رواية العشق في الزمن الحرام

رواية : “العشق فى الزمن الحرام ” بقلم الدكتور أحمد عبد الهادى

المسائية الثقافية

رواية العشق في الزمن الحرام

رواية العشق في الزمن الحرام

رواية : “العشق فى الزمن الحرام ” بقلم الدكتور أحمد عبد الهادى رئيس حزب شباب مصر

إلى السمارة قريتى الصغيرة .. وزمن قد ولىّ      أحـمـد ….

(1)

وحيدا تقبع بين جدران غرفتك .. تلتهم العين المتعبة كل مافيها … المكتب .. الأوراق … الأقلام .. اللوحات المهملة فوق الحيطان … المكتبة .. الأزهار الإسفنجية …. منفضة السجائر .. شرائط الكاسيت .. والغبار … ورائحة الخمول … تسأل النفس فى حيرة .. لماذا فقد كل شىء معناه ؟ تخلع نظارتك للحظات تمسح خلالها عينيك المتورمتين علك ترى الأشياء كما كانت … لكنك تنسى أن كل شىء لم يعد كما كان … فلن تشعر بطعم موسيقى مونامور . التى تذوب فيها عشقا . وهى تتسرب أسفل الجلد مدغدغة كل حواسك منسابة فى ملائكية . محلقة بك بين السحب لترقب من فوقها ليل قريتك الهادىء .. ولن تجلس أنت وأطفال العائلة حول المدفأة فى ليالى الشتاء مستمرئا دفئها الذى يجعل الخدر يسرى فى جسدك بنعومة لتحكى لك جدتك حدوتة الشاطر غريب وهو يقطع آلاف الأميال فوق جواده الأبيض  حاملا سيفه اللامع باحثا عن ست الحسن والجمال وعن زمن آخر أكثر أمان .. ولن تستطيع الهروب من المنزل خلسة متجها إلى الترعة لتجد أسماء فى انتظارك هناك عند الصفصافة لتسبحا معا وتتعلقا كعصفورين صغيرين بأغصان شجرة الصفصاف..

الليل أسود .. الشوارع تمتلأ بالغرباء … الليلة كل سنة وأنت طيب مولد الطاهرة الشيخة سلمى … تحدق النظر فى خيوط العنكبوت التى احتلت أركان غرفتك … يتراءى لك القطار العملاق آتيا من بعيد … أسود كالشبح … يخترق سحب ضبابية كثيفة … وقطعة بشرية عارية .. لايد لها أو قدم … كلها رأس كبير.. لها عين وفم وأنف وأذن .. تقف أمام القطار … لاتأبه بصفيره أو بالموت الزاحف أسفل عجلاته … يمر من فوقها … يخلفها ألف قطعة أخرى حية .. تنزف دماء غزيرة .. تتألم .. وتقف كلها أمام ألف قطار قادم عملاق يخترق سحب ضبابية … والقطع الحية لايد لها أو قدم .. كلها رأس .. لها عين وفم وأذن … تحدق فى تلك القطعة .. تفتش بين رفوف الذاكرة المغبرة محاولا البحث بين جنباتها عن ذلك المكان الذى التقيت فيه بذلك الوجه المرسوم لتلك القطعة البشرية … لكنك تتوه بين جحافل الزمن وتضيع كالثوانى بين السنين

والمحقق صرخ فى وجهك فى تشف :

ـ لافائدة من الإنكار فقد ألقينا القبض على كل مجموعتك

……….

تحاول القبض على اللحظات الراهنة حتى لاينفلت منك العقل غارقا فى ربوع الماضى .. لكنك أبدا لاتستطيع … تحاول إبعاد أشباح قادمة من بعيد وصور متداخلة . مدققا السمع فى أصوات الميكرفونات الآتية إليك من المولد ..

ياشيخة سلمى مدد

ياسيدى على مدد

يارئيسة الديوان نظرة

وفى الصمت لازلت غارقا .. لكن تفكيرك أبدا كان هناك .. فى أعماق الماضي البعيد

……….

ـ اقرأ لى قصتك الأخيرة

ـ هبينى قبلة الحياة

ـ يالك من طفل غرير

ـ إنها بعنوان ” دموع رجل “

ـ دموع مرة أخرى يالى من تعسه

ـ ” شعر بوحشة تنتابه وهو يدور بين أركان المنزل حائرا .كل شىء يذكره بها .. صورها … ملابسها  … عطرها … من صورتها الموضوعة فوق خوان جانبى اقترب .. بين يديه احتضنها .. من صدره قربها .. ضمها إليه .. تساقطت دموعه فوق إطارها الفضى .. اختلطت دموعه بوجهها .. وبكت هى الأخرى معه . “

وبعد أن انتهيت من قراءة قصتك شعرت ببريق العين السوداء ينطفىء … وعندما سألتها عن السبب أجابتك :

ـ لازلت رغم وجودك بين أحضاني تشعر بالغربة

…….. وكنتما تلعبان عريس وعروسة . وزفكما الأطفال . وعلى شاطىء الترعة أسفل شجرة الصفصاف خلعتما ملابسكما . ووسط المياه سبحتما معا .. وقالت لك :

ـ أريد الغوص للأعماق فربما عثرنا على منزلنا الكبير

وحاولتما … وخرجتما مرة أخرى … انطرح الجسدان الصغيران على الطريق … هى تبكى وتتقيأ ماشربته من مياه … وأنت تزيل ماتعلق على رأسها من طين . وطمأنتها إلى أنكما ستصلان لمنزلكما الكبير الذى تحلمان به .. فقط يأتي الحفار ويزيل الطين الموجود فى أعماق الترعة فى العام القادم

لازلت غارقا فى صمتك ..

تستمع إلى همسات الجيران

ـ ابنك محسود

ـ مفيش غير الشيخة كريمة تعمل له حجابا

تتمنى أن يشفيك حجابها من الألم القابع فى الأعماق .. تتأوه من شدة الوجع صارخا دون أن يسمعك أحد

“رباه لماذا يتحطم فينا كل شىء جميل ؟ “

ـ قصصك ثورية وفى هذا دليل ادانة ضدك

وقبل أن تستقل السيارة مودعا أرض السمارة جاءتك رسالة أسماء

كانت سطورها مرتعشة . ولهيب الأنفاس المحترقة ينبع منها

” أحمد .. سأنتظرك حتى آخر العمر “

……….

وفى نويبع كان طابور الهاربين من الوطن طويلا.. أطول مما كنت تتخيل .. ولم يكن معك سوى حقيبة لم تكن ملكا لك .. بها قلم يتيم وحفنة أوراق قمت بتهريبها من عيون أبيك .. والكثير من أحزان الشاطر غريب .. وقطار أسود عملاق يمزق رأس بشرية حية .. لامعالم لها سوى أنها رأس كبير .. تقف أمامه وتتمزق لألف ألف قطعة .. وتعود للوقوف من جديد فى وجه ألف قطار آخر .. ولاتعرف لمن هذه الملامح الموجودة فى ذلك الوجه الموضوع فى ذلك الرأس .. مع أنك كنت مستعدا ـ ولازلت ـ لأن تدفع نصف عمرك لتعرف ..

……….

ومعك فى رحلتك كنت تحمل هزيمة خفية ..

……….

وصرخ المحقق فى وجهك محتدا وجسدك معلق فى سقف الزنزانة :

ـ لماذا لاتتأوه أسفل السياط أيها الوغد ؟

(2)

تجفف العرق المنحدر فوق وجهك  … ترتدى النظارة … وبعد سنوات من الانتظار تنهض من خلف المكتب .. تتقدم خطوات ناحية الباب …. تفتحه … تقتحم الغرفة أصوات الميكرفونات القادمة من المولد وصفعات هواء رطبة كنت تعشقها فى ليالى الأجازات الصيفية بعد شهور الدراسة فى المنصورة .. يطل الليل الأسود عليك  … تحدق فى نجوم القرية كأنك تراها لأول مرة … ترقبها مذهولا وأنت ترى القطار القادم من بعيد يمزق القطعة الحية لألف ألف قطعة .. ولاتعرف لمن هذه الملامح سوى أن لها فم وأنف … وكانت أنف أسماء تنزف دماء غزيرة بعد أن فقدت توازنها وسقطت وهى تلعب فوق شجرة الصفصاف على الأرض .. ودونما تفكير خلعت جلبابك وأخذت تجفف دماءها .. وفى نهاية اليوم كان نصيبك علقة ساخنة لأنك لم تعترف لأمك بمصدر هذه الدماء التى لطخت ثوبك ..

تغلق الباب خلفك … تخطو ناحية الشارع  …. فى حذر تشق سواد الليل … الشارع مظلم .. أضواء الأعمدة خافتة .. المدرسة الابتدائية على اليسار منك ..  مغلقة هى منذ سنوات .. أصبحت آيلة للسـقوط .. تحدق النظر فى الفناء والفصول .. يتراءى لك طفل الأمس وهو يعبث بين جنباتها ….

هنا كنت تلهو مع أترابك

وهنا كنت تلعب الحجلة

وهناك كنت تختفى مع أسماء بعيدا عن عيون الأطفال لتعطيها نصيبك من الطعام … وهنا ضربكما معلم الحساب لأنه ضبطكما تجلسان ملتصقين … وفى هذا المكتب المغلق طرقعت عصا حضرة الناظر فوق جسدك . لأنك لم تسمع الكلام وتعرض عن كتابة هذه الخزعبلات التى تزعم انها قصص

وهنا ..

وهنا ..

وأصبحت مدرستك آيلة للسقوط ..

………

وسقط الحزن دفينا فى الأعماق خشية رؤية زبانية السجن له فيهرولون للأسياد ليبشروهم بالنبأ العظيم .. لكن الحزن استفحل مثل السرطان حتى نهش كل جسدك عندما تحركت ” العبارة ” من نويبع  .. لحظتها قفز قلبك إلى حلقك مضطربا .. فأخرجت أوراقك وتقيأت آلامك فوق السطور ..

” أشعر بأن قطعة من جسدى تنفصل عنى يا أسماء .. “..

والشاطر غريب شعر بوحدة وألم فخرج من كتاب الحواديت مضحيا بعرشه وقصره وودع حاشيته ورعيته .. وامتطى جواده الأبيض وبدأ رحلته .

(3)

ـ أحمد أفندى ؟ .. معقولة .. ازيك يابنى

تطرقع السلامات . وتتطاير كلمات الأشواق والتحية

ـ كنا نتابع أخبارك الصحفية وقصصك فى اهتمام

تستأذنه محاولا الهروب من الهوة التى يدفعك إليها دون قصد ..

ودون قصد قررت اقتحام الدرجة الأولى فى ” العبارة “

كانت الشمس حامية  تشوى أجسادكم فى الدرجة الثالثة

ولايوجد سوى سماء زرقاء ومياه أشد زرقة

وجوع ينهش البطون

ووجوه مصفرة

ممصوصة

وقلق يكسى الوجوه المتعبة

وفى الدرجة الأولى خدرك الهواء البارد المنبعث من التكييف .. وموسيقى الديسكو الصادرة من كل مكان .. ورائحة الشواء تفوح فى المكان .. ووسط حلقة من ركاب الدرجة الأولى كانت قنبلة مصر الذرية ترقص على صوت التصفيق .. وعناوين الصحف تتراقص أمام عينيك ..

زلزال يضرب أنحاء مصر

الدول الشقيقة تسارع بالتبرعات

ديون مصر تتزايد

حادث بشع فى العتبة ..

مجموعة من الشباب يعتدون على فتاة أمام المارة

صرف خيام إيواء لمنكوبي الزلزال

مأدبة عشاء احتفالا بعيد الثورة المجيدة

فوز فيفي عبده بجائزة أحسن ممثلة لهذا العام

هروب بعض رجال الأعمال بمليارات الجنيهات

انهيار أسعار الجنيه المصرى

ارتفاع معدلات الفقر فى مصر

……….

وأقلك الأتوبيس من العقبة إلى عمان .. كانت الصحراء عريضة .. وكنت كحبة رمل تائهة فى قلب الجبال والدموع متحجرة فى العين المرهقة والفراغ ورائحة الموت والوحدة

والفقر

والقلم اليتيم

والأوراق

وأسماء

كنت متعبا وفى حاجة إلى النوم .. وندمت لأنك لم تنصاع ذات ليلة لأوامر جدتك وهى تتوسل إليك لكى تنام . لكنك كنت دوما تتمرد عليها وتطلب منها أن تحكى لك حدوتة جديدة عن الشاطر غريب .. فتحاول التخلص من إلحاحك .. لكنك أبدا تأبى الانصياع بسهولة لرغبتها .

” كان ياما كان .. فى سالف العصر والأوان .. كان فيه فارس جميل اسمه الشاطر غريب .. سجنوه ظلما تحت الأرض وهو فى طريقه للبحث عن ست الحسن والجمال .. الشاطر غريب لم ييأس .. ولم يحزن .. وأخذ يشق طريقا للنور والحرية .. ” ..

وبعد أن تنتهى من حكايتها تنظر إليك وأنت هامد الحركة بعد أن خطفك ملاك النوم … تعدل النظارة فوق أرنبة أنفك . تقف مكتوف الخطى أمام أضواء المولد … مثلما وقفت أمام سياطهم وهى تكوى جسدك .. وسألت النفس فى حيرة :

ـ من أى عالم استمدوا هذه الوحشية ؟ ..

ورغم تورم أصابعك أمسكت بقلمك وكتبت إلى أسماء ..

 ” اعذريني لرداءة خطى يا أسماء .. فالمراقبة على قدم وساق .. ولو ضبطونى وأنا أخط رسالتى إليك لما ترددوا فى قتلى .”

(4)

تفيق من ذكرياتك على أصوات الأغانى والتراتيل والحواة وهم يستعرضون ألعابهم

قرب

صندوق الدنيا

حلو ياعرقسوس

إنها فرصة لكى ينشغل البال عن أوجاعه ..

و……

كنت صغيرا لاتزل .. وكان خالك حزينا .. لحيتة طويلة .. شعره مغبر .. وشاربه كث .. وعيونة زائغة .. غائرة .. وكان قادما للتو من معسكر عتليت الإسرائيلي .. كان الوجه به فتحة أسفل الأنف منفرجة عن آخرها ليؤكد سعادته للجميع .. لكنك كنت تقرأ فى عينيه شيئا آخر لم تستطع تحديد كنهه إلا عندما انزلقت من فوق السرير ذات ليلة متوجها إلى الزير بمفردك .. وسمعت نحيب مكتوم فى الصالة

كان يبكى بحرقة .. واستحلفك ألاتخبرأحدا بما سمعت

وتمنيت أن تسأله لماذا ؟

وتمنيت أيضا أن تهطل من عينيك مياه مالحة مثل تلك التى كانت تهطل من عينيه .. ولما لم تستطع . سجلت أمنيتك فى قصص كثيرة وجعلت الشاطر غريب يتمنى البكاء بعد أن يلقى برأسه فوق صدر ست الحسن والجمال التى ضحى بعرشه وصولجانه فى سبيلها .  وخرج من كتاب الحواديت بحثا عنها ..

وفى سبيل المستقبل كانت عصا أبوك تنهال عليك كلما ضبطك وأنت تمارس الأدب سرا … ولم تكن تدرك أنه يعدك للمستقبل على أحسن ماتكون . فقد انهالت عليك عشرات السياط ومئات الأحذية التى أجبروك على لعقها وأنت تبتسم .. وأبيت الانصياع لما يرغبون .. وكانت النتيجة المزيد من السياط .

ـ طول عمرك يا أحمد يابنى دماغك ناشفة

هكذا كانت تقول لك أمك .. وكانت تتوسل إليك أن تترك الصحافة والكتابة وتعيش حياتك زى بقية خلق الله ..

(5)

ومع خلق الله وقفت حول الحاوى الذى خلع سترته .. وابنه يصيح وهو يشعل النيران فى حلقة حديدية أحيطت بعشرات الخناجر:

ـ النمرة الأولى التى سنقدمها الآن هى القفز من هذه الحلقة

ويتراجع الحاوى للخلف

يمد يديه أمامه

يهرول ناحية الحلقة الحديدية المحاطة بعشرات الخناجر

تتأجج النيران عالية

تتكسر الأظافر

تتطاير فى الهواء

الأفواه مقلوبة

النشوى والمتعة والإحساس بعدم التصديق

وأقدام الحاوى رفيعة

والوجه معروق

انحراف بسيط كفيل بالقضاء عليه

ماذا لو؟ ….

عندها ستحدث الكارثة

……….

ـ هيه .. ماذا لديك من قصص جديدة ؟

ـ ” لاعب السيرك “

ـ حسنا اقرأها بسرعة

……….

ـ ماهذا الهراء ؟

ـ القصة الجديدة ياسيدى

ـ طظ .. لن ننشرها

ـ والسبب ؟

ـ يابنى .. القارىء ليس فى حاجة للمزيد من الأوجاع .. إنه يريد التسلية .. التخفيف عن أوجاعه ببعض البهارات . والتوابل .. والإثارة . والجنس

“…. أيتها الأفاعى من خول لكم التحدث باسم القراء ؟ … “

(6)

ـ والآن جاء دور النمرة الثانية

على حلقة المتفرجين يدور الحاوى ممسكا بين يديه جراب أسود

ـ انظروا لهذا الجراب .. سيخرج منه كتكوت صغير .. الكتكوت سيكبر بسرعة ويصبح مثل الفيل . ويبيض بيضة صغيرة .. البيضة سيخرج منها ثعبان .. الثعبان سيطير ويتجه إلى الكتكوت . وسيأكله . وسيعود مرة أخرى إلى الجراب ويدخل فيه ….

