لحسن كجديحي

دخان الندى…لحسن كجديحي

المسائية الثقافية

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

                                                                          

  لا تريد أن تدخل عند أهلها، ليس بعد.. تريد أن تظل مكانها جامدة، مستندة بظهرها إلى الجدار البارد، تتطلع إلى الليل، إلى السماء الرمادية، إلى الجدران العالية الحمراء حيث مئات النوافذ المنيرة. والسيارات الجامدة في المواقف. تحت المصابيح، والشاحنات المتوقفة في الشارع، وأنوار المدينة الكبرى التي تضيء كنجوم سماء الصحراء. تريد أن تسمع ضوضاء الحياة المختلطة داخل الشقق، تسمعها جميعاً مرة واحدة، وتشعر ببرودة الليل. وتمكث طويلاً على هذا النحو، جامدة لصق الجدار، حتى جمّد البرد ساقيها وذراعيها وكتفيها. نقاط الرطوبة تلمع فوق سترتها البلاستيكية وفوق حذائها الجلدي . ولكنها الآن وهي في الخارج، تدرك أنها يجب أن تفكر من جديد في الشقة ذات الجدران القذرة، والتلفاز الذي يتحدث وحده، ووجه أبيها، وأمها المتعبة، ونظرة أخيها. جلست في المقهى المجاور لمخفر الشرطة، من حسن الحظ أن الليل هبط في الخارج. وبالرغم من التحذير الذي أعلنه صاحب المقهى، فإنه لم يبد عليه أنه يريد أن يغلق المقهى حالاً. فهو لا يزال يقرأ صحيفته، ولكن بدرجة أقل من الاهتمام، وهو يرفع رأسه من آن لآخر لينظر إليها. وتلقي فاطمة نظرة نحوه، فتفاجأ به ينظر إليها بعين لامعة. فتشعر بالخجل، وتدير رأسها بسرعة نحو زجاج الباب. الآن، الليل على وشك الهبوط. ففي الشارع الخالي، تحت السماء الرمادية، يتقدم الظلام ببطء، ويستقر. من آن لآن يمر شخص على قدميه وينظر داخل المقهى ثم يستأنف طريقه. وتود فاطمة أن تعرف الساعة لكنها لا تجرؤ أن تسأل صاحب المقهى الذي يواصل قراءة الصحيفة كلمـة كلمة كأنه لا يتمكن من فهم ما يقرأ.

 وتسير فاطمة في الشارع بضع خطوات حتى زاوية موقف السيارات. تلوذ بأحد الجدران في منطقة مظلمة. برودة الليل تجعلها ترتعش، بعد حرارة المقهى المعطرة. السماء الرمادية أصبحت وردية منيرة من جهة المدينة الكبرى، مع وجود الخط القاتم الذي يعلو مداخن مصنع حرق الموتى. لا توجد ضوضاء، أي ضوضاء ذات معنى. كل ما هناك ضجيج السيارات المكتوم    و بعض شاحنات النقل. هناك فوق جسر الطريق السريع، وضوضاء الرجال الغائبين عن الوعي وأصوات الرضع الصغار داخل الشقق المجاورة.

الحقيقة أن فاطمة لا تفكر حقيقة في كل ذلك، وإنما تمر عليه سريعاً، صور، وروائح، وأصوات تتدافع بقوة وسرعة لدرجة غيّبت مشهد مواقف السيارات والجدران ذات  النوافذ المتماثلة. حينئذ تتوقف وتغلق عينيها أمام هذا المكان شديد السواد.

هذه الأسطر كانت، ربما، أول ما اهتززت وانفعلت به من كلمات، ويبدو أنها حركت في داخلها، على نحو غير واعٍ، الرغبة في أن تكتب مثلها، وأن تصوغ بالكلمات ما تود التعبير عنه من – مشاعر وانفعالات-، اللافت لانتباهها، الآن، أنها لم تكتب الشعر، بل خواطر ذاتية، في قالب من النثر المرسل، وأخذت تسجّل بالقلم أحوال الفرح والحزن، مشاعر ما حسبته الحب الأول، وما تخيلته من محبين وهميين كانوا من صنع خيالها، ومن وحي قصص الحب الرومانسية التي قرأتها في هذا الزمان، ولم تنس أحوال غضبها من أمها، حين تدفعها إلى الانزواء وحيدة، حريصة على ألا يرى أحد الدموع الصامتة التي كانت تنهمر من عينيها وأضافت إلى ذلك خوفها على أبيها، فقد رأت آثار إهماله لإصابته بمرض – السكري- والأزمات الصحية التي كان يتعرض لها والتي ترعبها، وكانت في أحوال مرض أبيها تبث خواطرها على أي ورق تجده أمامها، وتبتهل إلى الله بالكلمات، كي يحفظ لها أبوها، ويصونه من كل سوء، فقد كان نبع الطيبة الذي تلجأ إليه دائما، والصدر الأحن الذي كانت تدفن رأسها في أمانه، وتشم رائحة الشعيرات النابتة فيه، وتسلم نفسها ليديه اللتين كانتا تحوطانها دائما، وتربتان على رأسها، فتشعر بالأمان والاطمئنان وما أكثر ما سطرت عن الشعور بافتقاد الأمان، وهي خصلة نفسية، ظلت تنضج في داخلها، ربما دون أن تنتبه، وذلك بسبب صدمات الدهر التي لاحقتها، ابتداء من الخوف من انفجار مشاعر غضب أمها وثورتها على نحو غير متوقع.

