رحلة “في ظلال الملكوت”

المسائية الثقافية

بقلم: ذ. محمد أبو ريم

          تحت هذا العنوان الذي يتضوع بشذى روحاني ويعبق بأريج ذي نفحات سماوية يعرض الفنان التشكيلي المغربي إدريسي شفيق ي إدريس عددا من لوحاته التي كان له أن يبدعها خلال السنة التي ودعناها، وقد اعتمد فيها الثيمات التالية: 1) الطبيعة بمختلف مكوناتها النباتية والحيوانية، و2) المرأة المغربية، بمختلف ملامحها الدالة على انتمائها إلى مختلف جهات المملكة، وبما تميزت به من حيث الألوان والملابس والحلي وغيرها، ثم3) الرموز ذات الارتباط بالمجال الديني، وخاصة منها ما تعلق بالمقدس.

        وقد اختار إدريسي شفيق أن تستقبل زائر معرضه المقام برواق المتحف في باب دكالة لوحة من الحجم الكبير رسم فيها مشهدا من مشاهد الطواف بالكعبة، بحيث ما يكاد القادم يواجه باب المعرض حتى تتبدى له هذه اللوحة التي تتجسد فيها الكعبة المشرفة وقد أحاط بها عدد من الحجاج والزوار فيحس هذا القادم بأنه داخل إلى فضاء يتنفس شعائر قدسية. فإذا هو ولج قاعة المعرض تلقفته منذ أول خطوة رسومات لمختلف البورتريهات النسائية على يمينه ويساره، فهذا بورتريه لامرأة من الصحراء، وذاك لامرأة من جهة الجنوب بسمرتها التي تشبه سمرة الأبنوس، وثالث لامرأة من الشمال، ورابع وخامس وغيرها… وليست الأنثى في لوحات إدريسي شفيق إلا رمزا يجسد الجمال، وما الجمال إلا الطهر والعفاف. ذلك أن نساء شفيق لسن من النوع الذي يتقدم عاريا، على غرار ما نجده في اللوحات المنتمية للثقافة والحضارة الغربية، كما أنهن لسن من أولئك الكاسيات العاريات، فهو يرسمهن وقد ارتدين ملابس وحليا تبرز انتماءهن إلى الحضارة والثقافة المغربية بما أنها جزء لا يتجزأ من الحضارة والثقافة العربية الإسلامية، ومن خلال هذه الملابس والحلي يبرز انتماءاتهن إلى مناطقهن المحددة جغرافيا في خريطة المملكة والمعروفة بما يميزها لسانا وعادات، وبالتالي تغدو اللوحة وثيقة تترجم ما يجول في عقل ووجدان مبدعها، إذ تستند على معرفته وقدراته التقنية بغاية تحويل متخيله إلى واقع منظور، ومن أجل التعبير بفصاحة الألوان والخطوط والأشكال عن موقفه ورؤياه إلى الوجود.

             ولا تنفك نساء شفيق عن مرافقة زائر معرضه، فهن تمضين معه صوب اللوحات المتشكلة من مكونات الطبيعة الحية بنباتاتها وحيواناتها، بل لنقل إنهن ما تنفككن عن التداخل والتمازج مع عناصر تلك الطبيعة التي اختار شفيق أن يسبح مالك الوجود من خلال رسمها وتلوينها على تلك الحوامل القماشية، رغما عن أن بعض تلك اللوحات قد خصصها الرسام لبعض موجودات الطبيعة، ومنها اللوحات التي رسم فيها الحصان والفيل ومشهد الوادي وما تحيط به من أشجار، فقد جاء بها خالية من حضور العنصر البشري، الأنثوي بخاصة.  

          وثمة لوحتان من اللوحات التي شدت انتباهنا بسبب من قوة ارتباطها بالموروث الثقافي العربي الإسلامي، وأبرزت لنا كيف يمتاح إدريسي شفيق مواد متخيله من الثقافة العربية الإسلامية فيعيد صوغها صياغة خاصة به. ففي هاتين اللوحتين عمد الفنان إلى استثمار اللونين الأبيض والأسود، وهما اللونان الرئيسان اللذان تنبني على أساسهما باقي الألوان الأخرى، فالأبيض انعكاس لجميع الألوان بينما الأسود امتصاص لها. وقد اعتبرت الكثير من الديانات منذ القدم اللون رمزا ذا قدسية، إذ نجده يحضر في الكثير من الممارسات الطقسية، ونذكر هاهنا كيف يرمز الأبيض إلى العفة والطهارة بينما يرمز الأسود للحزن والموت. وقد استثمر إدريسي شفيق هذين اللونين ليرسم في اللوحة الأولى شخصين رمز بهما لسلفي الإنسانية آدم وحواء حين كانا ما يزالان في جنة الخلد التي عمل على الإشارة إليها من خلال حضور النباتات والأشجار ذات الألوان المختلفة (الأخضر الفاتح، والبنفسجي، والأحمر، البرتقالي…)، ومن خلال رمزي الغواية المتمثلين في الثعبان والتفاحة، وقد جاء الفنان بصورة الرمزين ملونة باللون الأخضر دلالة على معنى الفجاجة وعدم النضج. ويظهر الشخصان وقد جلسا متقابلين ورأساهما منحنيان بينما يتوسطهما رمزا الغواية، ويعلوهما ما يرمز للغضب الإلهي. ثم يبدوان في اللوحة الثانية في وضعية عناق وقد استند كل واحد منهما على الآخر، في حين تنجلي على يسار اللوحة أقلام في وضعية ملتبسة، بحيث لا يدري الرائي أ هي مرتفعة إلى الأعلى أم هي هابطة منه(؟).

        إدريسي شفيق من الفنانين الذين يؤثثون المشهد التشكيلي المراكشي والمغربي منذ سبعينيات القرن الفارط، وقد أقام العديد من المعارض الفردية كما شارك في الكثير من المعارض الجماعية، وقد عرفت تجربته التشكيلية على المستوى التقني تطورا نوعيا، إذ وجدناه يوظف الأسلوب التشخيصي فيرسم العناصر الطبيعية النباتية والحيوانية وكذلك الأجساد النسائية في أغلب اللوحات المعروضة، ويمزج في باقي اللوحات ما بين تقنيتي التشخيص والسوريالية. وبهذا يجمع الفنان إدريسي شفيق بين الموروث الثقافي المغربي العربي الإسلامي الذي هو مادة مخياله، وبين التقنيات المستمدة من ما انفتح عليه كباقي الفنانين التشكيليين العرب والمغاربة من الثقافة والحضارة الغربية الحديثة والمعاصرة.

ذ. محمد أبو ريم مراكش، في: 27/01/2015

اضف رد