يصمت الحاوى للحظات ريثما يلتقط أنفاسه ويستطرد قائلا :

ـ وإلى أن يخرج الكتكوت من الجراب دعونى أعرض عليكم مفاجأة الليلة

……….

ولم تكن مفاجأة تهرب الأصدقاء منك وأنت تدور عليهم واحدا إثر الآخر . حاملا حقيبتك التى ورمت أصابعك . وكنت مرهقا . تكاد تموت نوما . وفى غرفة بها تسعة مصريين يتمددون على الأرض فوق حواشى إسفنجية مهترئة كالحة اللون من شدة الاتساخ قالوا لك :

ـ هنا ستقيم  وتستطيع التوفير

ـ هنا دورك غسل الأواني وشراء الخضار

ـ هنا لابد أن تستيقظ من النوم فى الخامسة صباحا حتى لايغضب عليك ولى نعمتك

ـ وهنا لا أوراق أو قلم

ـ فقط الدولار

و……

ـ الدولار أيها الوغد سهل المنال .. فقط حاول أن تفهم

وكنت تفهم مايرنو إليه المحقق بكلماته

ولم يكن أبدا فى حاجة لأن يستطرد وهو يقرصك من خدك قائلا :

ـ هناك نوع آخر من الكتابة بإمكانك ممارسة طقوسه . وستأكل منه ماتشتهى

ولم يكن يعرف أنك لاتشتهى شيئا .

(7)

وانتبهت كل حواسك للحاوى لتعرف أى مفاجأة دبرها للمتفرجين الليلة

ـ عنبر …. عنبر يشفى من كل الأمراض .. من الصداع .. من المغص .. والحسد .. والالتهاب الرئوي .. والبرد.. والقلب .. والروماتيزم .. والخضة .. والضعف الجنسى .. والعقم .. لايوجد فى الصيدليات . اخترعه أحد أولياء الله الصالحين . نام ذات ليلة وجاءه هاتف فى المنام وأخبره بمواصفات هذا العنبر .. مثله يباع فى الصيدليات بمائة جنيه . لكننا لن نفعل ولن نبيعه بمائة أو خمسين . أو حتى عشرين .. أو جنيه .. انه وببركات الست الطاهرة الشيخة سلمى . بخمسة وعشرين قرشا فقط .. هيه .. من يقول أنا ؟

ورغم الصداع وأوجاع القلب . وآلام سياطهم الكاوية . لاتلقى بالاﹰ للعنبر . وتظل منتظرا خروج الكتكوت لتعرف كيف يتسنى للثعبان الخروج من بيضته ؟

ـ هه ! . أنت تخرف . بل وتحلم بالمستحيل .. كيف يمكنك تغيير المجتمع دفعة واحدة ؟

وكان المستحيل أن تظل يتيما بلا كتابة . فتتحسس الطريق أسفل ظلمة الغرفة الرطبة متحاشيا الاصطدام بثمانية عشر قدم لتسع جثث غارقة فى النوم من شدة الإرهاق .. وفى ركن قصى منها تقبع متقوقعا على نفسك .. تنزف أدبا ودماء وحزنا كبيرا قادما من الأعماق .. وسطورا مرتعشة ..

……….

” أوه يا أسماء الحبيبة ..

أفتقدك كثيرا .. لقد نجح هؤلاء الأوغاد فى إبعادي عنك . لكننى حتما سأعود ..

ـ اطفىء النور يا أخ

وتحتضن أوراقك وقلمك وتذهب للجلوس أسفل عمود نور بالشارع أمام الغرفة

وحاولت أن تكمل الرسالة لأسماء . لكنك أبدا لم تستطع . كان القلب مظلما والفكر لايزل حائرا باحثا عن إجابة لسؤالك الذى ألقيته لأسماء ذات يوم ورأسك ملقى فوق صدرها وأنتما أسفل شجرة الصفصاف :

ـ خبرينى بربك يا أسماء لماذا تتجسد بشاعة زمننا فينا ؟

ولم تجد سوى دموعها إجابة … وهمست فى رقة :

ـ خبرنى أنت ياعمرى .. لماذا دوما تزيد من لوعتى ؟

(8)

تتوه بين الذكريات حائرا . مثلما أنت تائه الآن فى المولد .. تستيقظ على وجه عادل رياض وهو يخترق المولد وحوله المئات من أهالي السمارة . والهتافات تنزلق على جسده الضخم

تنتخبوا مين ؟

عادل بيه

وحبيبكم مين ؟

عادل بيه

ويفتح ذراعيه عن آخرها بعدما لمحك وسط الزحام . كالذئب الذى يلمح فريسته على مسافات طويلة .. وتستشعر الخطر يحدق بك بين الذراعين المفتوحتين عن آخرها .. أمام الجميع يحتضنك فى مسرحية سمجة مرددا كلمات كثيرة لاتذكر منها سوى . الشباب المثقف .. الواعى .. و.. سنلتقى .. وتمنيت أن تصرخ فيمن حولك صائحا ..

ـ إلي متى ؟

نفس السؤال بادرت به خالك وأنت تراه يذوى غارقا فى أوجاعه . وقال لك وهو يربت على كتفك الصغيرة :

ـ عندما تكبر ذات يوم ستعرف ماذا يعنيه الخرس والهزيمة

وذات يوم سألتك أسماء :

ـ متى سيعثر الشاطر غريب على ست الحسن والجمال ؟

لحظتها لم تجبها بثمة كلمة وغرقت كعادتك فى أوجاعك

وتتمنى الآن أن تعيد على مسامعك نفس السؤال .. ولو حدث لأسرعت على الفور مجيبا عن سؤالها :

ـ عندما يخرج الكتكوت من جراب الحاوى .. ويخرج الثعبان من بيضة الكتكوت

وذات يوم تذكره قالت لك :

ـ أرجوك يا أحمد أفق لى ولو للحظة

وكالمخدر أجبتها :

ـ وأى فائدة ستعود علينا من الانتباه فى زمن الكل مأمور فيه بالتناوم والهزيمة ؟

ـ أحدهم طرق بابنا .. وأبى قرر تزويجى له

ـ لقد فقدت كل شىء منذ أمد بعيد

ـ العريس عربيد

ـ الجميع سكارى بلا نبيذ صدقينى . وأنا أول السكارى

ـ أنا أحبك أيها المجنون

ـ كل شىء منذ أمد ضاع يا أسماء

ـ أحمد أيها الحبيب أنت بعيد عنى .. ماذا حدث لك ؟

ـ أفقدونى إحساسي بالحياة .. وطعم السعادة .. حتى قلبى تمرد على جسدى

ـ أنت لست أول الذين تم اعتقالهم فى سبيل قضية آمن بها

ـ …………

ـ أحمد أرجوك أفق لى للحظة واحدة . أنت تضيعنى منك

ولم تفق ..

وليتك فعلت

وفى غيبوبتك ظللت تائها

(9)

ـ يا أهلا وسهلا يا أحمد بيه . السمارة كلها نورت . اتفضل . ادخل الخيمة .. ونورها

تدخل الخيمة

أصحاب الطريقة الأحمدية

رايات خضراء تغلف جدران الخيمة من الداخل . تتداخل الأصوات والكلمات

حيوا القمر حيوا نبينا

ياحاضرين تشفع فينا

مداااااااد ..

مدد يا أبو الفتيان ..

ياسيدى أحمد البدوى مداااااد

ـ ارقينى ياشيخة كريمة

ـ قوم ياراجل أنت مثل الحمار

ـ سمعونا الفاتحة لسيدى أحمد البدوى

……….

” بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين ….. “

……….

 ” وعندما أدرك أحمد البدوى أن الحجاج بن يوسف الثقفى مات . انتقل من المغرب قاصدا مصر .. واتخذ طنطا مقاما له . وفوق سطح أحد المنازل التقى ببعض المريدين الذين اصطنعهم له أحد أتباعه . لقنهم الأحاديث والخطط . وتحت ستار الدين كان يسير . كان الرجل يخطط لإعادة الحكم للشيعة مرة أخرى وتخفى فى ثوب رجال الدين . خلف لثام على وجهه أخفى معالمه . أشاع المريدون أن من حاول رؤية وجهه مات على الفور . وبذلك ضمنوا ألا يحاول أحد ما رؤية وجهه . وفى كل البقاع انتشر الأتباع ليقصوا للعالم بركات وكرامات سيدى أحمد البدوى .كان الرجل يخطط بذكاء ودربة وحنكة سياسية وحيثيات عديدة تؤهله للوصول إلى المبتغى . لكن القدر لم يمهله . لكنه على الجانب الآخر أصبح رمزا للنضال الدينى والمعجزات التى لايستطيع أحد التصدى لها .. “

……….

ـ كافر .. ملحد .. زنديق

يلتفت إليك والى الشيخة كريمة الحضور .. تصرخ المبروكة فى وجهك :

ـ هذا المعتوه لم يقرأ الفاتحة لسيدى البدوى

ـ والنبى قرأها ياست

ـ محصلش

ـ أنا شايفة

ـ وأنا حاسة بيه .. نظرات الشك فى عينيه

تحمر العيون من حولك . تنفرج الأفواه وتنقلب . يهمس الجميع مبتهلين إلى الله أن يصفح عنك ……

و……

……….

” مات أبو الفتيان . فانقطعت عن الأتباع والمريدين أنهار العسل والذهب التى كانت تنبع من جيوب الأحباب والمصدقين . وهم تلاميذ الرجل . سول لهم عقلهم الاستفادة من موته . نشروا عنه الكرامات والمعجزات . أشاعوا فى الناس أنه يشفى من قبره المرضى ويبرىء حتى الأكمه والأبرص . وأصبح الرجل كعبة يحج إليها المريدون ذوو الحاجات . وفى صندوق النذور تنهال آلاف الجنيهات وتصب فى جيب المستفيدين بما فيهم الدولة التى أصبحت تحتفى . لابالمولد . بل بكرامات صندوق النذور …. “

” صراط الذين أنعمت عليهم .. .. .. “

ـ سأقول الحقيقة للناس

ـ سيرجمونك بالطوب

ـ ولو

” غير المغضوب عليهم . ولا الضالين . آمين “

(10)

ـ والنبى ماتزعل من ستنا الشيخة يا أحمد أفندى

تعدل من نظارتك محاولا إخفاء خجلك وشفتيك تنفرج عن شبح لابتسامة مقتولة . فى فتور تحتسى الشاى الذى أصروا عليه . تتحرك العين فى محجريها وتقفز داخل الخيمة . تصطدم بالأرض المزروعة رجال ونساء وأطفال . البعض منهم نيام . والبعض يتمايل مع الإنشاد والتراتيل . تتساءل عن غريزة الجنس ونظريات فرويد ؟ . وفى المنتصف كانت هناك حفرة مليئة بجمرات من النار . والجوزة على الأحباب تدور .

مثلما دارت ذات ليلة من ليالى الشتاء الباردة . والثلوج متراكمة فى الطرقات . والغرفة احتشدت بكم أنتم العشرة . وتطايرت سحب الدخان وتحلقت حول الرؤوس .  ورغم كراهيتك لرائحة الدخان . إلا أنك فى تلك الليلة عشقته .  فقد كنت تشعر بالبرد جمرات ملتهبة تزحف أسفل جلدك . وتتحول معها إلى كتلة ثلج . والدخان دافىء . والغرفة مغلقة . والملابس أفاعى فوق المسامير . والجدران باهتة ….  يرتعش الجسد وهى تقترب منك . تقفز فوقك . تلدغك ..

آه .. الجدران تنطبق فوق الصدر

تصرخ … يحتبس صوتك

تهتز الأشياء من حولك

” أحمد .. تأخرت رسائلك عنا “

عرق بارد يلف الجسد

ـ أى أجر تريده أيها المصرى المتسول ؟

 ….  ضحكات شيطانية تسمعها حولك

” أحمد أيها الحبيب .. لقد ضيعتنى وضيعت آخر ماكان يربطنى بك”

 ” أحمد .. عد بسرعة أتوسل إليك قبل أن تكتشف عائلتى الفضيحة . بطنى تكبر . والفضيحة على وشك الانفجار “

الدخان كان يحاصرك

يقبض على صدرك

تمتد أذرع أخطبوطية إلى عنقك

الدخان ثقيل

والصدر يشتعل

والقطار قادم من وسط الدخان

تحدق فى الرأس الذى يتحطم ويتحول إلى ألف رأس

يقف الجميع . جميع الرؤوس فى مـواجهة القطار

يغرق كل شىء فى الدم

الصور تتداخل

و……

أسماء

وطفلكما القادم من المجهول

والفضيحة

والسجن

والظلام

وصرخات المعذبين

و ……..

 ” أسماء أنا متعب .. متعب يا أسـ…. “

ـ إنها حمى ولابد من أسبوع راحة

وقالوا لك وهم يستقبلونك فى ميناء نويبع :

ـ حقائبك مكدسة بالكتب . وهذا أمر لايبشر بالخير

تخرج من الخيمة

(11)

ـ ياأهل قريتى الطيبين . تأكدوا أن ثقتكم فى عادل رياض لن تضيع أبدا هباء . وسوف أعمل جاهدا من أجل مصلحة السمارة .

سأرصف لكم الطريق الواصل بين السمارة والقرى المجاورة

سأشيد لكم المستشفى المركزى الذى ترغبون

ومركز الشباب الذى يحلم به أولادكم

والمعهد الدينى

والمسجد ….

و….

و….

وعندما شعرت أن الأدب لامكان له بين وسائل الاعلام شمرت عن ساعديك لتحارب بأسلحتهم

ـ كل أديب صحفى . وليس كل صحفى أديب

هكذا كنت تقول

والصحافة فجرت الأرض من أسفل أقدامك عندما بدأت حربك مع عادل رياض وقدت حملة صحفية ضد فساده . وقال لك ذات يوم :

ـ اسمع .. لماذا لانقتسم السمارة معا ؟

وكان الرد الطبيعى نشرك للمزيد من أباطيله وانحرافاته

واختفت الجريدة من المحافظة كلها

وأمام بيتك ألقت سيارة مجهولة بكل الأعداد . ومعها رسالة شفوية من عادل رياض يقول فيها :

 ” لكى توقن أننى قادر على ابتلاعك أنت وجريدتك . “

وحاولت أن تخبر أهالى السمارة بالحقيقة

والحقيقة أنك كنت متعبا والمحقق يستجوبك على بوابة الوطن الذى ظننت أنه سيحتضنك بمجرد وصولك  لكن حتى هذا الحضن بخل به عليك . وقال المحقق :

ـ سنؤمن بوطنيتك .. فقط قل لنا مارأيك فى حرب الخليج ؟

وقبل أن تؤكد له أن … يستطرد :

ـ ومارأيك فى موقف الأردن من الأحداث ؟

وعندما حاولت أن تجيبه بأن .. عاد قائلا :

ـ ومظاهرات الطلاب فى مصر .. مامدى رد فعلها فى الخارج ؟

وقبل أن ….

ـ ومامدى انعكاس القرارات التى اتخذتها مصر على الفلسطينيين هناك ؟

و……

ـ وماذا عنك ؟ هه .. !

و……

ـ ماهى الرسالة التى حاولت توصيلها للقارىء من خلال شخصيتك القصصية ” الشاطر غريب ” ؟

……

ـ وأسماء .. إلي أى مدى كانت علاقتك بها ؟

……

ـ لاداعى لإخفاء أية معلومات عنا . فنحن نعرف عنك كل شىء .. هل تعلم ماذا يعنى كل شىء ؟

……

ـ يكفى أن تعلم أننا نعرف المدى الذى وصلت إليه هذه العلاقة . فقط نحن نحاول التأكد من مستوى صدقك معنا

……

ـ حتى أنفاسكما رصدناها

……

ـ هيه .. لماذا لاتتحدث ؟

……

وتركته يثرثر وغرقت فى نوم عميق . فقد كنت متعبا . والرحلة خارج الوطن كانت مرهقة . وكلمات أبيك ترن فى أذنيك :

ـ عشقك للقلم سيجلب لك المزيد من المتاعب والفشل

” فشل المفاوضات الثنائية بين الأطراف

” أطراف صناعية للكلاب

” الكلاب البوليسية فى أسيوط

” أسيوط على حافة بركان بسبب الإرهاب

” الفتايات يتعرضن للإغماء المفاجىء

” انهيار عمارة مصر الجديدة

” الجديد فى الأسواق من أدوية الضعف الجنسى

” وسط فيفى عبده يحدث أزمة داخل الحكومة

” سوق شرق أوسطية  ……………..

تغمض عينيك للحظات لتتمكن من الرؤية

صحف .. وعناوين .. وسطور

ترى الأشياء مجرد كتل هلامية المعالم لاحدود لها . تحاول تمييز أى منها . ولاتستطيع .. عرق وكتل ثلجية تزحف فوق الصدر .. تقنع النفس أن ماتراه مجرد هلاوس وهذيان ….

وكان خالك يهذى وهو يرتعش ويطلق كلمات غير مفهومة .. عن الحرب والموت ورمال سيناء . والضياع وسط صحراء مترامية الأطراف . وآلاف الجثث ……

(12)

ـ تم زفاف أسماء ليلة أمس

يارب السموات .. كيف حدث ذلك ؟.. ولماذا الآن ولم يكن قبل مجيئه السمارة ؟

ـ أنت تعلم بتقاليد البلدة .. زفاف أكبر عدد من الشباب ليلة مولد الطاهرة تيمنا ببركاتها

يا إلهى .. مستحيل … لاأصدق ……

……….