 لا تدري لماذا هي تحتاج إلى أن ترى نفسها إلى هذه الدرجة. هذا شيء يحز في داخلها ويكاد يؤلمها، وحينما تكون قد سارت طويلاً في الشارع دون أن ترى إلا صورتها الرمادية في المرآة، أو وجهها المشوه في مرايا السيارات العاكسة، تبحث عن مرآة حقيقية، أينما تكون، في مدخل عمارة، أو أمام صالون حلاقة. فتذهب إلى المرآة وتتوقف، وتطيل النظر، بشراهة، دون أن تتحرك، دون أن تتنفس تقريباً، وعيناها مثبتتان في عيني الأخرى، لدرجة الدوار. الصمت يسود بحيث إنها لتسمع ضوضاء كعبيها ترن في بلاط مواقف السيارات، وجميع جدران العمارات الكبيرة. ولكن لعل البرد هو الذي يجعلها لا تسمع شيئاً آخر. الكعبان يرتطمان بأسمنت الطوار فتحدثان ضوضاء معدنية حادة، لحوحة تدوي دوياً عالياً في داخل جسمها وفي رأسها.  في الليل، يهب الهواء البارد على البنايات وعلى مواقف السيارات. السماء سوداء، بلا نجوم، بلا قمر. مع النور الباهر الذي يصدر عن الأعمدة الحديدية الضخمة، النور الذي ينعكس على الإسفلت. وفي النهار ينعكس ضوء الشمس على الجدران الأسمنتية اللون، وهو حبيس سحب كثيفة، والصمت الذي هو بداخل هذا الضوء لا نهاية له. هناك أنوار، وهناك ظلال.

  فجأة، تشعر بالخوف. لا تدري بالضبط مصدر الخوف، لكنه فيها، مثل القشعريرة، وأيضاً من حولها، في صمت الشوارع الخالية، والعمارات العملاقة ذات المئات من النوافذ، في نور المصابيح البرتقالي، في الريح الباردة التي تصعد بطول الشارع الكبير حاملة الرائحة النفاذة الكريهة، رائحة الدخان وجلبة الطريق السريع. خوف غريب غير واضح، يطبق على حلق فاطمة ويبلل بالعرق ظهرها وراحة يديها، بالرغم من البرد.  تمشي بسرعة الآن؛ محاولة عدم التفكير في شيء. ومع ذلك وفجأة، تتذكر نظرة صاحب المقهى الحادة فيأخذ قلبها في الخفقان أسرع، كأنها لا تزال تشعر بهذه النظرة عليها، ترصدها في الظلام. لعله هنا، حقاً. وتذكر أنه كان على وشك أن يغلق المقهى، ونظر إليها بعد أن خرجت وكانت واقفة في الشارع.

   ترى أين هي! دون أن تدري كيف. ساقاها وهي تجري، قادتاها حتى العمارة التي تسكن فيها. وترفع بصرها تبحث عن نوافذ الشقة حيث أبوها وأمها وشقيقها الصغير. منذ ستة أشهر وهي تسكن هنا. لكنها يجب أن تنظر طويلاً قبل أن تعرف النوافذ الثلاث التي يوجد بجوارها أوعية الياسمين. النافذتان الكبيرتان الخاصتان بالحجرة الكبيرة منيرتان، فأبوها يجلس فيها على الكرسي الخاص به، يشاهد التلفاز وهو يأكل. الآن، فاطمة مرهقة، وهي سعيدة تقريباً لأنها تعود إلى الشقة الضيقة وتشم رائحة الطعام الثقيلة، وتسمع صوت التلفاز الرنان.تصعد درجات السلم، وتدفع باب دخول العمارة وتضع يدها على مفتاح نور السلم. هاهم في انتظارها، كلهم، بقمصانهم المخططة التي تلمع في نور السلم.

