لحسن كجديحي

رقصة الغربان..

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

   المسائية العربية

 لحسن كجديحي

كان بإمكانه أن يقول كلامًا كهذا، وقد رتب في رأسه الكلمات، ورصَّ العبارات، كيف يبدأ، كيف ينتهي، كيف يكون الكلام موجزًا ومعبِّرًا ودالاً، وبليغًا وموحيًّا ومناسبًا للموقف والمقام.. كيف .. كيف .. كثير انشغالات بالكلام والأسلوب والمداخل والمخارج .. كثير اهتمام بالمضمون .. كثير صبرٍ وتأنٍ ومثابرة في الانتقاء والجمع والتوليف، غير أنه استجمع ما لديه من شجاعة مبددة، ومسح عرقه الطافر على جبهته، وجاهد خُنَّاق صدره كي يسحب نفَسًا عميقًا يكفي لدفقة اللفظ ، ويعين الصوت على الخروج من المخارج.. استجمع ما استجمع ومسح ما مسح وسحب ما سحب وفتح عينيه على آخرهما، وهمت شفتاه تنفرجان : سيِّدي …. لولا أن أذنه سمعت قولاً كان ثقيلاً وشائخًا وصادمًا… لم يكن الأمر كما تظنون .. نعم إنكم تأخذون بالظاهر، هذا صحيح، لكنما الصحيح أيضًا أن الظاهر وحده غير كافٍ، فما فهمتوه فيَّ لم يكن صحيحًا البتة، وأنني ما رقصت إلا حينما تألمت، ربما فهمتم ـ أيضًا ـ أنها حالة الفرح التي لا تتناسب وكآبة اللحظة، وإن كنت أراها مناسَبة لإطلاق الفرح أن أراني واحدًا من العدول، وأن ثمة عيوناً تتحرى العدالة، وأن أبثها شهادة حق في وجه الباطل والادعاء.. أن أخطو باتجاه الحق ريثما أنافح وجه الباطل، وريثما يتنحى ـ ولو قليلاًـ هاجس قديم يلح على رأسي بأن العدالة فوق الأرض وَهْمٌ كبير.. يقيني أنكم تفترضون للفرح مناسبة أخرى، بيد أني أراها حاضرة، أو ربما أنكم تفترضون رجلا غيري للفرح.. ليتكم أجبتم الآن من بدد الفرح في عينيّ ، لماذا هي الصفحة الآن سوداء ملبدة بالتجهم و الصلافة، ولماذا أنتم الآن صورة غائمة؟!..لماذا هي اللحظة مالحة، ولماذا أنا الآن أبدو كالجريمة ؟!.

 

كتم آهاته وأظهر تحديًا واهناً وهو يسحب نفسًا شاردًا إلى صدره.. أحيانًا لا تطاوعه ساقه .. لا يعرف متى يتصلب مفصلها، ولا متى ستفاجئه بما لا يليق.. بدأ يعرج باتجاه المنصَّة .. ساق تطاوعه والأخرى تأبى، بيْدَ أن نصف جسده الأعلى ـ على ما بدا ـ كان مترنحًا بين المجاهدة والسقوط.. يجر رجله جرًا ، وفى لحظة أخرى كان يحجل، يخشى أن يتأخر في الوصول فيغتاظ القضاة، أو يتهمونه بالتلكؤ ، ربما لهذا ظل يجاهد ساقه وجسده، يزفر ما به من غيظ، وهو يهم بين عرج وحجل...ولج البيت.. أحكم إقفال الأبواب والنوافذ والستائر.. أوقف ساعة الحائط عن التكتكة.. ألقى نظرة على السلك الموصول من مكبس الضوء والممدد بشكل مستقيم في منتصف الغرفة. الكرسي الحديدي الثقيل الذي اشتراه لهذه الغاية تحت السلك تماماً. الحبل الذي سيربط به رجله بأرجل الكرسي ملقىً على الأرض بالقرب منه، أطفأ الإنارة، جلس على الكرسي، أحكم رباط رجليه، كمم فمه، زفر زفرات قوية متتابعة فيما ذاكرته تستحضر صوراً وأخيلة ومواقف تتعلق بشبابه المتحمس ورجولته الخائبة، انهمرتِ الدموع من عينيه وانهمر العرق بغزارة من جميع أنحاء جسده.. طلب المغفرة من الله بصوت واهن مبحوح، قرأ سورة الفاتحة وآيات من سورة ” ياسين” على روحه، وصلى مصفداً بعد ذلك صلاته الأخيرة. في أعماق أعماقه مازال يذكر الطريق الرملي الذي  ينحدر بهما  جانباً وهما في طريقهما لركوب قطار العودة .. أحس برعدة كاد أن يسقط.. تدركه من ذراعه . يمتقع لونه وهو ينظر إليها مشفقاً . يخلفان وراءهما غباراً خفيفاً . الأقدام تفر من تحتها الرمال ، الشمس يخنقها الغروب . تتوارى . المقابر تسير مع الطريق تصاحب الأحياء رحلة الدرب الرملي الطويل .. ينظر نحوهم يتمنى لو كان هناك، تبدو عربات القطار المسترخية على أشرطة القضبان الفرعية أمام بقايا من بيوت رحل عنها ساكنيها .. ينظر نحوها يتمنى لو كان مع من رحلوا ..