” لماذا لاتصدق يا أحمد ؟ ..

ألست مثل كل فتايات العالم ؟..

أليس من حقى أن أحلم بمنزل يأوينى وإياك؟..

يحمينى من عيون الآخرين ؟ “

” صدقنى إن لم تعد خلال أيام فإنني سوف …… “

تحاول التذكر .. كل شئ مشوش

” ثمرة اللحظات المجنونة أخذت تتحرك فى أحشائى …. “

تقلب فى رفوف الذاكرة مجهدا

” أحمد .. أفكر جديا فى التخلص من الجنين عند طبيب بقرية برقين …. “

وتبحث ……

” أحمد . تخلصت من الجنين .. لم تعد كما توسلت إليك .. وكثيرون يطرقون بابى .. ولم يعد لدى أى مبررات أعرقل بها زواجى .. حتى لو وافقت على أحدهم . فماذا لو اكتشف اننى …. “

……….

ويصرخ خالك والعرق يلفه :

ـ نحن لم نقاوم .. اعترضوا على ذلك .. شربنا المقلب وحدنا .. لم تنفعنا المساعدات والضحايا التى قدمناها للأشقاء .. وعندما عدنا من التيه فى الصحراء . حذرونا من التفوه بأية كلمة .. ولأننا تعودنا على الخرس والهزيمة فقد صمتنا .. لأننا فقدنا القدرة على الكلام .

……….

وكانت ليلة لاتزال تذكر معالمها رغم السنين

كانت السمارة هادئة

ليلها ساكن إلا من صفعات صيفية رطبة

اتجهتما معا إلى شجرة الصفصاف

جلستما

تحدثتما فى أشياء كثيرة

الحديث الوحيد الذى لم تتطرقا إليه هو حديث أبيها لك :

ـ وهى الكتابة يابنى لامؤاخذة بتأكل عيش ؟.. هتشترى لبنتى شقة بكام قصة ؟.. والثلاجة هتشتريها بكام مقال من بتوعك اللى بتكتبهم فى ( الجرنان )

ولم تكن تملك سوى قلبك ومشاعرك .. وحفنة أحاسيس مجنونة

كنت متعبا ياصاحبى وهى مثلك تماما

ألقت برأسها فوق صدرك وأجهشت بالبكاء

دموعها كانت غزيرة

مالحة

أحاطت بذراعيها حول جسدك ..

كانت يدها مرتعشة .. وكانت فى حاجة إليك .. وكنت فى حاجة إليها .. وامتدت الأيدي تكسر كل الحواجز .. لأول مرة شعرت بجسدها أسفل أصابعك ..كنت تتحسس كل الجبال والأنهار .. والأشجار .. قطعة من النار كانت .. وقطعة من الثلج كنت .. واقتربتما .. صعدت أصابعك إلى وجهها .. جففت دموعها .. ارتعشت شفتيها .. ملت عليها .. التصقت الشفاه وأبت التراجع .. التحم جسديكما أكثر .. تأوهت فى خدر .. تمنيت أن تحطم ضلوعها بين يديك ……

ـ أحمد .. أرجوك

همست بها إليك فى توسل .. لكن الوقت قد فات .. فقد كان جسدها بين يديك يحاول التخلص منك دون جدوى .. يحاول التخلص من سطوة العقل .. من كلمات أبيها .. حتى منك . ومن الواقع . وفتشت الأصابع عن جدران الملابس واقتحمتها .. أسفل الجدران كانت يديك

يا الله ……

أى فردوس هذا الذى تقترب منه ؟

لم تكن تدرك أنها بهذه الروعة .. زحفت الأصابع أسفل لتزيل الحجب واحدا إثر الآخر .. تمزق الستائر .. تدمر كل شئ يحول بينك وبينها .. واستغاثت بك باكية

ـ أحمد … احترس

لكن الصوت الذى كنت دوما حريصا على أن تلتقطه . وتلتقط كل أنفاسه . غاب عنك لأول مرة . وتفصد عرقك غزيرا … واختلطت دموعها بعرقها بجسدك بشعرها .. وتاهت معالم جسدها أسفلك .. ودقات قلبك تعلو وتعلو

ثم وأنت تقترب من لحظة العشق والجنون

لحظة اقتراب السماء من الأرض

لحظة تساوى الجحيم بالفردوس

لحظة الميلاد الحقيقية

لحظة العودة إلى البدء

ظهر القطار الأسود من بين السحب .. ولأول مرة خشيت على الرأس التى كانت تعترضه . وظهر خوفك فى ارتعاشة يديك التى ضممت بها أسماء بقوة .. وسمعت صرختها تدوى من أسفلك :

ـ أحمد ……

ولاتدرى شيئا بعدها . سوى أن الشاطر غريب كان متعبا من رحلة الطريق . وآن له أن يستريح .. وأفقت لتجد أسماء بين ذراعيك عارية .. وملابسها متناثرة حولك وهى تبكى .. والجسدان يتصببان عرقا .. والصفصافة عالية .. ومياه الترعة فى انتظاركما لتغتسلا من أوجاع الزمن الماضى .

(13)

ـ قتيل يا أهل البلد

صرخة شقت زحام المولد .. أفقت من غفوتك على أثرها .. أصوات متداخلة لاتميز منها الاالقليل

ـ استرها يارب

ـ الذرة ياعالم

ـ حرام عليكم دى زرعة السنة دى

ـ لطفك يارب

ـ أنا عارف إيه اللى جرى للسمارة بس يا أولاد ؟

تتجه خلف الآخرين .. يصدمك حصار مضروب حول جسد مسجى على الأرض بجواره امرأة تتشح بالملابس السوداء وهى تبكى :

ـ بنتى حبيبتى

الصوت تعرفه .. لكن

ـ  أبوك عملها فيك ياضنايا

تتجمد مكانك غير مصدق

ـ  وسع يابهيم منك له . البيه رئيس المباحث وصل

تقف مذهولا ..

ـ أبوها هو اللى قتلها يابيه

كيف ؟

ومتى ؟

ولماذا ؟

ألف سؤال يدور فى الرأس حائرا

ـ ليلة امبارح كانت دخلتها

يارب السموات

ـ عريسها وجدها ……

تشعر باقتراب أقدامك من حفرة عميقة

ـ حاول أبوها يعرف مين السبب ؟

آه .. ها أنت تقترب …. تزوغ عين أمها بين الحضور .. اهرب بسرعة قبل أن …

يبدو أنه لافائدة

ـ أحمد أفندى ؟

انكشف المستور ….

ـ أحمد يابنى .. انت كنت بتحبها

يا الله …… مابال التيار هذه المرة عنيفا ؟

ـ وكنت عايز تتجوزها .. لكن أبوها الله يسامحه بقى

ومن يسامح زمننا الضائع ياسيدتى ؟

ـ شفت عليها أو سمعت عنها حاجة وحشة يابنى ؟

ها أنت خصم وحكم .. القاضى والجلاد .. القاتل والمقتول معا ….

ـ أبوها هو اللى قتلها يابيه

” وكنا صغارا يا أسماء ..

وكان حلمنا صغيرا

منزلا صغيرا

ووطنا صغيرا يحمينا من برد الشتاء

ومن لهيب الصيف

من عواصف الحياة

ومياه الترعة لم تكن أبدا عميقة

وكان الطين كثيرا

والصفصافة هناك

والفراق

والغربة

والرحيل

ـ اقبضوا على المتهم

هل كان يجب أن نحلم يا أسماء ؟

ـ هاتوه من تحت الأرض

حتى الحلم البسيط أصبح صعب المنال فى وطن يضيع فيه كل شىء

ـ إلى أين أيها الصحفى الهمام ؟

تلتفت إلى رئيس المباحث وأنت تخلع نظارتك . مجففا دمعة أبت السقوط مؤكدا له أن لديه جريمة قتل .. وتحقيق .. وأنت مرهق .. فيؤكد لك هو الآخر باعتداد وثقة وهو يشعل سيجارته . أن كل شىء فى جريمة الليلة واضح المعالم . والمجرم معروف

ـ تمام ياسعادة البيه . قبضنا على المتهم

يقول وهو ينظر إليك مؤكدا بطرفى عينيه صدق ماقاله لك منذ قليل :

ـ رحلوه على المركز

ثم وهو يتابع إجراءات الترحيل :

ـ هؤلاء الأوباش يحكمون على عفاف حريمهم بغشاء البكارة

وفى سخرية :

ـ حسنا وماذا بعد زواج الفتاة ؟. هه ؟

تشق المولد وحدك عائدا أدراجك من حيث أتيت . تشعر بأنك تواجه جيشا من الغزاة بمفردك .. تحارب فى صف أوله يبدأ وينتهى بك .

(14)

تدخل المنزل متجهما

ـ أحمد يابنى . مالك ياكبد أمك ؟

تتركها وتدلف إلى غرفتك قاذفا بنفسك على أقرب مقعد

تخلع نظارتك ملقيا بها على المكتب مجففا دموعك التى تتحسسها غير مصدق

تشعر بأنك شمعة تذوب مع كل دمعة تسقط

تترك دموعك نهرا يهطل من بين الأحداق .

وتحدق فى كل شىء حولك محاولا التمسك بالواقع حتى لاينفلت منك الزمام رغما عنك … ورغم كل ماتشعر به إلا أنك تشعر بإلحاح غريب يدفعك للسفر للماضى … فى حاجة أنت لذلك … فى حاجة للتعلق بأغصان صفصافة ما .. أى صفصافة لتجد تفسيرا لذلك الذى يحدث حولك

تدقق النظر مرة أخرى فى كل شىء حولك

آثاث الغرفة هو هو…. لم يتغير

المكتب القديم خلفه المقعد المتهالك

الأريكة الطويلة فوقها الحشية الأسفنجية

المكتبة الصغيرة بين رفوفها بعض الكتب وفوقها أزهار أسفنجية ومنبه كبير الحجم … وصورتك لازالت رغم السنين الطويلة فى الإطار البلاستيكى … وعلى الجدران ورق ملون فوقه لوحات لبعض الأصدقاء القدامى وبعض من كتاباتك التى فشلت فى نشر أي منها فوضعتها فوق الجدران هى الأخرى … كل شىء لايزل كما هو

فقط عنكبوت احتل الأركان وغبار غطى كل شىء .. فالغرفة لم يدخلها أحد منذ يوم سفرك الطويل بناء على تعليمات أمك ..  حتى هذا المقعد الكالح لايزل هو أيضا فى نفس المكان .. وكانت أمك فوقه تبكى …. نعم ياعزيزى كانت تبكى .. وكنت أنت  خلف هذا المكتب واضعا رأسك بين كفيك .. وأمك تقول لك فى توسل :

ـ يابنى حرام عليك كفاية غربة

نعم هذا ماقالته لك بالحرف الواحد . وقالت لك أيضا :

ـ كنت أعد السنين بالدقائق وأنت بعيد عن مصر

ثم استطردت بعد توقفها للحظات :

ـ وعندما عدت تريد الهروب للقاهرة

وضحكت من بين الحزن والألم محاولا التخفيف عنها . وأكدت لها أنك سوف تزورها نهاية كل أسبوع ..

و..

حملت حقيبتك خارجا من السمارة

كانت الساعة تشير آنذاك إلى الثامنة مساء

وفى عربة متهالكة غادرت القرية إلى السنبلاوين ومنها إلى القاهرة

فى الشهر الأول ..

نفذت ماوعدت به أمك

فى الشهر الثانى ..

بدأ وعدك لها فى التآكل

فى الشهر الثالث ..

تقزمت وعودك

فى الشهور التالية ..

أكلتك شـوارع القاهرة .. وابتلعتك دروبها

غرقت فى أضوائها

نهشتك

وكانت البداية عندما قال لك رئيس التحرير بعد أن استدعاك على عجل محدقا فى أوراقك الموجودة بين يديه :

ـ ماهذا التخريف ؟

و…. عندما حاولت الدفاع عما كتبته قائلا :

ـ إنه الواقع دون تحريف يذكر

قال ضاحكا فى سخرية :

ـ لهذا أنت حمارا

وبعد أن لقنك الدرس الأول فى الصحافة التى يرضى عنها الجميع .  تساءلت فى دهشة :

ـ والضمير الصحفى ياسيدى ؟ والحقيقة ؟

عندها قال لك محتجا :

ـ الحقيقة أنك ستظل حمار

……….

والحقيقة قالتها لك أسماء عندما صاحت فيك ذات ليلة التقيتما فيها :

ـ كان بإمكانى الاحتفاظ بالجنين وأتحدى به العالم . لأنه جزء منك وقطعة منى … لكننى تخلصت منه لأن أحمد الذى أحببته ذات يوم .. مات .. مات …

تضع يديك فوق أذنيك محاولا ألا تسمع الصوت القادم من الماضى

تفشل رغم محاولاتك

تدور كالثور الذبيح بين أركان الغرفة

يدك أذنيك صوت أقوى قادما فى عنفوان :

أقـص عـن بــهـوت

أقص عن ياسين … عن بهية

……….

ـ ياسين يرمز إلى الثورة التى تخططون لها لقلب نظام الحكم .. وبهية هى مصر التى تحاولون تدميرها بأعمالكم يا أولاد الـ ….

……….

يابهوت ….  ياضحية

إيه …..كم أنت غبية

ـ أنت ماتعرفش إن الحاجات بتاعة نجيب سرور ممنوعة فى الجامعة ؟

……….

ـ ” قصة الحضارة ” لول ديورانت  .. ” لعبة الأمم ” لمايلز كوبلاند .. ” الإسلام وأصول الحكم ” .. ” الزينى بركات ”  ياخبر أسود كل دى مفرقعات ؟

……….

” هذا وقد تم ضبط عدد هائل من القنابل شديدة الانفجار لدى المتهم .. واقفل المحضر بعد اعتراف المتهم بالتهم المنسوبة إليه . “

اقرأ آخر خبر ……

” وزارة الداخلية تلقى القبض على إرهابي خطير “

ـ مش قلت لك ان السكة دى نهايتها مش كويسة ؟

(15)

دموع غزيرة تنحدر رغما عنك

تستند على حافة المكتب

تترك الدموع تتساقط

تتحسس كل جزء فيه

تظهر بين الأصابع ارتعاشة تحاول مواراتها لكنك رغم كل شىء تفشل

تمتد اليد المرتعشة الى أحد الأدراج التى تعرفها …. تفتحه … تطالعك مئات الأوراق من يومياتك التى كنت تحرص على تسجيلها يوما بيوم … تتطاير على مرأى منك أياما قد خلت وسنوات الماضى والليالى الجميلة … تتقافز فى ألم عشرات القصص والحكايات التى استوحيتها من ذكريات الماضى وحياة الناس فى السمارة … تمتد أصابعك إلى أوراقك القديمة التى غرقت فى مئات المواقف والأقاصيص

تنفض عنها الغبار وخيوط العنكبوت وفضلات الفئران … كل يوم سطرته هنا تشم رائحته … تحتضن يومياتك  فى خوف وعشق وقلق

تفتح أحد أجزائها … من بين الدموع المرتجفة فى الأحداق تدقق النظر فى السطور ….. تستسلم لها كالطفل فتأخذك فى أحضانها بعد انتظار سنوات طويلة

……….

جاموسة الواد عوضين الغلبان ماتت بعد فشله فى علاجها … الواد عوضين كانت حالته وحشة…. قمنا سرا بجمع مبلغ من المال   اشترينا له جاموسة تشبه جاموسته الأولى … وضعناها سرا فى بيته   … عندما رآها احتضنها وانهال عليها تقبيلا وظن أن جاموسته الأولى عادت للحياه

*******

هنيه زوجة الحاج حسين مشيها وحش وبطال … وجوزها أكبر منها    وكانت هى والحق يقال . حلوة قوى وقمورة … ومنذ أيام البت هنيه اختفت … وليلة أمس وجدوها مقتولة فى غيط الدرة … عندما سأل البيه ضابط المباحث أمها قائلا :

ـ هل هذه ابنتك ؟

أجابته :

ـ لاياسعادة البيه .. دى عمرها ماكانت بنتى .

*******

رأيته فى الباحة الواسعة التى يقام بها مـولد الشيخة سلمي كل عام

كان يعرض ألعابه وعرائسه … زاغت عينى بحثا عن ابنته … قال :

ـ ماتت ياولدى منذ سنوات . وتركت لك هذا القلب الخشبى

أهديته لها ذات يوم .. منقوشا فوقه اسمينا

سنون مرت من العمر وأنا بعيد عن السمارة

وكما دخلت وحيدا

خرجت من المولد أشد وحدة

*******

ـ ماذا تريد ياسيد يا ابن ست أبوها ؟

ـ حقى ياعمدة .. ألف جنيه ماينقصوش مليم أحمر

ـ وإيه رأيك فى الكلام ده يامحمود أفندى ؟

ـ وأنا موافق ياعمدة .. ألف جنيه وفوقهم بوسة .. وأنا آسف على غلطى فى سيد .

ـ وأنا متنازل عن حقى يامحمود أفندى

وتعانقا..

*******

حمل حقيبته عاقدا العزم على الهروب من السمارة إلى غير عودة

ـ حريقة يا أهل البلد

صرخة سمعها فى ميكرفون الجامع ..

خطوات

واستغاثات

وصرخات

أوانى

ومياه

ونساء

ورجال

نسى سفره وحقيبته واتجه مع أهل البلد لإطفاء الحريق وذاب وسطهم

*******

ـ الحقونا ياهوه

استغاثة شرخت سكون الليل الهادىء .. من كل مكان تجمع الناس .

