رمضان شهر الزيادة في : الخيرات و الصلوات.. الاسعار و برامج التلفزة الرديئة

المسائية العربية

رمضان  شهر الزيادة  في :

الخيرات و الصلوات.. الاسعار و برامج التلفزة الرديئة

بقلم :  محمد السعيد مـازغ

 رمضان شهر الصيام، شهر التكافل والتآزر والتذكر ، شهر التصالح مع الذات ومع الآخر ، والأسمى من ذلك مع الخالق. رمضان له طقوس وعادات، فالصائم ملزم بالانضباط إلى الزمن، فلا يفطر ولا يصوم إلا في الزمن المعين الذي يبتدئ مع طلوع الشمس وينتهي مع غروبها، كما أن الصيام لا يعني الإقلاع عن الاكل والشرب والملذات، وإنما هو أيضا صوم اللسان عن الكلام المحرم، عن الغيبة والنميمة، والسب والشتم، وشهادة الزور  والحلف على الكذب، والغش والاحتكار، والزيادة في الأسعار بدون وجه حق.

ومشكلة العصر هو أن البعض يعتقد أنه بتركه الطعام والشراب، وغيرهما مما يمر عبر الحلق، يكفي لأن يقول أني صائم، اما باقي الامور الاخرى من صلاة وصدقة وحسن المعاملة…فهي ثانوية، ولا أثر لها على فريضة الصيام، متجاهلا قوله صلى الله عليه وسلم: : “رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ”،  ووصيته صلى الله عليه وسلم بالتحلي بالصبر ، وتجنب الدخول في كل ما من شأنه أن يعكر صفو البال، ويثير الغضب، ويدفع إلى ردة فعل مجهولة العواقب، حيث قال صلى الله عليه وسلم : : “فَإِنْ سابه أَحَدٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ” ، وهو موقف ينم عن الحلم والتعقل والسمو بالذات من التفاهات الدنيوية إلى الانغماس في الأذكار والصلوات وتلاوة القرآن، وعمل الخير، وإصلاح ذات البين، وكل ما يدخل في إطار المواطن الصالح الورع، الذي يوازي بين العمل الدنيوي ، وحسن الخاتمة.

مشكلة العصر ايضا ، أن التلفزة المغربية تنام سنة كاملة ، لتقدم لمتتبعيها في شهر رمضان “حريرة ” من نوع خاص، هي عبارة عن مزيج من الأغاني الرديئة، والمسرحيات الدرامية التي أصبحت محفوظة عن ظهر قلب بحكم تكرار مشاهدتها، والأفلام التركية الرخيصة التي تتجاوز حلقاتها ايام السنة، والمباريات الساخنة لكرة القدم والتي غالبا ما تبرمج في وقت الصلاة، وحلقات المقالب المضحكة ، والتي هي في حقيقتها المقززة و المبكية والشاهدة على حال تلفزة منخورة ، تمتص المال العام وتفتقر إلى احترام مختلف الاذواق، وانتقاء الاجود من الاعمال من حيث طبيعة المادة المقدمة، وما ترسخه من قيم فكرية وثقافية واجتماعية. وأيضا على مستوى استحضار البعد التنموي، وامتلاك تصور واضح لما يراد الوصول إليه.

ندرك جيدا ان البعض سينعتنا بالتزمت والانغلاق والسوداوية، أو بمن يقدح في الفن والفنانين، ويصنفنا ضمن من ينظرون إلى نصف الكأس الفارغ، مستدلين بمهرجان موازين الذي يلقى معارضة كبيرة من لدن معظم الشرائح المجتمعية، ومع ذلك، فله عشاقه وعاشقاته، ممن يغمى عليهن، فتنهار اجسادهن  بمجرد التملي في وجه فنانهن المفضل، أو سماع صوته على المباشر . وغيره من الأمثلة التي تبرهن على أن بعض الأغنيات الشعبية الرديئة، خاصة تلك التي تتضمن إيحاءات جنسية، أوألفاظ بديئة من قبيل : ” دور بيها أشيباني “، ” أو “اعطيني صاكي ، باغي نماكي” ..لها جمهورها، في حين نجد ان نسبة البرامج الثقافية والتحسيسية والدينية ضعيفة، وحتى برمجتها تكون في وقت متأخر من الليل يصعب تتبعه، أو داخل اوقات العمل التي تقل فيها نسبة المشاهدة.   من حق المواطن  أيضا أن يتلقى الأخبار العالمية ويعرف ما يجري من احداث داخل وطنه وخارجه، ومن حقه أيضا، أن تصله المعلومة، ويتعرف على المجهودات التي يقوم بها المسؤولون في وطنه، وخاصة في محاربتهم للغش ، والزيادة في الأسعار، والعقوبات الزجرية التي اتخذت في حق المخالفين للقانون، وهذا من شأنه أن يكون موعظة وحماية للمغفلين، وأيضا درسا لكل من سولت له نفسه الاغتناء على صحة المواطن …

وأخيرا إذا كان المواطن يتصالح مع ذاته، ومع الآخر ومع رب العالمين ، فلم لا تعمل التلفزة المغربية على التصالح بدورها مع المشاهد المغربي، وتحقق الجودة المطلوبة، وهذا ممكن بالنظر إلى الكفاءات التي تتوفر عليها الاداعة والتلفزة، والخبرات التي راكمتها، ولا ينقصها في اعتقادنا سوى الديمقراطية وحرية الاعلام، والتحفيز على العمل، مرورا بتكسير الطابوهات البالية التي ترى القبح حسنا، والشمس جمرا حارقا، والجهل آية من آيات التحكم في الرقاب والمسارات والأذواق. وحلا مرضيا للجهات التي يرعبها الانفتاح على المجتمع، واستقلالية الاعلام، وممارسته الفعلية لسلطته الرابعة ، التي تجعل المواطنين جميعا سواسية في القيمة الإنسانية ولا فضل لإنسان على آخر إلا بكفاءته وأدائه في عمله ، كما في الحقوق والواجبات، وإذا ما قدر الله وتحقق ذلك، فيمكن ان نفتخر بان لنا تلفزة تستحق المشاهدة في رمضان وغيره، وفي انتظار ذلك، ما على المواطنين إلا التجلد بالصبر، والاستنجاد بالفضائيات العالمية المناسبة التي تحترم رسالتها الاعلامية، وتؤدي الدور المنوط بها أو على الاقل تلبي رغبات اكبر نسبة من المشاهدين .