حينها تذكرت وقت  لبست لباس العصر وتلت والعصر إن الإنسان لفي خسر، وتمنطقت بحزام لا يشبه حزام بنات العصر، وحشت حقيبتها أغراضاً لا تشبه أغراض بنات العصر، تأبطتها تماماً كما تفعل بنات العصر، نزلت إلى الشارع ملأته فتنة وغنجاً كما تفعل بنات العصر، تفرستها وافترستها عيون جائعة نهمة شرهة من رأسها حتى أخمص قدميها، عيون قردة وخنازير كانت تكتسح الرصيف والحانات ومحطات الحافلات، استفزها أريج عطرها الأنثوي الفوّاح وإيقاع خطوها وترنح قدّها الميّاس، انساق أحد القردة الضالة وراءها في سعي محموم لمرافقتها، علّه يقضي منها وطراً استبدت به غلمته الهائجة. سافرت بفكرها بعيدا ثم سرعان ما عادت من السفر المشؤوم .دخلت البيت، استحمت، توضأت، تطهّرت من كل رجس ودنس، وتلفّعت وقامت فصلّت، ابتهلت تضرّعت، سبحت وذكرت حتى أغرورقت مقلتاها وتدحرجت على الخد الأسيل بلورات الرضا، ثم تجرّدت من بياضها فسربلت وأرخت شعرها الفاحم على متنها، وجلست أمام المرآة تحمد الذي أحسن خَلقها – كما ترجو أن يحسن خُلقها- الذي في أحسن صورة ما شاء ركّبها، وتزيّنت وأمعنت في التستر حتى بدت كلوحة فنان أفنى أنامله في إبداعها

 

تعليق واحد

  1. هذه الخواطر أو أحاديث النفس الكاشفة، التي تتناثر في ذكريات الأمس فيما سبق و هي الآن في دخان الندى كاليواقيت المشّعة تكسبها بهاء وغنى وعمقاً، وتكشف عن طبقات بعيدة من الوجدان الإنساني لشخصيات الحياة في صراعها مع أقدارها من ناحية – وصراعها مع غيرها من الشخصيات من ناحية أخرى، وفي الحالين يطلق الأستاذ كجديحي لإبداعه العنان. وتشجيه هموم النفس الإنسانية وأشجانها، فيأسى ،يعظ ، ينصح ويتأمل. لقد خلص إلى ذاته الهائمة، بعيداً عن صخب المناسبة العابرة وجلبة الحدث الخارجي، وأخذ يُصغي – في إخلاص ومثابرة – إلى صوت نفسه موزّعة في نفوس مخاطبيه.
    القراءة و السرد يقعان ضمن شبكة من العلاقات التي تصل بين النص المقروء وكل الخطابات التي كتبت من قبل. لدرجة أن بعض المفكرين رأوا أن الخطاب الواحد لا يمكن أن يفهم كل الفهم إذا لم يستجمع قارئه في ذاكرته كل ما قرأه من قبل. فيقع الخطاب بذلك في سلسلة من التداعيات الخفية التي تربط بين الفقرة والأخرى ضمن الخطاب الواحد وبين هذا الخطاب والخطابات الأخرى كلها، كما يرتبط الحرف بالكلمة والكلمة بالجملة. ويذهب (رولان بارت) إلى أبعد من ذلك فيضع الخطاب في محور تلتقي فيه كل مفاصل الحياة البشرية. فهويقول إن النص نقطة تشابك بين الذاكرة الاجتماعية (الخاصة بمجتمع معين) والذاكرة الفردية (الخاصة بشخص ما) والتجارب الإنسانية (التي يشترك بها الناس أجمعون). ونستطيع في بداية هذا القرن أن نقول: قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت، وقل لي ماذا ترفض أن تقرأ أقل لك كذلك من تكون.
    بذلك نصل إلى تحديد مفهومين رئيسين: الأول هو تعدد القراءة. كل نص أدبي يتضمن إمكانية القراءة المتعددة، أي إمكانية أن يقرأ وأن يفهم بطرق مختلفة باختلاف القاريء وزمانه. والمفهوم الثاني وهو نتيجة للأول: كل قراءة إعادة للكتابة. ويكون بذلك القارئ والكاتب شريكين متوازيين في إبداع النص وبناء دلالته وتفتيق خيالاته. ويمكن أن يمثل ،في نظري ، خطاب الأستاذ كجديحي هذا الشق الثاني…

اضف رد