ـ أراضينا شرقانه

ـ لكن ده دورنا فى الرى ؟

ـ ولو

ارتفعت الصرخات

احمرت الوجوه

شقت الفئوس طريقها فى الهواء

انفجر طوفان من الكلمات غير المميزة

المال ..الأرض .. العرض .. الموت

و.. اختلطت مياه الترعة باللون الأحمر

*******

فى مقهى البلد على المحطة تحلق كثيرون حول الفيديو لمشاهدة فيلم (ثقافى ) ..  سحابة دخان كثيفة ملأت المكان … زكمت الأنوف رائحة الحشيش … جاء البيه ضابط المباحث فى العربة الزرقاء … ألقى القبض على الجميع … وظل الفيديو وحيدا

*******

بنات السمارة حلوين وطيبين … وضحكتهم جميلة … منذ أن دخلت الكهرباء بلدنا وامتلأت بالتلفزيونات … وبنات بلدنا بقوا وحشين … وضحكتهم اختفت

*******

قال أبى :

ـ تجمـعت عائلة البدراوى علينا بكاملها .. ضربونا .. وطردونا من بيوتنا .. لحظتها دعوت الله أن يرزقنى بعشرين ولد .. أربيهم ويكبروا ليثأروا لنا ..عندما جئتم للوجود  نسيت ثأرى القديم . ودعوت الله أن يبعد عنكم كل مكروه .

*******

البت خضرة راحت للشيخة حسنة بعد دوخة على أهل الطب علشان الخلف … الشيخة حسنة قالوا عنها أنها ست صالحة وفيها شىء لله … الشيخة حسنة دخلت هى والبت خضرة غرفة ضلمة لزوم الحجاب … بعد شهور ظهرت كرامات الشيخة حسنة وظهرت أعراض الحمل على خضرة … وظهر كمان إن الشيخة حسنة راجل ومتخفى فى هدوم واحدة ست

*******

تردد اسمه طويلا فى عـالم الإجرام … ليلة أمس فقط ذهبت لزيارته لكننى عدت بخفى حنين .. سألنى حفيده :

ـ هل رأيته ؟

قلت :

ـ مع الأسف لم يكن أحد بالداخل سوى عجوز هده الشلل والهرم

قال حزينا :

ـ ذلك ماتبقى من جدى

*******

ـ اصحوا يا أولاد .. الفجر أدن

كالقطط نستيقظ  فى نشاط . فيوم شم النسيم لايجب التكاسل فيه

نسحب من أسفل الوسائد البصل الذى وضعناه ليلة أمس … خلف هيكل جدتى نتحرك جميعا .. ماإن نصل للترعة حتى نخلع ملابسنا مثل جدتى … نضحك من جلدها المترهل . وعروقها النافرة  … نلقى بما معنا من بصل فى الترعة ونحن نقول :

ـ يا بصله يابصلتى خدى كسلتى

ونقذف بأجسادنا خلف البصل … ولانتردد فى ذلك وإلا أصابنا الوخم حتى العام القادم .

*******

ـ أضرب الرمل وأشوف البخت

خطوات وئيدة .. وجه مجعد ..طفلة فوق الصدر .. قفة فوق الرأس .. أسفل مقعدى تجلس ..

ـ ارمى بياضك

الأصداف على الأرض .. وخطوات متعرجة

سكة سفر ومخاطر وبنت حلال .. و .. تصمت .. تضطرب … تجمع أصدافها وترحل وتتركنى حائرا غارقا فى ذهولى

*******

ـ استرها ياكريم .. عشان خاطرى يارب .. طب مش عشان خاطرى أنا .. عشان خاطر الأولاد الصغار اللى بيحبوها زى أمهم

أنظر إليه محاولا الاستفسار عما يحدث وأفشل فى مهمتى .. تقول أمه:

ـ سيكرمها المولى . قول إن شاءالله

ـ أصل الحبل  السنة دى كان صعب عليها قوى

يخرج الطبيب .. يستقبله فى اضطراب

ـ خير يادكتور ؟

ـ مبروك .. جحش زى القمر .

يتركنى مكانى مبهوتا .. ويدخل ملهوفا ليطمئن على حمارته .

*******

التقينا بعد سنوات طويلة .. بحثت عن معانى السحر التى كانت تشدنى إليها فى الماضى … وقعت عينى على فم واسع وشفاة غليظة وجسد منتفخ كالقربة .. وخمسة أطفال حولها يعبثون

ـ حمد الله على السلامة يا أحمد أفندى

قالتها دون أن تتعثر فى جلبابها الطويل كما كانت فى الماضى

ومضت من أمامى فى ثقة لم أعهدها فيها ذات يوم . بينما كان الخجل يعترى وجهى

*******

ـ هيه .. وماذا يقول شاعرك هذا يا أحمد أفندى ؟

ـ يقول :

هذه الكـعبـة كنا طـائفيها    والمصلين صباحا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها     كيف بالله أصبحنا غرباء

ـ الله .. طيب وازاى المغفل ده يكون حاسس بالغربة وهـو فى حضن الكعبة ؟ هو حد يطول يروح هناك ؟

ـ لاياعم بيومى .. الشاعر يقصد بالكعبة الـ ..

و .. تركنى وامتدت يديه إلى صرة الطعام  … منها تناول بصلة .. على الأرض وضعها … فى الهواء رفع يديه … على البصلة أهوى … تهشمت إلى قطع صغيرة … يلقم منها قطعة كبيرة … يزدرد خلفها كسرة خبز يابسة فى استمتاع غريب .. يرفع القلة على فمه الضخم . ويرشف منها المياه بصوت مسموع . ثم يتجشأ فى نشوى . فتزكم أنفى رائحة البصل ويتذكرنى أخيرا .. يلتفت ناحيتى قائلا وهو يمسح فمه بأكمام جلبابه المرتق :

ـ أيوه ياسيدى .. كنا بنقول إيه ؟

أبتلع رغما عنى كلمات لم أقلها وأنهض وأشق رحلة العودة إلى المنزل

*******

وسط المولد تلتقى نظرات حبلى بالأشواق .. بالحياة .. بالعشق الجميل .. وتختلط البراءة بالعقاب بسياط على الظهور الصغيرة التى لاتأبه بأى شىء … وسط الذرة نلتقى أنا وأسماء … فوق قدمى تلقى برأسها المتعب … أحكى لها حدوتة الشاطر غريب وست الحسن والجمال

*******

السير على شاطىء الترعة عند العصارى له متعته الخاصة وسحره الذى لايقاوم … تقع العين على أطفال يسبحون وسطها … أصرخ فيهم محذرا من البلهارسيا والأمـراض متناسيا زمنا معى قد ولى  … وتتوه صورة أسماء بالشاطر غريب بست الحسن والجمال … ويخرج الأطفال ريثما أمر بهم ثم رغم البول والدماء الغزيرة يعاودون القفز وسط الترعة

*******

كل شىء تم فى لمح البصر… صرخة قوية غطت على أصوات الزغاريد … أعقبها انفراج الباب المغلق … خرج العريس بعدها صارخا فى خيلاء :

ـ غسلت عارى

دخل الجميع لاستطلاع جلية الأمر … كانت العروس ممددة جثة هامدة على السرير عارية تماما … وعندما جاء الطبيب قال بعد فحصها موجها كلامه للعريس فى قرف :

ـ أيها الحمار .. غشاء البكارة سليم . فقد كان من النوع الغربالى

*******

عزم شقيقى على الانفصال عن العائلة .. بكته أمى طويلا  … وكنت رغم ذلك سعيدا فقد أضاف لمنزلنا منزل آخر … وقالت أمى :

ـ كان منزل العائلة لايحتوى إلا على ثلاث غرف . ولم يكن به كهرباء أو تلفزيون  .. وكنا نقطن أنا وأبوك فى غرفة .. وعمك وزوجته وولداه فى غرفة ثانية .. وفى الثالثة يقطن عمك الثانى مع زوجته .. أما جدك وجدتك فقد كانا يقيمان فى الصالة . وعندما كان يحضر لنا ضيوف كانت النساء تتجمع فى غرفة والرجال فى غرفة . وفى الغرفة الثالثة ينام الضيوف .. وكان منزل العائلة يمتلىء بالأرانب والعصافير والحمام

تصمت أمى وهى تنتحب .. أدقق النظر حولى ..

كل منا له منزله الخاص الذى يمتلىء بالأجهزة الكهربائية لكنه يخلو من العصافير والحمام .

*******

رباه ..

ماذا يحدث ؟

صورة القطار العملاق تأبى مفارقة مخيلتى ..

لونه أسود

من الضباب يخرج

الرأس التى تواجهه عنيدة .. تتمزق ألف رأس .. لاتأبه بألف قطار قادم .. تنزف دماء .. أحاول رغم كل شىء تمييزها .. لاأستطيع .. الوجه قريب من الذاكرة المجهدة . لكننى رغم ذلك مع الأسف لا أستطيع ..

*******

على عجل أرتدى ملابسى .. إلي مضيفة القرية  أتجه لحضور الندوة الطبية التى دعانى إليها وكيل وزارة الصحة .. امتلأت المضيفة عن آخرها بمئات الفلاحين .. تطايرت من أفواه الأطباء عشرات المصطلحات الطبية .. المراهقة .. سن الخطر .. عقدة الكترا ..الانفصام .. وفرويد .. عندما انتهت الندوة لم يكن هناك سواى أنا فقط والأطباء والسيد وكيل وزارة الصحة .

*******

ـ أحمد يابنى .. اصحي شوف فيه إيه بره

خرجت من المنزل رغم سواد الليل والبرودة والمطر … اتجهت الى مصدر نباح الكلاب … عشرات من الأهالى يتحلقون حول قطعة لحم عارية … الحبل السرى والدماء تؤكد أن الطفل خرج للحياة قريبا … واريناه التراب … وعاد كل منا إلي منزله وهو يحمل شرخا فى الصدر عميقا .

 *******

جدتى الحبيبة ذات المائة عام والفم المثرم تحتفل بعيد ميلادها اليوم ..

تحدثنا معها عن أطفال الأنابيب … والفيديو … والإنترنت … والكوكاكولا … وعصرنا المتقدم عن عصرهم السحيق .. ضحكت فى ثقة لاأعرف مصدرها وهى تقول :

ـ ولو ..

*******

صداع حاد يحتل مقدمة الرأس .. ورعشة شديدة تنتاب الجسد المرهق .. والقطار الأسود .. والضباب .. والوجه ذو الملامح الغائبة عن الذاكرة .. يبدو أنها هلوسات الحمى .. لذا لن أتمكن من مواصلة الكتابة اليوم .

*******

ـ ياأهالى السمارة .. السيد أبو مندور فى مستشفى المقاطعة ومحتاج كيس دم .. اللى عايز يتبرع له . العربية واقفة على المحطة رايحه المستشفى دلوقتى

وبعد دقائق كانت هناك ثلاث عربات فى طريقها إلي مستشفى المقاطعة .

*******

مات عبد الحميد المجذوب .. استراح أخيرا من متاعبه .. قطعة من طفولتى كان .. ما ان نراه قادما من نهاية الشارع بملابسه المرتقة المتسخة وطربوشه الأحمر . وأعلامه المزركشة وسبحته التى تلتف حول عنقه . حتى نهرع إليه ونكيل له عشرات الألفاظ والطوب .. ويستقبلنا بما معه من حلوى وثمار يخرجها من أسفل ملابسه .. فنلتف حوله كالفئران ونلتهم مامعه .. يضحك وهو يربت على الرؤوس الصغيرة .. نعود إلي منازلنا ونتركه فى الشارع وحيدا ..

 غيرتنا السنون وهو رغم الزمن لم يتغير .

*******

عزيزتى أسماء ..

هذه الرسائل التى تصلك منى كتبتها إليك . وبعضها وصلنى من أصدقاء . جزء من واقع أعيشه بين جدران المعتقل ..

*******

لا أذكر كيف كانت البداية

فقط أقدام ثقيلة

وبنادق ثم زنزانة

و ..

ـ معذرة يا أحمد بيه .. هؤلاء الأوباش ضلوا العنوان الصحيح لشخص آخر

ثم وهم يقدمون لى بعض الأوراق :

ـ وقع هنا يارجل ليتسنى لك العودة سريعا إلي منزلك

وأقرأ ..

” أنا الموقع أدناه ..

أعترف بالتهم الموجهة لى ..

حيث إنه ..

مقالات ..

تحقيقات ..

منشورات .. تمس أمن الدولة ..

قلب نظام الحكم …… “

ياخبر أسود ..

ماهذا الهراء ؟

لكمة قوية

وظلام دامس ..

*******

أحاول يا أسماء تذكر ماحدث .. لا أستطيع .. عقلى مجهد .. وجهى متورم. بعضى يأكل بعض .. والليالى الحالكة .. والزنزانة الرطبة .. والجوع .. والأمراض .. الرؤية أمامى مهتزة .. أتحسس وجهى .. يمتلىء بالهضاب العالية والمنخفضات الداكنة .. والدماء الجافة .. ورغم كل الأوجاع .. إلا أننى رغما عنى أفشل فى إزاحة هذا الكابوس المخيف عن ذهنى ويهاجمنى رغم كل مابى .. القطار مخيف ياعمرى .. والوجه قريب إلي النفس .. لكننى لاأعرف لمن هذه الملامح والسمات التى تعلوه .. ولماذا لا أرى سوى هذا الرأس الواقف أمامه فى عنفوان وإصرار ؟ .. وتتحطم إلي ألف ألف رأس .. كل منها رغم الدماء والألم .. تتحدى ألف ألف قطار قادم من بعيد .. أسود .. عملاق .. يخرج من بين الغيوم .. ووجه أبى من وسطها يخرج قائلا :

ـ حذرتك من التمادى فى هذا الطريق ياولدى

والسياط  تكوى الجسد الواهن .. وأنا .. .. أنا يا أسماء أفنى عن آخرى . ولايبقى منى سوى ذلك الوجع المتربع فى الأعماق .

*******

عزيزى / ……

شممت فى رسالتك الأخيرة ـ والتى وصلتنى مهترئة ـ ( لا شك إمعانا فى إخفائها بعيدا عن عيون إدارة السجن ) رائحة غير طبيعية ..

احترس ياولدى ولاداعى لأن تكفر بالوطن … وحاول أن تسأل نفسك وسط هذا السواد الذى تعيشه : من الذى يقدم لك وجبات الطعام السرية ؟ … من الذى يمنحك الماء ليلا حتى لاتموت عطشا ؟

ومن الذى يقوم بتهريب الدواء إليك ؟ … تأكد إن الله أبدا لن يتخلى عنك .. وسيخرج حتما الفجر من رحم الظلام .. مهما كانت شدة سواد الليل .. إنها ليست كلماتى أنا بل هى كلماتك التى جاءت فى إحدى قصصك التى كتبتها بعنوان ” من أوراق الصغير حنظلة ” والتى نجحت فى تهريبها عبر أصدقاء يندسون داخل السجن الذى تقبع فيه ونشرناها لك وقرأها ملايين من القراء … هل تذكرها أيها الأديب العزيز ؟ دعنى أعيد كتابتها لك حتى لاتغيب عنك أضواء فجرك القادم من بعيد   :

*******

إهداء :

 إلي ناجى العلى وكل الذين ينتظرون ـ مع الصغير حنظلة ـ إشراقة الفجر القادم من رحم الليل .

قصاصة أولى :

 يتهموننى دوما بالجنون لأننى أنتظرك .. فمتى تعود ياصاحبى ؟

فى السجن :

 تغلق الأذن عن كلماتهم وأصواتهم المشوهة

ـ لقد مات …. قتلناه ولن يعود

تموت خوفا وقلقا .. تغمض العين المتعبة داعيا الله أن يكون ماسمعته منهم مجرد كابوس ستفيق منه بعد قليل .. تصيخ السمع لترنيمة قادمة من الأفق البعيد .

 ” اهدأ قليلا ياصغيرى فالفجر سيولد ذات يوم ويخرج من رحم الليل رغم كل أسوار السجون…. “

قصاصة ثانية :

ستعود حتما ياصاحبى ؟ وعندها سترسمنى بفرشاتك  فوق كل الأوراق .. ونعبر معا كل الأسوار .. ونعود إلي الوطن الذى نشمه مع كل إطلالة فجرجديد .

ذكريات :

 وسألته ذات يوم :

ـ متى يرى الناس وجهى ؟

وأجابك لحظتها :

ـ عندما يأتى فجرنا القادم

ـ ومتى يأتى هذا الفجر القادم ؟

ـ يوم يعود الوطن إلي كل الغرباء مثلنا

ولمحت بين الأحداق دموعا وكلمات كثيرة ومرارة عالقة فى سقف الحلق .. وترك فرشاته جانبا وجلس متفكرا . فصرخت فيه محذرا :

ـ ويحك .. استكمل رسم يدى .

