لحسن كجديحي

دلالة الكلمة…

المسائية العربية 

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

في التفكير وفي المخاطبة عدد من المـشـكـلات التي لها صلة وارتباط بمعاني الكلمات. وقد يصح أن نـطـلـق عـلـى هـذه المشكلات اسـم – المـشــكــلات الكلامية أو اللفظية – ولعل خير طريقة نـبـدأ بـهـا دراسة هذه المشكلات هي أن ننظر أولا فيما نريد من الكلمات أن تؤديه لنا. فنحن نستعمل الكلمـات في التفكير وفي المخاطبة عـلـى الـسـواء مـن أجـل الإعراب عن أغراض مـخـتـلـفـة كـأن نـصـف مـثـلا الحقيقة الماثلة خارج أفكارنا وإحساساتنا وكذلك من أجل توجيه أعمالنا أو أعمال غيرنا توجيـهـات معينة. ولكي نتمكن من إبلاغ أفكارنا ورغباتنا إلى أناس آخرين، فمن الضروري بواضح الأمر أن يفهم هؤلاء الناس معاني الكلمات التي نـسـتـعـمـلـهـا فـي مخاطبتهم والقواعد التي يجري بموجبها نظم هذه الكلمات بعضها ببعض. وفهمهم لمعاني الكلمات التي نستعملـهـا يـكـون أحـيـانـا مـضـمـونـا بـصـورة كـافـيـة  باستعمالنا كلمات ذات معان مفهومة لدى العموم. وقد نضطر في بعض الأحيان إلى استعمال وسيلة معينة من التفسير كاستعمال التعريف وذلك لكي نضمن أن يكون كلامنا مـفـهـومـا. ولـكـن فـي الأمـر أيضا شرط آخر لا بد للكلمات التي نستعملها من الوفاء به حتى تفي بالغرض المقصود منها ،وهذا الشرط هو أن يكون هناك تطابق بين الكلمات والأمور الواقعية التي نحاول وصفها. ويتحقق هذا الشرط الآن من حيث الكلمات الشـائـعـة فـي الاسـتـعـمـال وذلك بفضل الطريقة التي تبث بها اللغة كوسيلة لإبلاغ أفكارنا ورغباتنا. ومن الوسائل التي لها نفع جوهري في استعمال اللغة عمليا وسيلة التصنيف أي وضع مجموعات الأشياء والأفعال وغيرها فـي أصـنـاف، و إطـلاق كـلـمـة واحدة تعم جميع الأفراد في كل من هذه الأصناف. فأسماء العلم يمثل كل منها فردا واحدا- مثل: سليم، أحمد، و جميل وهكذا. وعندما نستعمل كلـمـة للدلالة على جميع أفراد هذا الصنف من المخلوقات مثل – إنسان- فإننا بهذا الاستعمال نكون قد جعلنا الجميع في درجة واحدة أو صـنـف واحـد وأطلقنا على هذا الصنف كلمة واحدة تكون اسما له. ولكن حينما نشرع في استعمال كلمات مثل ” الديمقراطـيـة، الـديـن،الحرية،     و الخير ” فإنه لا يكون لدينا أي من المزايا التي نتمتـع بـهـا عـنـد استعمال كلمة واضحة المعنى مثل – إنسان -. ذلك أن هذه الكلمات تدل على أصناف ليس من السهل فرزها عن الأصناف الأخرى… وهـى لـيـسـت مـن الكلمات التي تثبت على معنى واحد، فلا تتغير أو تتبدل معانيها، لا بل أننا معرضون لخطر استعمالها في معان متغيرة متبدلة. ولا يوجد اتفـاق عـام على معناها. ولهذا فإنه من الواجب أن نحدد معناها أولا حتى نتأكد من أن الآخرين يفهمون مرادنا من الكلام. ومعنى قولنا هذا هو أننـا نـريـد أن نجعل الطريقة التي نستعمل فيها هذه الكلمات شبيهة بالطريقة التي نستعمل فيها كلمة مثل – إنسـان – بـقـدر الإمـكـان. والـذي نـريـده هـو أن يـكـون لـديـنـا كلمات للأصناف المختلفة تدل على الفروق الحقيقية الموجودة فـي الـعـالـم الخارجي الذي نحاول وصفه. وقد نعبر عن ذلك بعبارات ذات معنى تجريدي بقولنا إننا نريد أن يكون تركيب لغتنا متناظرا مـع تـركـيـب عـالـم الحـقـائـق الواقعية-وهو العالم الذي نحاول أن نصفه ونتكلـم عـنـه بـهـذه الـلـغـة. وبـدا تكون كلماتنا أدوات صـالحـة ونـافـعـة فـي الـتـفـكـيـر . ولـكـن إذا كـان هـنـاك اختلافات في عالم الأمور الواقعية ليس لها ما يناظرها من اختلافات في لغتنا أو كان في لغتنا اختلافات ليس لها ما يناظرهـا فـي عـالـم الأمـور أو الحقائق الواقعية، فإن استعمالنا للـغـة لا يـكـون عـن مـهـارة أو تمكن، وقـد يؤدي بنا ذلك إلى التفكير المشوش.