 

يخرج المكلوم بملابسه البالية وعينه موصدة الأبواب… يمشي في الشوارع، لا تكاد أن تفرقه عن أي بهيمة أو ماشية في الشارع. ثم يذهب إلى عمله، وعمل المكلوم قد يبدو عاديًّا، ماسح أحذية… كان المكلوم واسمه مرزوق منذ سنين يقف في الشوارع وفي المقاهي ليمسح أحذية المارة وعابري السبيل. ولكن بمرور الوقت، غير مرزوق مهنته لأنه أيقن أن رواد المقاهي والموظفين وعابري السبيل إن وجد السبيل ليس لديهم ما يدفعونه له مقابل مسح أحذيتهم… بل إن معظمهم بلا أحذية، حفاة… أرجلهم سميكة وخشنة تشبه أخفاف الجمال… بل إن أكثرهم بلا ثياب، عراة، دون أي زينة بلهاء تغطي أجسادهم البالية… فهم لا يشعرون لا بالحر ولا بالبرد… ولا بأي شيء آخر… لا يشعرون بالخجل من مشيهم عراة… و طبعًا السؤال عن أي نشوة أو رغبة جنسية ناتجة عن هذا العري، هو درب من دروب العبث… فقد ماتت الحياة بداخلهم وشيعت جنازة الأحاسيس والمشاعر.  لذلك فقد قرر مرزوق أن يغير من طبيعة عمله… فبدا له أن يذهب إلى المسؤولين وعلية القوم و(المريشين) كما اعتاد أن يلقبهم… هندم نفسه وحمل عدته وتوجه ذاهبًا إلى أحدهم، وكان صاحب عز وجاه، ملابسه مرصعة بأشياء تلمع يلقبونها بالمجوهرات… عيناه مفتوحتان، وهو أغرب ما في الأمر… فلم ير مرزوق أحدًا وعيناه مفتوحتان منذ سنين.حتى وقع نظره على أحد هؤلاء المريشين…

 

 لم يعلم مرزوق ماذا يفعل ولكنه أيقن أنه لا مفر من أن يأتيه صباحًا كما أمر، وقد كان. وأصبح مرزوق يتردد على مكتب هذا السيد يوميًا يلبي له أوامره.  وها هو مرزوق ذاهب إلى عمله، ظهره محنى وعيناه لا تستطيعان تحديد مكانيهما بالضبط بين ملامح وجهه… دخل مرزوق إلى مكتب السيد زاحفًا كما هي العادة وقبل قدميه وركع له ونظف حذاءه بلسانه، ثم أمره السيد أن يعتدل في نومته على الأرض حتى يتمكن من إسناد قدميه على رقبته. فامتثل مرزوق لأوامر سيده ونام كما أمر وأسند السيد قدميه على رقبة مرزوق. ولكن يبدو أن السيد استرخى أكثر من اللازم أو ما شابه فكسر عظمة برقبة مرزوق… فمات… مات وهو مطأطئ الرأس، ملصقًا إياه بالأرض، تحت أرجل السيد.  اكتشف السيد أن عبده قد مات، لم ينتبه إلى ذلك كثيرًا و نادى على أحد الخدم وقال له: لقد مات مرزوق… فأجاب الخادم دون تأثر واضح: – هل نأخذه وندفنه في أي مكان؟؟ -…  لا داعي لهذا… فقط احفروا له حفرة صغيرة تحت مكانه هذا وألقوه فيها وأغلقوها عليه… حتى يقضى بقية الزمن خاضعًا هنا تحت قدمي.آه… ولا تنسوا أن تأتوني ببديل عنه… لقد كان مريحًا حقَّا.

 

 

 

تعليق واحد

  1. عاشقة الجبال

    عاشقة الجبال..
    ربما أيقن مرزوق بعد دفنه أن حائط الدّعم الذي أمِل بالاستناد إليه ، لم يكن إلا وهما و لا وجود له إلاّ في مخيّلته .حيث ظل صوته يرتفع تبعا لارتفاع وتيرة اللامبالاة لدى من يهمه الأمر، ثم مضي الصوت عكس السير في اتّجاه مغاير و ظلّ يتخافت .. يتخافت رويدا رويدا حتّى يتلاشى..
    رفيق الدرب ، سأمارس غواية الكتابة ، وسأبحث عن ذكر يشبهني، يستثير براكين روحي ، ويتنازع الغريب في داخلي.. بت أشعر أن بيني وبينك فاصلا من الترقب على صدر حياة مكتنزة بالشوق !!
    الانتظار أصبح رفيقي الدائم ، وهأنذا راحلة إلى شاطئ شبيه شاطئك. أفترش خيالي ، و أتحول إلى عاشقة جُرحها الصمت. لقد عرفت أخيرا عاقبة من لم تمسك بروحها عند السقوط.
    حتى اللهفة لك ما عادت تلقمني طعم الأمنيات..
    سألتقط أنفاسي، وسأعود للكتابة ، وأعدك أن تتسلق حروفي الروح ، وتتحرك في فضاءات غير فضائك..
    كنا معا أصابعا متشابكة ، وقلوبا متعانقة ، وكنت أراك بعدسة عين الروح ، لأن الصورة بها أوضح وأصدق ، وكنت أخشى عليك الكسر كبيت شِعر شرطه الوزن .لن تنتهي الكتابة ، لأنني سأكتب بذات العطش ، فلا الصفحات ترتوي ، ولا أنا يكفيني نبعها..
    وداعا يا من أحيى في حبها ” الكتابة “بعد هجرانها لزمن مضى.

اضف رد