سكة سفر :

 الرصاص

القنابل

المخابىء

الحصار

الجثث

الدخان

الخيانة والهزيمة العربية

والانكسار

وضياع كل الأوطان

وقالت ضاربة الودع :

ـ سكة سفر .. وغيم أسود .. وأطفال .. ومقاليع .. وحجارة

لحظتها توسلت إليه أن يبقى .. لكنه ربت على رأسك الحليق وقال :

ـ إنه القدر ياصغيرى ولا مفر

وسألته باكيا :

ـ ومن سيرسمنى بعدك ؟

ـ سيرسمك ذلك القادم ذات يوم مع الفجر البعيد

وصاحوا فيك ساخرين :

ـ قتلناه ولن يعود

فتصرخ فيهم متحديا :

ـ وبرغم ذلك سأنتظر إشراقة الفجر القادم

قصاصة ثالثة :

وبرغم السياط .. والأسوار .. والأشواك .. وليل السجون .. ستعود حتما ياصاحبى .. وستجدنى طفلا كما تركتنى ينتظر فرشاتك الملائكية

وتنفخ فى جسدى من روحك لأنمو .. وأكبر

انتظار :

فوق الجسد الصغير تتحسس آثار سياطهم .. تحدق النظر فى السماء من خلف القضبان .. يصدمك الليل الأسود ومئات الغربان .. تسمع رغمها ترنيمة هاربة من خلف الأسوار . قادمة إلي مسامعك .. ..

” نم قريرا ياصغيرى .. فالفجر البعيد .. لم يعد بعيدا .. “

فتنام بعد سنوات العذاب والانتظار قريرا . منتظرا إشراقة الفجر القريب

(16)

تنفض عن الذاكرة سنوات الزمن الضائع .. للحظات تعود للحاضر ثم تغيب فى سنوات الغربة

ومن بلاد الغربة عدت محملا بأوجاع تنوء بحملها ..

وانتظر الأصدقاء فتح الحقائب المكدسة بالهدايا والمفاجآت .. وحققت لهم ما أرادوا .. ووحيدا بعد أن استأذنتهم متعللا بإرهاق السفر انتحيت جانبا فى أحد أركان غرفتك التى رفضت أمك فتحها لأحد أثناء سفرك ..

وجلست وتقيأت فوق أوراقك أحزانا لايعرفها أحد سواك ..

ولن تقولها أبدا لأحد .. فقط كتبتها فى قصتك “رحلة السندباد الأخيرة “

……….

ـ هنا يا أسطى لو سمحت

على مشارف القرية تتوقف السيارة .. يحدق السائق فى المرآة الأماميه مليا .. يرمقه بنظرة مليئة بمعانى الدهشة .. من المقعد الخلفى ينزلق الراكب على الأرض

تلتهم العين كل ماتقع عليه

الليل أسود

المنازل تغلفها كتل ضبابية

من بعيد يأتى صوت الكلاب

والبحر يجرى لم يتوقف للحظة رغم البعاد والوجع والحزن الدفين فى الأعماق .. والقلب يدق بعنف .. يفيق من غفلته على صوت السائق ..

يدس يديه داخل حقيبته الصغيرة .. يخرجها ببعض النقود ويمدها إليه .. يقلبها السائق فى سخرية قائلا :

ـ والدخان يامحترم ؟

يؤكد له أنهما لم يتفقا إلا على هذا المبلغ وأن الـ …..

يعاود السائق ضحكاته الساخرة ملوحا للحقائب المنتفخة من حوله :

ـ يظهر انك كنت مسافر من زمان ؟

يلتفت إلي السائق مستفهما

ـ ياسعادة البيه كل حاجة بقت نار .. وانت ماشاء الله .. اللهم لا حسد يعنى

تندس اليد المرتعشة مرة أخرى إلي الحقيبة الصغيرة هامسا

” حتى أنت يابروتاس ؟ ” ..

بعد قليل تخلفه السيارة فى قلب الظلام . متلفتا حوله . متحسسا طريقه فى وجل . لايدرى ماهو السبب الذى دفعه للتوقف فى هذا المكان بالذات رغم الحقائب الثقيلة والمسافة الطويلة التى تفصل بينه وبين المنزل ؟ أسفل ابطه يضع الحقيبة الصغيرة . بين يديه وفوق كتفيه يحمل حقائبه الأخرى … لأيام قادمة سوف يصير حديثا لأهل القرية ومصدرا لحسدهم وهو يوزع عليهم السجائر المارلبورو .. والابتسامات العريضة التى تحمل غموض الرحلة ومتعتها . ولياليها الحمراء .. سوف يجبرونه على الاعتراف بمغامراته مع نساء ( بلاد برة) .. وإذا حاول مجرد محاولة أن يؤكد لهم أنه لم …. فإنهم سوف يصدونه ويقرصونه فى جنبه وهم يغمزون ويتلامزون فى سخرية . ويتوسلون له أن يحكى . ويؤكدون له أن سره فى بير .. فيضطر إلي اختراع حكايات تروى جوعهم وعطشهم وحرمانهم .. ولن تمتد يد أحدهم إلي كتفيه لتمزق ماعليها من ملابس لتبصر جراحه التى لاتزال متقيحة من حمل جوالات الأسمنت والحديد والطوب  … ولن تنغرس عيونهم وأفكارهم فى صدره لتستكشف أوجاعه المدفونه فى الأعماق

فقط مغامراته

ولياليه الحمراء

وحقائبه المكدسة بالهدايا

وملابسه الأنيقة

ونظارته المذهبة

وجوز الطيب

والميرمية

وكافة الأعشاب المقوية للجنس

ـ مين هناك ؟

صرخة شقت سكون الليل .. أتى بعدها خفير القرية حاملا بندقيته الخشبية فوق كتفه اليسرى .. وعندما وصل إلي حيث يقف . حدق فى وجه القادم صائحا :

ـ مين ؟ .. سعادة البيه ؟ .. يا ألف ليله بيضة يا أولاد ..

تلتقى الأحضان .. وتطرقع القبلات فى الهواء .. وتتقافز كلمات التحية والأشواق . والعين النهمة تختلسان النظر إلي الحقائب المنتفخة .. فتندس الأصابع إلي جيب إحداها لتخرج علبة سجائر يلقى بها إلي الخفير الذى يتلقاها وهو يقلبها غير مصدق :

ـ وسجائر أجنبية كمان ؟ .. دى بلاد برة حلوة قوى

هه ! ..

حلوة ؟

“ـ اذهب ياهذا وتسول فى بلدك

كان يمسح عن الوجه كل يوم آلاف الشتائم

ـ أى أجر تريده أيها المصرى بعدما قدمته لك من طعام ؟

ويدور فى الشوارع حائرا .. “

واستأذنه الخفير للاطمئنان على الأمن فى القرية ..

وفى بلاد برة لم يشعر بالأمان أسفل شمس الظهيرة ..

وفى ليل قريته الأسود يشعر بكل الأمان

ـ الحقنى يابيه

من بين ظلام الليل خرجت منكوشة الشعر .. لطخت الأصباغ كل وجهها .. الذعر بين الأحداق يبدو واضحا .. الأنفاس محترقة .. خوف .. وقلق وتوتر ونظرات مرتعدة من قادم مجهول .. اختفت خلف ظهره .. أحاطته بذراعيها صارخة :

ـ أنا فى عرضك يابيه

والعرض هناك . كان مثل الطول .. والليل كان طويلا ..

ـ أنا بريئة .. والله العظيم بريئة

والبراءة كانت هناك لاتعنى مجرد الاعتذار لابن البلد الذى هو صاحب الحق دوما .. بل يجب أن يصاحبها استسلام لرغبته وقرار بالترحيل فورا ومغادرة البلاد . بعد التنازل عن كل المستحقات ..

ـ احمينى الله يخليك

وقبل أن يلتفت إليها مستفسرا عما حدث اخترق سواد الليل شبحان عريضان .. يقبضان على بنادق أشد غلظة .. يتطاير من عينيهما شررا يعرفه جيدا .. ويحسه .. و .. قصدوها دون أن يتفوها بأية كلمة .. وسحبوها مثل الذبيحة إلي السواد والمجهول

ـ فى عرضك يابيه .. احمينى

ولم يستطع حماية نفسه عندما انهالوا عليه ركلا لأنه تجرأ وطالب بحقه وحق بقية العمال المصريين هناك .. وعندما دق باب السفارة المصرية هو ومن معه قالوا لهم ..

ـ غدا أو بعد غد ينتهى السفير من إعداد مراسم حفل أعده بمناسبة مرور عشر سنوات على بدء تطبيع العلاقات بين هذا البلد العربى ومصر ..

وعاد الخفير يشق الظلام بصوته الجهورى .. وسأله :

ـ مروا من هنا ولاشك ؟

ولم ينتظر الإجابة بل عاد يقول :

ـ كانت الليلة دخلتها .. العريس وجدها اللهم احفظنا واستر على ولايانا

شعر بغصة تملأ الحلق اليابس

المنازل بالمسلح

الفيديو فى المقاهى والمنازل

والدش

والخبز من الفرن الأفرنجى

والسهرة الصباحى حول الأفلام الممنوعة

و .. هو كان ممنوعا من دخول الصحف فى بلاد برة

ـ حتى الصحف تريدون احتلالها ؟

وقال له رئيس التحرير :

ـ كتاباتك صدقنى جيدة .. ونحن فى أمس الحاجه إليها .. لكن ما باليد حيلة

وعندما استفسر عن السبب أجابه :

ـ إنها أوامر عليا

ويتساءل :

ـ والإعلام الذى ينشد لروح الترابط والإخوة بين البلدين ؟

وضحك الرجل وقال فى ألم :

ـ لازلت صغيرا ياولدى وستفهم الواقع ذات يوم

ويخرج فى ذهول ……

ـ أنا بريئة .. والله العظيم بريئة

سيقتلونها الليلة .. والوفاة فى تقرير طبيب الوحدة الصحية ستكون طبيعية … أما العمدة كتر خيره فلن يقوم بإبلاغ المركز فهو أيضا مقتنع بأن العار لايمحوه إلا الدم … وكانت الدماء تنزف من كتفيه وهو يحمل فوقها الطوب والأسمنت … وكانت الملابس متسخة   والشوارب واللحى كثة … والعيون غائرة … والعروق من شدة الإرهاق والجوع نافرة … ومع عشرة آخرين كان يقيم فى غرفة واحدة … ودخان الجوزة والسجائر والأنفاس المحترقة … والنوافذ مغلقة خشية هجوم الشرطة عليهم

والجوع

والعرق

والمرض

والليالى السوداء

والذكريات التى تأبى مفارقة مخيلته

ـ ابنتى لن تتزوج إلا ممن يسعدها

والسعادة هى الغرفة البلاكار .. والانتريه المودرن .. والسفرة .. والثلاجة .. والفيديو .. و .. سافر ..

وتزوجت هى من شخص يسعدها بما حمله لها من هدايا وعطايا

يمسح دموعا ملتهبة حفرت طريقها فوق الخد الساخن .. يشق شوارع القرية .. يتوجه إلي منزله .. يدق القلب فى عنف مع دقاته على الباب .. يطالعه وجه أمه من خلفه

ـ ابنى

تحتضنه بقوة

تذوب ملامحه بين ذراعيها

تختلط الكلمات بالنحيب بالقبلات

يتخلص من يديها برفق

يفتح حقيبته الصغيرة

يخرج منها عشرات الدولارات

يلقيها على الأرض بقرف

يخرج جواز السفر

يمسكه فى ضيق

يمزقه بإصرار

وبينما أخذت الأوراق تتساقط من حوله

غرس رأسه فى صدر أمه وأجهش بالبكاء

(17)

وقبل أن تنتهى من قراءة أوراقك ويومياتك وقصصك ورسائل هدتها ليالى السفر والترحال  يطالعك وجه عادل رياض كالشبح من قلب الظلمة راسما فوق شفتيه ابتسامة شيطانية ذات مغزى لم تسترح إليها .. تنقضى اللحظات عقارب مسمومة فى نهايتها كان لابد من الانصياع لرغبة كان يخطط لها عندما علم بوصولك للسمارة .. يصاحبك شعور بالخزى . كأنك امرأة اغتصبوها على مرأى ومسمع من الجميع ……

(18)

حولك وحول عادل رياض يلتف الأهالى غير مصدقين …. تصدمك مئات الهتافات

وحبيبكم مين .. عادل بيه

أهلا .. أهلا عادل بيه

يا أهلى وعشيرتى أبناء قرية السمارة

 أعدكم بعد نجاحى فى الانتخابات أن …

وسوف ……

تصفيق

هتافات

أغانى ..

وتراتيل

ياأبو العلمين مدد

يارئيسة الديوان مدد

وسوف أشيد لكم خمسة مساجد دفعة واحدة

” …….. أيها الوغد إذا كنت لاتعرف الصلاة ولم ترتاد مسجدا طيلة عمرك فكيف ؟ .. “

آلاف العيون تخترق جلدك ..

يتفصد العرق غزيرا .

تشعر بالذوبان والتلاشى .. سامحينى يا أسماء فالتيار كان هذه المرة عنيفا

ـ أرجوك يابنى اذهب معه إنه وحش وبإمكانه تنفيذ تهديده ضدك

 تحاول أن تعترض .. تصرخ فيك أمك :

ـ سيرك مع عادل رياض الليلة فى حملته الانتخابية لن يضيرك كثيرا

ـ والناس يا أمى ؟ .. وضميرى ؟

ـ سيعرف الناس الحقيقة ذات يوم . فقط أرجوك اذهب الآن معه . حتى لايلفق لك تهمة قتل أسماء خاصة وأنه أطلعك على صور ورسائل خاصة بكما معا . وشريط مسجل عليه أسرار لم يعرفها أحد من قبل .. ويعرف أيضا أنك ..

 تغلق أذنيك حتى لاتسمع بقية حديث أمك

رباه كيف تتحول المشاعر . وأسرارنا الخاصة إلى تجارة تخضع للمساومات ؟

أى زمن نعيشه ياربى ؟

وأى ألم يقبع مستكينا فى الأعماق ؟

وأنا يا أسماء وحيدا رغم مئات الناس والزحام والطريق .. ولا أعرف لمن هذا الوجه الذى يرتسم فى مقدمة هذا الرأس الذى يقف فى مواجهة هذا القطار .. ؟

 لا أعرف صدقينى وأحاول

……….

أحاول يا أسماء …

………

أحاول

……….

” طاخ “

ياساتر يارب

فيه إيه ؟

ماذاحدث ؟

خطوات ..

زحام ..

كتل بشرية هائمة على وجهها

يا الله مابالهم هكذا يندفعون ؟

وما بال هذا الجسد ملتهبا

ـ أحمد أفندى

ـ أحمد يابنى

ـ إسعاف يا إخوانا الجدع بيموت ..

ـ استرها يارب

ـ الست أسماء وأحمد أفندى فى ليلة المولد ؟

ـ إيه اللى بيحصل للسمارة ياعالم ؟

ـ حرام والله العظيم

” ….. أنت ورم خبيث يجب أن نخلص الناس منه

………. وكانت المظاهرات مدوية

مين ياناس ياكلها مين . دى اللحمه بمية وتسعين

واللحمة اليوم غالية إلا لحم البشر ولا أحد يستطيع الاعتراض

يا إلهى نمل يزحف فوق الصدر

والقطار الأسود أراه لأول مرة وأنا مستيقظ

قادما وسط الزحام والناس

يندفع  ولاتستطيع الكتل البشرية أن تصده

يتجه نحو هدفا يعرفه ..

والرأس عنيدة ..

والوجه يا أسماء أحاول تمييزه ..

وأنا متعب وأشعر بالإرهاق ..

ووجه عادل رياض يقف وسط الدائرة التى تحيط بهذا الجسد المسجى

أسماء يارب السموات هذه أنت أخيرا ..

لماذا خدعنى الجميع وقالوا أنك ..

حمدا لله أن الأمر كان بمثابة خدعة ولم يكن حقيقه ..

آه يجب أن أنهض الآن فلدى أشياء كثيرة أود أن أسر بها إليك .

وهذه المرة لن يتمكن عادل رياض من رصد كل ما أود قوله لك

ـ الإسعاف اتأخر ياعالم والجدع يهذى

وكنا نحلم يا أسماء بمنزل صغير يأوينا معا .

وأطفال .

وصفصافة شامخة لاتأبه بالعواصف ..

والحلم رغم بساطته كان بعيدا ..

لكن هاأنذا ألمس السماء بيدى .. والجميع لايعرفون أن الإسعاف لابد أن يتأخر ليتم كل شىء كما تم التخطيط له ..

لكننى سأكشف كل شىء

و ..

رباه لماذا تنحبس الكلمات فى فمى هكذا ؟

و ..

ياالله .. الجسد يخفت رويدا

أسماء إننى ..

إننى أموت

……….

ـ سترحل إذن ياشاطر غريب ؟

ـ وهل يملك مثلى غير الرحيل بديل ؟

ـ خبرنى بربك متى ستكف عن الرحيل ؟

ـ عندما يكفون عن مطاردتى فوق الأوراق .. وعن تفتيش عقلى عن حلم هارب من سياطهم

……….

