضيات، ويدرس تلميذ أدبي خمس ساعات فقط من اللغة العربية.

هذا غيض من فيض، ولعل الدوائر المسؤولة أكثر معرفة ودراية مني بهذه التقسيمات التي تجعل من 33 بالمائة من التلاميذ في الثانوي التأهيلي ( أي الأدبيون) يؤمنون بأنهم عديمو الفائدة، وأنهم هنا في المدرسة في غرفة انتظار شيء قد لا يأتي أبدا. وهذا أحد أسباب العنف الرئيسية.

نريد من الوزير أن يقول لنا إن الحل يكمن في تدريس العلوم التجريبية بطريقة تجريبية، وأن الدولة ستعمل على تجهيز المختبرات فعلا بالعدة اللازمة التي تسمح للتلاميذ بالتواصل مع المعارف والنظريات، وليس دراستها بطريقة أدبية عن طريق التلقين والإملاء، فأمام فقر المعدات يصبح أستاذ العلوم سواء الطبيعية أو الفيزيائية خطيبا أو قصاصا، وفي أحسن الأحوال منشطا سينمائيا.

نريد من الوزير أن يلغي هاجس الامتحان من نظامنا التعليمي، وأن يوجه التعليم نحو تكوين شخصية مغربية قوية قادرة على الاندماج في موجة التطور العلمي من جهة، وقادرة على مواجهة موجات التطرف بمنطق العقل وقوة الحوار وفعالية الإقناع، وليس بالدروشة والتزلف.

نريد من الوزير أن يلغي نقط الامتحانات الجهوية ونقط المراقبة المستمرة لأنها مدخل لضرب تكافؤ الفرص، ومرتع لانتعاش طفيليات التعليم الخصوصي (وليس التعليم الخصوصي المواطن) وسماسرة الساعات الخصوصية.

رشيد برقان

رشيد برقان

وأتمنى أن لا يكون ما أقوله سحابة ليلة صيف.