وفي هذه المجالات التفكيرية التي يكون فيها صنف من الأنباء متصفـا بصفة تتغير تدريجيا وعلى التوالي بسلسلة تغيرات غير محددة تستمر إلى أن تنقلب الصفة إلى ضدها فإنه من الضروري أيضا استعمال كلمات تكون لها دلالات دقيقة في معانيها. وقد نستعمل أيضا كذلك تعريفات تبـين مـا نعنيه ولو أن الضرورة تقضي أحيانا بأن تكون تعريفاتنا دالة على افتراض خطوط فاصلة افتراضا تعسفيا (كان نفترض مثلا أن – الأبيض – هو الذي يعكس (80) في المئة من النور ونضع لذلك خطا عند هذا الحد). غـيـر أن الأداة المتبعة في وضع التعريفات والمصطلحات التي نستعملها لها مخاطرها لأن من شأنها أن تخلق أفكارا هي من الدقة الشديدة بحيث يتعذر تلاؤمها مع الواقع الذي استعملت بقصـد الـدلالـة عـلـيـه ووصـفـه. وقـد تـكـون هـذه العادة مما لا يساعدنا على التفكير بجلاء ووضوح إذا كانت تؤدي إلى فرز الأشياء فرزا حاسما قاطعا في الذهن في حين أنها في خارج الذهن وفي حقيقة الواقع ليست مفروزة على هذا الشكل.

والوسيلة المتبعة المتمثلة في الإلحـاح عـلـى الخـصـم ودفـعـه لأن يـعـرف مصطلحاته قد تكون من جملة الوسائل في الجدل الأعوج لأنها تستدعـي الخصم إلى أن يأتي بأفكار محددة باتت لا تكـاد تمت يـصـلـه إلـى الـوقـائـع المعقدة التي هي موضع النقاش. ولذلك فإن بعض الناس يمتنعون أحـيـانـا عن إعطاء تعريفات رسمية لكي يتجنبوا الوقوع بمثل هذا الخطر ولكنـهـم يستعينون بطريقة ما غير هذه يتخذونها لتوضيح معناهم. وثمة نوع من سوء استعمال التعريف لعله جدير بالذكر. إن الغرض من التعريف ينبغي أن يكون توضيح الكيفية أو الطريقة التي تربط بها استعمال الكلمات وليس إظهار وجهة نظرك في الشيء الذي يراد تعر يفه. والمـثـال النموذجي على التشويش والخلط في التفكير من جراء عدم التمـيـيـز يبين هذين الغرض_ من التعريف يصدر عادة عـن بـعـض الـنـاس الـذي يـظـنـون بأنهم يبرهنون على اتساع في عقولهم.

والغموض في المواد المعدة للقراءة أمر أصعب مـن ذلـك عـنـد المـعـالجـة وذلك لأنه يتعذر علينا أن نطلب إلى المؤلف أن يشرح لنا ما يـعـنـيـه. ولـكـن عدم فهمنا لما هو مكتوب، كعدم فهمنا لما يقال شفاهة، ليس في حـد ذاتـه دليلا على أن المؤلف يحاول أن يدخل في روعنا أنه عظيم الشأن عن طريق استعمال الغموض المتعمد. فقد يكون، فيما يقـولـه سـلـيـم الـتـفـكـيـر و إنما استعمل لغة لا نفهمها نحن. وليس علم من العلوم مصطلـحـات خـاصـة بـه  وليس من المعقول أن نتوقع لأنفسنا أن نفهم كتابا في علم النـفـس أو عـلـم الطبيعة أو الرياضيات دون أن نتعلم أولا اللغة الاصطلاحية العلمية لهـذه العلوم بأكثر من أن نتوقع لأنفسنا أن نقرأ ونفهم كتابا في اللغة الفرنسية إذا لم نتعلم اللغة الفرنسية أولا.

ومع ذلك فإن وجود اللغات الفنية يتيح فرصة يغتنمـهـا الـذيـن يـريـدون استعمال هذه اللغات بقصد إظهار الوجاهة، وكثير من الغموض الذي نجده في الكتب عن معظم الموضوعات لا يرجع إلى استعمال لغة علمية أو فنية لأن هذا الاستعمال هو الطريقة الأكثر اقتـصـادا فـي إفـهـام قـصـد المـؤلـف وتبليغه. وتكون الكتب في معظم الحالات غامضة الدلالة لأن الذين يكتبونها لا يفكرون تفكيرا واضحا أو أنهم يرمون إلى جني ثمار الوجاهة باستعمال الغموض. ثم إن المؤلف من جهة ثانية قد يكون غامضا في عبارته لأنه قد يجد في نفسه مشقة وعناء في تبليغ مراده، وقد يرى أن هذا التبليغ لا يتم إلا إذا استعمل لغة خاصة به.