هزمونا يا أسماء

قتلونا فى ليلة واحدة

والقطار أسود عملاق

والرأس فى المواجهة

والرصاصة استقرت فى الصدر

والوجه الذى يرتسم فى مقدمة هذا الرأس أشعر بأننى أعرفه

وأنا متعب

والرحلة كانت قاسية

والدائرة من حولى تكبر

وصرخات أمى تأتينى من بعيد :

ـ قتلوك يا أحمد .. قتلوك ياكبد أمك

 والسماء تقترب

والرأس ينشطر أسفل عجلات القطار لألف ألف رأس

وكل منها يقف فى مواجهة قطار آخر

كل منها لها وجه

الوجه أشعر بأننى أعرفه

نعم أعرفه

هذا الوجه له نفس عينى

له نفس أنفى

وفمى

هذا الوجه يا أسماء وجهى

والرأس أيضا رأسى

رباه هل كان يجب أن أدفع عمرى ثمنا لاكتشاف هذه الحقيقة

وأنا وسط هذا المولد ؟

إنتهت

عن المؤلف

ـ الدكتور أحمد عبد الهادى

ـ رئيس حزب شباب مصر

ـ رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر

ـ من مواليد محافظة الدقهلية

ـ حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة المنصورة

ـ دراسات عليا فى مجال العلوم التربوية من جامعة المنصورة

ـ حاصل على الدكتوراة الفخرية لتميز أبحاثه ودراساته فى مجال شئون حركات الإسلام السياسى فى مصر وتميزه وريادته فى مجال الصحافة الإلكترونية

ـ عضو نقابة الصحفيين المصريين

ـ عضو إتحاد الصحفيين العرب

ـ عضو منظمة الصحفيين العالمية

ـ السيرة الذاتية فى المجال السياسى :

ـ إنضم لغالبية الأحزاب المصرية منذ دراسته الجامعية بحثا عن حزب يهتم بجيل ثورة الإنترنت وكان له فيها دورا غير عاديا لكنه تركها جميعا عندما لم يجد فيها الأهداف التى يبحث عنها .

ـ أحدث إنقلاب غير عادى فى كل الأحزاب التى إنضم لها وضم لها آلاف العضويات وأشرف على عشرات المؤتمرات الجماهيرية داخلها

ـ لم يقتنع بفكر كل الأحزاب على الساحة لأنه وحسبما ذكر لم تعبر عن فكر وحلم الجيل الجديد فى مصر فتركها إلى غير عودة

ـ أسس تجربة منتدى شباب الغد الذى إستضاف عشرات من رموز السياسة وآثار الكثير من الجدل بما فجره من قضايا داخله .

ـ أسس وساهم فى تأسيس عدد كبير من اللجان الشعبية السياسية فى مصر وتركها هى الأخرى بسبب رفضه لصراعات وجدل النخبة داخلها

ـ أسس تجربة حزب شباب مصر الذى جعل برنامجه هو نفس برنامج جيل الإنترنت وثورته على الساحة المصرية والعربية والدولية وجعل حزب شباب مصر معبرا عن أحلام وفكر وتوجهات هذا الجيل .

ـ يعتبر رئيس الحزب السياسى الوحيد الذى تجول فى كل قرى ونجوع مصر وإلتقى بالملايين من المصريين والشباب فى كل محافظات مصر .

ـ السيرة الصحفية :

ـ يمارس الكتابة الصحفية منذ طفولته

ـ أصدر العديد من المجلات والصحف منذ صغره والتى أحدثت ضجة فى الأماكن التى نشرها فيها

ـ عمل مراسلا لغالبية الصحف العربية والدولية

ـ رئيس تحرير وكالة (كايرو برس ) للإعلام والتى أسسها خلال الفترة (1998 ـ 2005م) وعمل بها حوالى مائتى صحفى .

ـ رئيسا لمجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر الأسبوعية الورقية التى أصدرها حزب شباب مصر خلال الفترة من بداية عام 2006م حتى منتصف عام 2011م والتى عمل بها أكثر من 300 صحفى وحصل 35 صحفى منهم على عضوية نقابة الصحفيين

ـ رئيسا لتحرير عدد من الصحف الإلكترونية التى كان يعمل بها عدد كبير من الصحفيين فى كل أنحاء العالم

ـ عضو المجلس الأعلى للصحافة (2005م ـ 2011م)

ـ السيرة الذاتية فى مجال الصحافة الإلكترونية :

ـ كان له إهتمام خاص بالصحافة الإلكترونية منذ منتصف التسعينيات فى وقت لم يكن العالم بأثره يهتم بهذا المجال وله أبحاث ودراسات وكتابات عديدة فى مجال الصحافة الإلكترونية

ـ أسس جريدة شباب مصر الإلكترونية اليومية والتى تعتبر أول جريدة إلكترونية يومية فى مصر والتى لاتزال تصدر على الإنترنت ويكتب فيها مئات من الكتاب العرب من كل أنحاء العالم www.shbabmisr.com

ـ أسس وحدة الصحافة الإلكترونية بنقابة الصحفيين عام 2000م والتى تولى رئاستها ومن خلالها كان يتم مناقشة مستقبل الصحافة الإلكترونية والتى تعد أول منظومة رسمية فى العالم تهتم بمجال الصحافة الإلكترونية وتم من خلالها عقد عدد كبير من المؤتمرات التى تبحث فى قضايا الإعلام الإلكترونى فى وقت لم ينتبه العالم بأثره لهذا النوع من الصحافة الإلكترونية .

ـ قاد مبادرة مصرية وعربية ودولية لتأسيس الإتحاد الدولى للصحافة الإلكترونية والذى تولى رئاسته خلال الفترة (2000 ـ 2005م) والذى ضم فى عضويته أكثر من 300 ألف صحفى من كل أنحاء العالم .

ـ وضع برنامج حزب شباب مصر الذى يقوم على أساس تبنى دور فاعل للأجيال الجديدة التى أطلق عليها جيل الصداقات عابرة للقارات وهو جيل الإنترنت وأكد برنامج حزب شباب مصر أن هذا الجيل سيتمرد على كل الحكومات فى العالم مالم يقترب الجميع من قضاياه ومشاكله وهو أمر تحقق بعدها فى دول الربيع العربى والكثير من دول العالم .

ـ تم إستضافته فى غالبية وسائل الإعلام الدولية للتحدث عن الصحافة الإلكترونية ومستقبلها فى العالم فى وقت لم يكن العالم قد إنتبه فيه لهذا النوع من الصحافة

ـ نظم الكثير من المؤتمرات وورش العمل فى مجال الصحافة الإلكترونية وإستضاف خلالها خبراء ورموز العمل فى مجال النشر الإلكترونى

ـ إصدارات الكتب :

ـ أصدر العديد من الكتب فى مجال السياسة والصحافة والأدب والفكر المجتمعى المصرى

ـ تم إختيار كتابه (إنقلاب فى بلاط صاحبة الجلالة ) كواحد من أهم مائة كتاب أحدثت ردود أفعال غير عادية على الساحة وتم مناقشته فى العديد من المعارض والمنتديات الثقافية الدولية والمصرية وشارك فى مناقشته رموز صحفية وثقافية وسياسية .

ـ صدر له مجموعة قصصية بعنوان ( أطفال وقتلة ) والتى أحدثت ضجة كبيرة وناقشها رموز السياسة والأدب فى مصر من خلال الندوات والمنتديات الثقافية والسياسية والأدبية .

ـ له تحت الطبع عشرات الكتب فى مجالات الأدب والسياسة والثقافة .

ـ بيانات التواصل مع المؤلف :

ـ هاتف خاص

01228448700

ـ فاكس

25087884

ـ بريد إلكترونى

ahmed@shbabmisr.com

ـ الصفحة الشخصية على الفيس بوك

 www.facebook.com/ dr.ahmedabdelhady

ـ الصفحة الشخصية على تويتر

www.twitter.com/shbabmisrleader

(1)

وحيدا تقبع بين جدران غرفتك .. تلتهم العين المتعبة كل مافيها … المكتب .. الأوراق … الأقلام .. اللوحات المهملة فوق الحيطان … المكتبة .. الأزهار الإسفنجية …. منفضة السجائر .. شرائط الكاسيت .. والغبار … ورائحة الخمول … تسأل النفس فى حيرة .. لماذا فقد كل شىء معناه ؟ تخلع نظارتك للحظات تمسح خلالها عينيك المتورمتين علك ترى الأشياء كما كانت … لكنك تنسى أن كل شىء لم يعد كما كان … فلن تشعر بطعم موسيقى مونامور . التى تذوب فيها عشقا . وهى تتسرب أسفل الجلد مدغدغة كل حواسك منسابة فى ملائكية . محلقة بك بين السحب لترقب من فوقها ليل قريتك الهادىء .. ولن تجلس أنت وأطفال العائلة حول المدفأة فى ليالى الشتاء مستمرئا دفئها الذى يجعل الخدر يسرى فى جسدك بنعومة لتحكى لك جدتك حدوتة الشاطر غريب وهو يقطع آلاف الأميال فوق جواده الأبيض  حاملا سيفه اللامع باحثا عن ست الحسن والجمال وعن زمن آخر أكثر أمان .. ولن تستطيع الهروب من المنزل خلسة متجها إلى الترعة لتجد أسماء فى انتظارك هناك عند الصفصافة لتسبحا معا وتتعلقا كعصفورين صغيرين بأغصان شجرة الصفصاف..

الليل أسود .. الشوارع تمتلأ بالغرباء … الليلة كل سنة وأنت طيب مولد الطاهرة الشيخة سلمى … تحدق النظر فى خيوط العنكبوت التى احتلت أركان غرفتك … يتراءى لك القطار العملاق آتيا من بعيد … أسود كالشبح … يخترق سحب ضبابية كثيفة … وقطعة بشرية عارية .. لايد لها أو قدم … كلها رأس كبير.. لها عين وفم وأنف وأذن .. تقف أمام القطار … لاتأبه بصفيره أو بالموت الزاحف أسفل عجلاته … يمر من فوقها … يخلفها ألف قطعة أخرى حية .. تنزف دماء غزيرة .. تتألم .. وتقف كلها أمام ألف قطار قادم عملاق يخترق سحب ضبابية … والقطع الحية لايد لها أو قدم .. كلها رأس .. لها عين وفم وأذن … تحدق فى تلك القطعة .. تفتش بين رفوف الذاكرة المغبرة محاولا البحث بين جنباتها عن ذلك المكان الذى التقيت فيه بذلك الوجه المرسوم لتلك القطعة البشرية … لكنك تتوه بين جحافل الزمن وتضيع كالثوانى بين السنين

والمحقق صرخ فى وجهك فى تشف :

ـ لافائدة من الإنكار فقد ألقينا القبض على كل مجموعتك

……….

تحاول القبض على اللحظات الراهنة حتى لاينفلت منك العقل غارقا فى ربوع الماضى .. لكنك أبدا لاتستطيع … تحاول إبعاد أشباح قادمة من بعيد وصور متداخلة . مدققا السمع فى أصوات الميكرفونات الآتية إليك من المولد ..

ياشيخة سلمى مدد

ياسيدى على مدد

يارئيسة الديوان نظرة

وفى الصمت لازلت غارقا .. لكن تفكيرك أبدا كان هناك .. فى أعماق الماضي البعيد

……….

ـ اقرأ لى قصتك الأخيرة

ـ هبينى قبلة الحياة

ـ يالك من طفل غرير

ـ إنها بعنوان ” دموع رجل “

ـ دموع مرة أخرى يالى من تعسه

ـ ” شعر بوحشة تنتابه وهو يدور بين أركان المنزل حائرا .كل شىء يذكره بها .. صورها … ملابسها  … عطرها … من صورتها الموضوعة فوق خوان جانبى اقترب .. بين يديه احتضنها .. من صدره قربها .. ضمها إليه .. تساقطت دموعه فوق إطارها الفضى .. اختلطت دموعه بوجهها .. وبكت هى الأخرى معه . “

وبعد أن انتهيت من قراءة قصتك شعرت ببريق العين السوداء ينطفىء … وعندما سألتها عن السبب أجابتك :

ـ لازلت رغم وجودك بين أحضاني تشعر بالغربة

…….. وكنتما تلعبان عريس وعروسة . وزفكما الأطفال . وعلى شاطىء الترعة أسفل شجرة الصفصاف خلعتما ملابسكما . ووسط المياه سبحتما معا .. وقالت لك :

ـ أريد الغوص للأعماق فربما عثرنا على منزلنا الكبير

وحاولتما … وخرجتما مرة أخرى … انطرح الجسدان الصغيران على الطريق … هى تبكى وتتقيأ ماشربته من مياه … وأنت تزيل ماتعلق على رأسها من طين . وطمأنتها إلى أنكما ستصلان لمنزلكما الكبير الذى تحلمان به .. فقط يأتي الحفار ويزيل الطين الموجود فى أعماق الترعة فى العام القادم

لازلت غارقا فى صمتك ..

تستمع إلى همسات الجيران

ـ ابنك محسود

ـ مفيش غير الشيخة كريمة تعمل له حجابا

تتمنى أن يشفيك حجابها من الألم القابع فى الأعماق .. تتأوه من شدة الوجع صارخا دون أن يسمعك أحد

“رباه لماذا يتحطم فينا كل شىء جميل ؟ “

ـ قصصك ثورية وفى هذا دليل ادانة ضدك

وقبل أن تستقل السيارة مودعا أرض السمارة جاءتك رسالة أسماء

كانت سطورها مرتعشة . ولهيب الأنفاس المحترقة ينبع منها

” أحمد .. سأنتظرك حتى آخر العمر “

……….

وفى نويبع كان طابور الهاربين من الوطن طويلا.. أطول مما كنت تتخيل .. ولم يكن معك سوى حقيبة لم تكن ملكا لك .. بها قلم يتيم وحفنة أوراق قمت بتهريبها من عيون أبيك .. والكثير من أحزان الشاطر غريب .. وقطار أسود عملاق يمزق رأس بشرية حية .. لامعالم لها سوى أنها رأس كبير .. تقف أمامه وتتمزق لألف ألف قطعة .. وتعود للوقوف من جديد فى وجه ألف قطار آخر .. ولاتعرف لمن هذه الملامح الموجودة فى ذلك الوجه الموضوع فى ذلك الرأس .. مع أنك كنت مستعدا ـ ولازلت ـ لأن تدفع نصف عمرك لتعرف ..

……….

ومعك فى رحلتك كنت تحمل هزيمة خفية ..

……….

وصرخ المحقق فى وجهك محتدا وجسدك معلق فى سقف الزنزانة :

ـ لماذا لاتتأوه أسفل السياط أيها الوغد ؟

(2)

تجفف العرق المنحدر فوق وجهك  … ترتدى النظارة … وبعد سنوات من الانتظار تنهض من خلف المكتب .. تتقدم خطوات ناحية الباب …. تفتحه … تقتحم الغرفة أصوات الميكرفونات القادمة من المولد وصفعات هواء رطبة كنت تعشقها فى ليالى الأجازات الصيفية بعد شهور الدراسة فى المنصورة .. يطل الليل الأسود عليك  … تحدق فى نجوم القرية كأنك تراها لأول مرة … ترقبها مذهولا وأنت ترى القطار القادم من بعيد يمزق القطعة الحية لألف ألف قطعة .. ولاتعرف لمن هذه الملامح سوى أن لها فم وأنف … وكانت أنف أسماء تنزف دماء غزيرة بعد أن فقدت توازنها وسقطت وهى تلعب فوق شجرة الصفصاف على الأرض .. ودونما تفكير خلعت جلبابك وأخذت تجفف دماءها .. وفى نهاية اليوم كان نصيبك علقة ساخنة لأنك لم تعترف لأمك بمصدر هذه الدماء التى لطخت ثوبك ..

تغلق الباب خلفك … تخطو ناحية الشارع  …. فى حذر تشق سواد الليل … الشارع مظلم .. أضواء الأعمدة خافتة .. المدرسة الابتدائية على اليسار منك ..  مغلقة هى منذ سنوات .. أصبحت آيلة للسـقوط .. تحدق النظر فى الفناء والفصول .. يتراءى لك طفل الأمس وهو يعبث بين جنباتها ….

هنا كنت تلهو مع أترابك

وهنا كنت تلعب الحجلة

وهناك كنت تختفى مع أسماء بعيدا عن عيون الأطفال لتعطيها نصيبك من الطعام … وهنا ضربكما معلم الحساب لأنه ضبطكما تجلسان ملتصقين … وفى هذا المكتب المغلق طرقعت عصا حضرة الناظر فوق جسدك . لأنك لم تسمع الكلام وتعرض عن كتابة هذه الخزعبلات التى تزعم انها قصص

وهنا ..

وهنا ..

وأصبحت مدرستك آيلة للسقوط ..

………

وسقط الحزن دفينا فى الأعماق خشية رؤية زبانية السجن له فيهرولون للأسياد ليبشروهم بالنبأ العظيم .. لكن الحزن استفحل مثل السرطان حتى نهش كل جسدك عندما تحركت ” العبارة ” من نويبع  .. لحظتها قفز قلبك إلى حلقك مضطربا .. فأخرجت أوراقك وتقيأت آلامك فوق السطور ..

” أشعر بأن قطعة من جسدى تنفصل عنى يا أسماء .. “..

والشاطر غريب شعر بوحدة وألم فخرج من كتاب الحواديت مضحيا بعرشه وقصره وودع حاشيته ورعيته .. وامتطى جواده الأبيض وبدأ رحلته .

(3)

ـ أحمد أفندى ؟ .. معقولة .. ازيك يابنى

تطرقع السلامات . وتتطاير كلمات الأشواق والتحية

ـ كنا نتابع أخبارك الصحفية وقصصك فى اهتمام

تستأذنه محاولا الهروب من الهوة التى يدفعك إليها دون قصد ..

ودون قصد قررت اقتحام الدرجة الأولى فى ” العبارة “

كانت الشمس حامية  تشوى أجسادكم فى الدرجة الثالثة

ولايوجد سوى سماء زرقاء ومياه أشد زرقة

وجوع ينهش البطون

ووجوه مصفرة

ممصوصة

وقلق يكسى الوجوه المتعبة

وفى الدرجة الأولى خدرك الهواء البارد المنبعث من التكييف .. وموسيقى الديسكو الصادرة من كل مكان .. ورائحة الشواء تفوح فى المكان .. ووسط حلقة من ركاب الدرجة الأولى كانت قنبلة مصر الذرية ترقص على صوت التصفيق .. وعناوين الصحف تتراقص أمام عينيك ..

زلزال يضرب أنحاء مصر

الدول الشقيقة تسارع بالتبرعات

ديون مصر تتزايد

حادث بشع فى العتبة ..

مجموعة من الشباب يعتدون على فتاة أمام المارة

صرف خيام إيواء لمنكوبي الزلزال

مأدبة عشاء احتفالا بعيد الثورة المجيدة

فوز فيفي عبده بجائزة أحسن ممثلة لهذا العام

هروب بعض رجال الأعمال بمليارات الجنيهات

انهيار أسعار الجنيه المصرى

ارتفاع معدلات الفقر فى مصر

……….

وأقلك الأتوبيس من العقبة إلى عمان .. كانت الصحراء عريضة .. وكنت كحبة رمل تائهة فى قلب الجبال والدموع متحجرة فى العين المرهقة والفراغ ورائحة الموت والوحدة

والفقر

والقلم اليتيم

والأوراق

وأسماء

كنت متعبا وفى حاجة إلى النوم .. وندمت لأنك لم تنصاع ذات ليلة لأوامر جدتك وهى تتوسل إليك لكى تنام . لكنك كنت دوما تتمرد عليها وتطلب منها أن تحكى لك حدوتة جديدة عن الشاطر غريب .. فتحاول التخلص من إلحاحك .. لكنك أبدا تأبى الانصياع بسهولة لرغبتها .

” كان ياما كان .. فى سالف العصر والأوان .. كان فيه فارس جميل اسمه الشاطر غريب .. سجنوه ظلما تحت الأرض وهو فى طريقه للبحث عن ست الحسن والجمال .. الشاطر غريب لم ييأس .. ولم يحزن .. وأخذ يشق طريقا للنور والحرية .. ” ..

وبعد أن تنتهى من حكايتها تنظر إليك وأنت هامد الحركة بعد أن خطفك ملاك النوم … تعدل النظارة فوق أرنبة أنفك . تقف مكتوف الخطى أمام أضواء المولد … مثلما وقفت أمام سياطهم وهى تكوى جسدك .. وسألت النفس فى حيرة :

ـ من أى عالم استمدوا هذه الوحشية ؟ ..

ورغم تورم أصابعك أمسكت بقلمك وكتبت إلى أسماء ..

 ” اعذريني لرداءة خطى يا أسماء .. فالمراقبة على قدم وساق .. ولو ضبطونى وأنا أخط رسالتى إليك لما ترددوا فى قتلى .”

(4)

تفيق من ذكرياتك على أصوات الأغانى والتراتيل والحواة وهم يستعرضون ألعابهم

قرب

صندوق الدنيا

حلو ياعرقسوس

إنها فرصة لكى ينشغل البال عن أوجاعه ..

و……

كنت صغيرا لاتزل .. وكان خالك حزينا .. لحيتة طويلة .. شعره مغبر .. وشاربه كث .. وعيونة زائغة .. غائرة .. وكان قادما للتو من معسكر عتليت الإسرائيلي .. كان الوجه به فتحة أسفل الأنف منفرجة عن آخرها ليؤكد سعادته للجميع .. لكنك كنت تقرأ فى عينيه شيئا آخر لم تستطع تحديد كنهه إلا عندما انزلقت من فوق السرير ذات ليلة متوجها إلى الزير بمفردك .. وسمعت نحيب مكتوم فى الصالة

كان يبكى بحرقة .. واستحلفك ألاتخبرأحدا بما سمعت

وتمنيت أن تسأله لماذا ؟

وتمنيت أيضا أن تهطل من عينيك مياه مالحة مثل تلك التى كانت تهطل من عينيه .. ولما لم تستطع . سجلت أمنيتك فى قصص كثيرة وجعلت الشاطر غريب يتمنى البكاء بعد أن يلقى برأسه فوق صدر ست الحسن والجمال التى ضحى بعرشه وصولجانه فى سبيلها .  وخرج من كتاب الحواديت بحثا عنها ..

وفى سبيل المستقبل كانت عصا أبوك تنهال عليك كلما ضبطك وأنت تمارس الأدب سرا … ولم تكن تدرك أنه يعدك للمستقبل على أحسن ماتكون . فقد انهالت عليك عشرات السياط ومئات الأحذية التى أجبروك على لعقها وأنت تبتسم .. وأبيت الانصياع لما يرغبون .. وكانت النتيجة المزيد من السياط .

ـ طول عمرك يا أحمد يابنى دماغك ناشفة

هكذا كانت تقول لك أمك .. وكانت تتوسل إليك أن تترك الصحافة والكتابة وتعيش حياتك زى بقية خلق الله ..

(5)

ومع خلق الله وقفت حول الحاوى الذى خلع سترته .. وابنه يصيح وهو يشعل النيران فى حلقة حديدية أحيطت بعشرات الخناجر:

ـ النمرة الأولى التى سنقدمها الآن هى القفز من هذه الحلقة

ويتراجع الحاوى للخلف

يمد يديه أمامه

يهرول ناحية الحلقة الحديدية المحاطة بعشرات الخناجر

تتأجج النيران عالية

تتكسر الأظافر

تتطاير فى الهواء

الأفواه مقلوبة

النشوى والمتعة والإحساس بعدم التصديق

وأقدام الحاوى رفيعة

والوجه معروق

انحراف بسيط كفيل بالقضاء عليه

ماذا لو؟ ….

عندها ستحدث الكارثة

……….

ـ هيه .. ماذا لديك من قصص جديدة ؟

ـ ” لاعب السيرك “

ـ حسنا اقرأها بسرعة

……….

ـ ماهذا الهراء ؟

ـ القصة الجديدة ياسيدى

ـ طظ .. لن ننشرها

ـ والسبب ؟

ـ يابنى .. القارىء ليس فى حاجة للمزيد من الأوجاع .. إنه يريد التسلية .. التخفيف عن أوجاعه ببعض البهارات . والتوابل .. والإثارة . والجنس

“…. أيتها الأفاعى من خول لكم التحدث باسم القراء ؟ … “

(6)

ـ والآن جاء دور النمرة الثانية

على حلقة المتفرجين يدور الحاوى ممسكا بين يديه جراب أسود

ـ انظروا لهذا الجراب .. سيخرج منه كتكوت صغير .. الكتكوت سيكبر بسرعة ويصبح مثل الفيل . ويبيض بيضة صغيرة .. البيضة سيخرج منها ثعبان .. الثعبان سيطير ويتجه إلى الكتكوت . وسيأكله . وسيعود مرة أخرى إلى الجراب ويدخل فيه ….

يصمت الحاوى للحظات ريثما يلتقط أنفاسه ويستطرد قائلا :

ـ وإلى أن يخرج الكتكوت من الجراب دعونى أعرض عليكم مفاجأة الليلة

……….

ولم تكن مفاجأة تهرب الأصدقاء منك وأنت تدور عليهم واحدا إثر الآخر . حاملا حقيبتك التى ورمت أصابعك . وكنت مرهقا . تكاد تموت نوما . وفى غرفة بها تسعة مصريين يتمددون على الأرض فوق حواشى إسفنجية مهترئة كالحة اللون من شدة الاتساخ قالوا لك :

ـ هنا ستقيم  وتستطيع التوفير

ـ هنا دورك غسل الأواني وشراء الخضار

ـ هنا لابد أن تستيقظ من النوم فى الخامسة صباحا حتى لايغضب عليك ولى نعمتك

ـ وهنا لا أوراق أو قلم

ـ فقط الدولار

و……

ـ الدولار أيها الوغد سهل المنال .. فقط حاول أن تفهم

وكنت تفهم مايرنو إليه المحقق بكلماته

ولم يكن أبدا فى حاجة لأن يستطرد وهو يقرصك من خدك قائلا :

ـ هناك نوع آخر من الكتابة بإمكانك ممارسة طقوسه . وستأكل منه ماتشتهى

ولم يكن يعرف أنك لاتشتهى شيئا .

(7)

وانتبهت كل حواسك للحاوى لتعرف أى مفاجأة دبرها للمتفرجين الليلة

ـ عنبر …. عنبر يشفى من كل الأمراض .. من الصداع .. من المغص .. والحسد .. والالتهاب الرئوي .. والبرد.. والقلب .. والروماتيزم .. والخضة .. والضعف الجنسى .. والعقم .. لايوجد فى الصيدليات . اخترعه أحد أولياء الله الصالحين . نام ذات ليلة وجاءه هاتف فى المنام وأخبره بمواصفات هذا العنبر .. مثله يباع فى الصيدليات بمائة جنيه . لكننا لن نفعل ولن نبيعه بمائة أو خمسين . أو حتى عشرين .. أو جنيه .. انه وببركات الست الطاهرة الشيخة سلمى . بخمسة وعشرين قرشا فقط .. هيه .. من يقول أنا ؟

ورغم الصداع وأوجاع القلب . وآلام سياطهم الكاوية . لاتلقى بالاﹰ للعنبر . وتظل منتظرا خروج الكتكوت لتعرف كيف يتسنى للثعبان الخروج من بيضته ؟

ـ هه ! . أنت تخرف . بل وتحلم بالمستحيل .. كيف يمكنك تغيير المجتمع دفعة واحدة ؟

وكان المستحيل أن تظل يتيما بلا كتابة . فتتحسس الطريق أسفل ظلمة الغرفة الرطبة متحاشيا الاصطدام بثمانية عشر قدم لتسع جثث غارقة فى النوم من شدة الإرهاق .. وفى ركن قصى منها تقبع متقوقعا على نفسك .. تنزف أدبا ودماء وحزنا كبيرا قادما من الأعماق .. وسطورا مرتعشة ..

……….

” أوه يا أسماء الحبيبة ..

أفتقدك كثيرا .. لقد نجح هؤلاء الأوغاد فى إبعادي عنك . لكننى حتما سأعود ..

ـ اطفىء النور يا أخ

وتحتضن أوراقك وقلمك وتذهب للجلوس أسفل عمود نور بالشارع أمام الغرفة

وحاولت أن تكمل الرسالة لأسماء . لكنك أبدا لم تستطع . كان القلب مظلما والفكر لايزل حائرا باحثا عن إجابة لسؤالك الذى ألقيته لأسماء ذات يوم ورأسك ملقى فوق صدرها وأنتما أسفل شجرة الصفصاف :

ـ خبرينى بربك يا أسماء لماذا تتجسد بشاعة زمننا فينا ؟

ولم تجد سوى دموعها إجابة … وهمست فى رقة :

ـ خبرنى أنت ياعمرى .. لماذا دوما تزيد من لوعتى ؟

(8)

تتوه بين الذكريات حائرا . مثلما أنت تائه الآن فى المولد .. تستيقظ على وجه عادل رياض وهو يخترق المولد وحوله المئات من أهالي السمارة . والهتافات تنزلق على جسده الضخم

تنتخبوا مين ؟

عادل بيه

وحبيبكم مين ؟

عادل بيه

ويفتح ذراعيه عن آخرها بعدما لمحك وسط الزحام . كالذئب الذى يلمح فريسته على مسافات طويلة .. وتستشعر الخطر يحدق بك بين الذراعين المفتوحتين عن آخرها .. أمام الجميع يحتضنك فى مسرحية سمجة مرددا كلمات كثيرة لاتذكر منها سوى . الشباب المثقف .. الواعى .. و.. سنلتقى .. وتمنيت أن تصرخ فيمن حولك صائحا ..

ـ إلي متى ؟

نفس السؤال بادرت به خالك وأنت تراه يذوى غارقا فى أوجاعه . وقال لك وهو يربت على كتفك الصغيرة :

ـ عندما تكبر ذات يوم ستعرف ماذا يعنيه الخرس والهزيمة

وذات يوم سألتك أسماء :

ـ متى سيعثر الشاطر غريب على ست الحسن والجمال ؟

لحظتها لم تجبها بثمة كلمة وغرقت كعادتك فى أوجاعك

وتتمنى الآن أن تعيد على مسامعك نفس السؤال .. ولو حدث لأسرعت على الفور مجيبا عن سؤالها :

ـ عندما يخرج الكتكوت من جراب الحاوى .. ويخرج الثعبان من بيضة الكتكوت

وذات يوم تذكره قالت لك :

ـ أرجوك يا أحمد أفق لى ولو للحظة

وكالمخدر أجبتها :

ـ وأى فائدة ستعود علينا من الانتباه فى زمن الكل مأمور فيه بالتناوم والهزيمة ؟

ـ أحدهم طرق بابنا .. وأبى قرر تزويجى له

ـ لقد فقدت كل شىء منذ أمد بعيد

ـ العريس عربيد

ـ الجميع سكارى بلا نبيذ صدقينى . وأنا أول السكارى

ـ أنا أحبك أيها المجنون

ـ كل شىء منذ أمد ضاع يا أسماء

ـ أحمد أيها الحبيب أنت بعيد عنى .. ماذا حدث لك ؟

ـ أفقدونى إحساسي بالحياة .. وطعم السعادة .. حتى قلبى تمرد على جسدى

ـ أنت لست أول الذين تم اعتقالهم فى سبيل قضية آمن بها

ـ …………

ـ أحمد أرجوك أفق لى للحظة واحدة . أنت تضيعنى منك

ولم تفق ..

وليتك فعلت

وفى غيبوبتك ظللت تائها

(9)

ـ يا أهلا وسهلا يا أحمد بيه . السمارة كلها نورت . اتفضل . ادخل الخيمة .. ونورها

تدخل الخيمة

أصحاب الطريقة الأحمدية

رايات خضراء تغلف جدران الخيمة من الداخل . تتداخل الأصوات والكلمات

حيوا القمر حيوا نبينا

ياحاضرين تشفع فينا

مداااااااد ..

مدد يا أبو الفتيان ..

ياسيدى أحمد البدوى مداااااد

ـ ارقينى ياشيخة كريمة

ـ قوم ياراجل أنت مثل الحمار

ـ سمعونا الفاتحة لسيدى أحمد البدوى

……….

” بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين ….. “

……….

 ” وعندما أدرك أحمد البدوى أن الحجاج بن يوسف الثقفى مات . انتقل من المغرب قاصدا مصر .. واتخذ طنطا مقاما له . وفوق سطح أحد المنازل التقى ببعض المريدين الذين اصطنعهم له أحد أتباعه . لقنهم الأحاديث والخطط . وتحت ستار الدين كان يسير . كان الرجل يخطط لإعادة الحكم للشيعة مرة أخرى وتخفى فى ثوب رجال الدين . خلف لثام على وجهه أخفى معالمه . أشاع المريدون أن من حاول رؤية وجهه مات على الفور . وبذلك ضمنوا ألا يحاول أحد ما رؤية وجهه . وفى كل البقاع انتشر الأتباع ليقصوا للعالم بركات وكرامات سيدى أحمد البدوى .كان الرجل يخطط بذكاء ودربة وحنكة سياسية وحيثيات عديدة تؤهله للوصول إلى المبتغى . لكن القدر لم يمهله . لكنه على الجانب الآخر أصبح رمزا للنضال الدينى والمعجزات التى لايستطيع أحد التصدى لها .. “

……….

ـ كافر .. ملحد .. زنديق

يلتفت إليك والى الشيخة كريمة الحضور .. تصرخ المبروكة فى وجهك :

ـ هذا المعتوه لم يقرأ الفاتحة لسيدى البدوى

ـ والنبى قرأها ياست

ـ محصلش

ـ أنا شايفة

ـ وأنا حاسة بيه .. نظرات الشك فى عينيه

تحمر العيون من حولك . تنفرج الأفواه وتنقلب . يهمس الجميع مبتهلين إلى الله أن يصفح عنك ……

و……

……….

” مات أبو الفتيان . فانقطعت عن الأتباع والمريدين أنهار العسل والذهب التى كانت تنبع من جيوب الأحباب والمصدقين . وهم تلاميذ الرجل . سول لهم عقلهم الاستفادة من موته . نشروا عنه الكرامات والمعجزات . أشاعوا فى الناس أنه يشفى من قبره المرضى ويبرىء حتى الأكمه والأبرص . وأصبح الرجل كعبة يحج إليها المريدون ذوو الحاجات . وفى صندوق النذور تنهال آلاف الجنيهات وتصب فى جيب المستفيدين بما فيهم الدولة التى أصبحت تحتفى . لابالمولد . بل بكرامات صندوق النذور …. “

” صراط الذين أنعمت عليهم .. .. .. “

ـ سأقول الحقيقة للناس

ـ سيرجمونك بالطوب

ـ ولو

” غير المغضوب عليهم . ولا الضالين . آمين “

(10)

ـ والنبى ماتزعل من ستنا الشيخة يا أحمد أفندى

تعدل من نظارتك محاولا إخفاء خجلك وشفتيك تنفرج عن شبح لابتسامة مقتولة . فى فتور تحتسى الشاى الذى أصروا عليه . تتحرك العين فى محجريها وتقفز داخل الخيمة . تصطدم بالأرض المزروعة رجال ونساء وأطفال . البعض منهم نيام . والبعض يتمايل مع الإنشاد والتراتيل . تتساءل عن غريزة الجنس ونظريات فرويد ؟ . وفى المنتصف كانت هناك حفرة مليئة بجمرات من النار . والجوزة على الأحباب تدور .

مثلما دارت ذات ليلة من ليالى الشتاء الباردة . والثلوج متراكمة فى الطرقات . والغرفة احتشدت بكم أنتم العشرة . وتطايرت سحب الدخان وتحلقت حول الرؤوس .  ورغم كراهيتك لرائحة الدخان . إلا أنك فى تلك الليلة عشقته .  فقد كنت تشعر بالبرد جمرات ملتهبة تزحف أسفل جلدك . وتتحول معها إلى كتلة ثلج . والدخان دافىء . والغرفة مغلقة . والملابس أفاعى فوق المسامير . والجدران باهتة ….  يرتعش الجسد وهى تقترب منك . تقفز فوقك . تلدغك ..

آه .. الجدران تنطبق فوق الصدر

تصرخ … يحتبس صوتك

تهتز الأشياء من حولك

” أحمد .. تأخرت رسائلك عنا “

عرق بارد يلف الجسد

ـ أى أجر تريده أيها المصرى المتسول ؟

 ….  ضحكات شيطانية تسمعها حولك

” أحمد أيها الحبيب .. لقد ضيعتنى وضيعت آخر ماكان يربطنى بك”

 ” أحمد .. عد بسرعة أتوسل إليك قبل أن تكتشف عائلتى الفضيحة . بطنى تكبر . والفضيحة على وشك الانفجار “

الدخان كان يحاصرك

يقبض على صدرك

تمتد أذرع أخطبوطية إلى عنقك

الدخان ثقيل

والصدر يشتعل

والقطار قادم من وسط الدخان

تحدق فى الرأس الذى يتحطم ويتحول إلى ألف رأس

يقف الجميع . جميع الرؤوس فى مـواجهة القطار

يغرق كل شىء فى الدم

الصور تتداخل

و……

أسماء

وطفلكما القادم من المجهول

والفضيحة

والسجن

والظلام

وصرخات المعذبين

و ……..

 ” أسماء أنا متعب .. متعب يا أسـ…. “

ـ إنها حمى ولابد من أسبوع راحة

وقالوا لك وهم يستقبلونك فى ميناء نويبع :

ـ حقائبك مكدسة بالكتب . وهذا أمر لايبشر بالخير

تخرج من الخيمة

(11)

ـ ياأهل قريتى الطيبين . تأكدوا أن ثقتكم فى عادل رياض لن تضيع أبدا هباء . وسوف أعمل جاهدا من أجل مصلحة السمارة .

سأرصف لكم الطريق الواصل بين السمارة والقرى المجاورة

سأشيد لكم المستشفى المركزى الذى ترغبون

ومركز الشباب الذى يحلم به أولادكم

والمعهد الدينى

والمسجد ….

و….

و….

وعندما شعرت أن الأدب لامكان له بين وسائل الاعلام شمرت عن ساعديك لتحارب بأسلحتهم

ـ كل أديب صحفى . وليس كل صحفى أديب

هكذا كنت تقول

والصحافة فجرت الأرض من أسفل أقدامك عندما بدأت حربك مع عادل رياض وقدت حملة صحفية ضد فساده . وقال لك ذات يوم :

ـ اسمع .. لماذا لانقتسم السمارة معا ؟

وكان الرد الطبيعى نشرك للمزيد من أباطيله وانحرافاته

واختفت الجريدة من المحافظة كلها

وأمام بيتك ألقت سيارة مجهولة بكل الأعداد . ومعها رسالة شفوية من عادل رياض يقول فيها :

 ” لكى توقن أننى قادر على ابتلاعك أنت وجريدتك . “

وحاولت أن تخبر أهالى السمارة بالحقيقة

والحقيقة أنك كنت متعبا والمحقق يستجوبك على بوابة الوطن الذى ظننت أنه سيحتضنك بمجرد وصولك  لكن حتى هذا الحضن بخل به عليك . وقال المحقق :

ـ سنؤمن بوطنيتك .. فقط قل لنا مارأيك فى حرب الخليج ؟

وقبل أن تؤكد له أن … يستطرد :

ـ ومارأيك فى موقف الأردن من الأحداث ؟

وعندما حاولت أن تجيبه بأن .. عاد قائلا :

ـ ومظاهرات الطلاب فى مصر .. مامدى رد فعلها فى الخارج ؟

وقبل أن ….

ـ ومامدى انعكاس القرارات التى اتخذتها مصر على الفلسطينيين هناك ؟

و……

ـ وماذا عنك ؟ هه .. !

و……

ـ ماهى الرسالة التى حاولت توصيلها للقارىء من خلال شخصيتك القصصية ” الشاطر غريب ” ؟

……

ـ وأسماء .. إلي أى مدى كانت علاقتك بها ؟

……

ـ لاداعى لإخفاء أية معلومات عنا . فنحن نعرف عنك كل شىء .. هل تعلم ماذا يعنى كل شىء ؟

……

ـ يكفى أن تعلم أننا نعرف المدى الذى وصلت إليه هذه العلاقة . فقط نحن نحاول التأكد من مستوى صدقك معنا

……

ـ حتى أنفاسكما رصدناها

……

ـ هيه .. لماذا لاتتحدث ؟

……

وتركته يثرثر وغرقت فى نوم عميق . فقد كنت متعبا . والرحلة خارج الوطن كانت مرهقة . وكلمات أبيك ترن فى أذنيك :

ـ عشقك للقلم سيجلب لك المزيد من المتاعب والفشل

” فشل المفاوضات الثنائية بين الأطراف

” أطراف صناعية للكلاب

” الكلاب البوليسية فى أسيوط

” أسيوط على حافة بركان بسبب الإرهاب

” الفتايات يتعرضن للإغماء المفاجىء

” انهيار عمارة مصر الجديدة

” الجديد فى الأسواق من أدوية الضعف الجنسى

” وسط فيفى عبده يحدث أزمة داخل الحكومة

” سوق شرق أوسطية  ……………..

تغمض عينيك للحظات لتتمكن من الرؤية

صحف .. وعناوين .. وسطور

ترى الأشياء مجرد كتل هلامية المعالم لاحدود لها . تحاول تمييز أى منها . ولاتستطيع .. عرق وكتل ثلجية تزحف فوق الصدر .. تقنع النفس أن ماتراه مجرد هلاوس وهذيان ….

وكان خالك يهذى وهو يرتعش ويطلق كلمات غير مفهومة .. عن الحرب والموت ورمال سيناء . والضياع وسط صحراء مترامية الأطراف . وآلاف الجثث ……

(12)

ـ تم زفاف أسماء ليلة أمس

يارب السموات .. كيف حدث ذلك ؟.. ولماذا الآن ولم يكن قبل مجيئه السمارة ؟

ـ أنت تعلم بتقاليد البلدة .. زفاف أكبر عدد من الشباب ليلة مولد الطاهرة تيمنا ببركاتها

يا إلهى .. مستحيل … لاأصدق ……

……….

” لماذا لاتصدق يا أحمد ؟ ..

ألست مثل كل فتايات العالم ؟..

أليس من حقى أن أحلم بمنزل يأوينى وإياك؟..

يحمينى من عيون الآخرين ؟ “

” صدقنى إن لم تعد خلال أيام فإنني سوف …… “

تحاول التذكر .. كل شئ مشوش

” ثمرة اللحظات المجنونة أخذت تتحرك فى أحشائى …. “

تقلب فى رفوف الذاكرة مجهدا

” أحمد .. أفكر جديا فى التخلص من الجنين عند طبيب بقرية برقين …. “

وتبحث ……

” أحمد . تخلصت من الجنين .. لم تعد كما توسلت إليك .. وكثيرون يطرقون بابى .. ولم يعد لدى أى مبررات أعرقل بها زواجى .. حتى لو وافقت على أحدهم . فماذا لو اكتشف اننى …. “

……….

ويصرخ خالك والعرق يلفه :

ـ نحن لم نقاوم .. اعترضوا على ذلك .. شربنا المقلب وحدنا .. لم تنفعنا المساعدات والضحايا التى قدمناها للأشقاء .. وعندما عدنا من التيه فى الصحراء . حذرونا من التفوه بأية كلمة .. ولأننا تعودنا على الخرس والهزيمة فقد صمتنا .. لأننا فقدنا القدرة على الكلام .

……….

وكانت ليلة لاتزال تذكر معالمها رغم السنين

كانت السمارة هادئة

ليلها ساكن إلا من صفعات صيفية رطبة

اتجهتما معا إلى شجرة الصفصاف

جلستما

تحدثتما فى أشياء كثيرة

الحديث الوحيد الذى لم تتطرقا إليه هو حديث أبيها لك :

ـ وهى الكتابة يابنى لامؤاخذة بتأكل عيش ؟.. هتشترى لبنتى شقة بكام قصة ؟.. والثلاجة هتشتريها بكام مقال من بتوعك اللى بتكتبهم فى ( الجرنان )

ولم تكن تملك سوى قلبك ومشاعرك .. وحفنة أحاسيس مجنونة

كنت متعبا ياصاحبى وهى مثلك تماما

ألقت برأسها فوق صدرك وأجهشت بالبكاء

دموعها كانت غزيرة

مالحة

أحاطت بذراعيها حول جسدك ..

كانت يدها مرتعشة .. وكانت فى حاجة إليك .. وكنت فى حاجة إليها .. وامتدت الأيدي تكسر كل الحواجز .. لأول مرة شعرت بجسدها أسفل أصابعك ..كنت تتحسس كل الجبال والأنهار .. والأشجار .. قطعة من النار كانت .. وقطعة من الثلج كنت .. واقتربتما .. صعدت أصابعك إلى وجهها .. جففت دموعها .. ارتعشت شفتيها .. ملت عليها .. التصقت الشفاه وأبت التراجع .. التحم جسديكما أكثر .. تأوهت فى خدر .. تمنيت أن تحطم ضلوعها بين يديك ……

ـ أحمد .. أرجوك

همست بها إليك فى توسل .. لكن الوقت قد فات .. فقد كان جسدها بين يديك يحاول التخلص منك دون جدوى .. يحاول التخلص من سطوة العقل .. من كلمات أبيها .. حتى منك . ومن الواقع . وفتشت الأصابع عن جدران الملابس واقتحمتها .. أسفل الجدران كانت يديك

يا الله ……

أى فردوس هذا الذى تقترب منه ؟

لم تكن تدرك أنها بهذه الروعة .. زحفت الأصابع أسفل لتزيل الحجب واحدا إثر الآخر .. تمزق الستائر .. تدمر كل شئ يحول بينك وبينها .. واستغاثت بك باكية

ـ أحمد … احترس

لكن الصوت الذى كنت دوما حريصا على أن تلتقطه . وتلتقط كل أنفاسه . غاب عنك لأول مرة . وتفصد عرقك غزيرا … واختلطت دموعها بعرقها بجسدك بشعرها .. وتاهت معالم جسدها أسفلك .. ودقات قلبك تعلو وتعلو

ثم وأنت تقترب من لحظة العشق والجنون

لحظة اقتراب السماء من الأرض

لحظة تساوى الجحيم بالفردوس

لحظة الميلاد الحقيقية

لحظة العودة إلى البدء

ظهر القطار الأسود من بين السحب .. ولأول مرة خشيت على الرأس التى كانت تعترضه . وظهر خوفك فى ارتعاشة يديك التى ضممت بها أسماء بقوة .. وسمعت صرختها تدوى من أسفلك :

ـ أحمد ……

ولاتدرى شيئا بعدها . سوى أن الشاطر غريب كان متعبا من رحلة الطريق . وآن له أن يستريح .. وأفقت لتجد أسماء بين ذراعيك عارية .. وملابسها متناثرة حولك وهى تبكى .. والجسدان يتصببان عرقا .. والصفصافة عالية .. ومياه الترعة فى انتظاركما لتغتسلا من أوجاع الزمن الماضى .

(13)

ـ قتيل يا أهل البلد

صرخة شقت زحام المولد .. أفقت من غفوتك على أثرها .. أصوات متداخلة لاتميز منها الاالقليل

ـ استرها يارب

ـ الذرة ياعالم

ـ حرام عليكم دى زرعة السنة دى

ـ لطفك يارب

ـ أنا عارف إيه اللى جرى للسمارة بس يا أولاد ؟

تتجه خلف الآخرين .. يصدمك حصار مضروب حول جسد مسجى على الأرض بجواره امرأة تتشح بالملابس السوداء وهى تبكى :

ـ بنتى حبيبتى

الصوت تعرفه .. لكن

ـ  أبوك عملها فيك ياضنايا

تتجمد مكانك غير مصدق

ـ  وسع يابهيم منك له . البيه رئيس المباحث وصل

تقف مذهولا ..

ـ أبوها هو اللى قتلها يابيه

كيف ؟

ومتى ؟

ولماذا ؟

ألف سؤال يدور فى الرأس حائرا

ـ ليلة امبارح كانت دخلتها

يارب السموات

ـ عريسها وجدها ……

تشعر باقتراب أقدامك من حفرة عميقة

ـ حاول أبوها يعرف مين السبب ؟

آه .. ها أنت تقترب …. تزوغ عين أمها بين الحضور .. اهرب بسرعة قبل أن …

يبدو أنه لافائدة

ـ أحمد أفندى ؟

انكشف المستور ….

ـ أحمد يابنى .. انت كنت بتحبها

يا الله …… مابال التيار هذه المرة عنيفا ؟

ـ وكنت عايز تتجوزها .. لكن أبوها الله يسامحه بقى

ومن يسامح زمننا الضائع ياسيدتى ؟

ـ شفت عليها أو سمعت عنها حاجة وحشة يابنى ؟

ها أنت خصم وحكم .. القاضى والجلاد .. القاتل والمقتول معا ….

ـ أبوها هو اللى قتلها يابيه

” وكنا صغارا يا أسماء ..

وكان حلمنا صغيرا

منزلا صغيرا

ووطنا صغيرا يحمينا من برد الشتاء

ومن لهيب الصيف

من عواصف الحياة

ومياه الترعة لم تكن أبدا عميقة

وكان الطين كثيرا

والصفصافة هناك

والفراق

والغربة

والرحيل

ـ اقبضوا على المتهم

هل كان يجب أن نحلم يا أسماء ؟

ـ هاتوه من تحت الأرض

حتى الحلم البسيط أصبح صعب المنال فى وطن يضيع فيه كل شىء

ـ إلى أين أيها الصحفى الهمام ؟

تلتفت إلى رئيس المباحث وأنت تخلع نظارتك . مجففا دمعة أبت السقوط مؤكدا له أن لديه جريمة قتل .. وتحقيق .. وأنت مرهق .. فيؤكد لك هو الآخر باعتداد وثقة وهو يشعل سيجارته . أن كل شىء فى جريمة الليلة واضح المعالم . والمجرم معروف

ـ تمام ياسعادة البيه . قبضنا على المتهم

يقول وهو ينظر إليك مؤكدا بطرفى عينيه صدق ماقاله لك منذ قليل :

ـ رحلوه على المركز

ثم وهو يتابع إجراءات الترحيل :

ـ هؤلاء الأوباش يحكمون على عفاف حريمهم بغشاء البكارة

وفى سخرية :

ـ حسنا وماذا بعد زواج الفتاة ؟. هه ؟

تشق المولد وحدك عائدا أدراجك من حيث أتيت . تشعر بأنك تواجه جيشا من الغزاة بمفردك .. تحارب فى صف أوله يبدأ وينتهى بك .

(14)

تدخل المنزل متجهما

ـ أحمد يابنى . مالك ياكبد أمك ؟

تتركها وتدلف إلى غرفتك قاذفا بنفسك على أقرب مقعد

تخلع نظارتك ملقيا بها على المكتب مجففا دموعك التى تتحسسها غير مصدق

تشعر بأنك شمعة تذوب مع كل دمعة تسقط

تترك دموعك نهرا يهطل من بين الأحداق .

وتحدق فى كل شىء حولك محاولا التمسك بالواقع حتى لاينفلت منك الزمام رغما عنك … ورغم كل ماتشعر به إلا أنك تشعر بإلحاح غريب يدفعك للسفر للماضى … فى حاجة أنت لذلك … فى حاجة للتعلق بأغصان صفصافة ما .. أى صفصافة لتجد تفسيرا لذلك الذى يحدث حولك

تدقق النظر مرة أخرى فى كل شىء حولك

آثاث الغرفة هو هو…. لم يتغير

المكتب القديم خلفه المقعد المتهالك

الأريكة الطويلة فوقها الحشية الأسفنجية

المكتبة الصغيرة بين رفوفها بعض الكتب وفوقها أزهار أسفنجية ومنبه كبير الحجم … وصورتك لازالت رغم السنين الطويلة فى الإطار البلاستيكى … وعلى الجدران ورق ملون فوقه لوحات لبعض الأصدقاء القدامى وبعض من كتاباتك التى فشلت فى نشر أي منها فوضعتها فوق الجدران هى الأخرى … كل شىء لايزل كما هو

فقط عنكبوت احتل الأركان وغبار غطى كل شىء .. فالغرفة لم يدخلها أحد منذ يوم سفرك الطويل بناء على تعليمات أمك ..  حتى هذا المقعد الكالح لايزل هو أيضا فى نفس المكان .. وكانت أمك فوقه تبكى …. نعم ياعزيزى كانت تبكى .. وكنت أنت  خلف هذا المكتب واضعا رأسك بين كفيك .. وأمك تقول لك فى توسل :

ـ يابنى حرام عليك كفاية غربة

نعم هذا ماقالته لك بالحرف الواحد . وقالت لك أيضا :

ـ كنت أعد السنين بالدقائق وأنت بعيد عن مصر

ثم استطردت بعد توقفها للحظات :

ـ وعندما عدت تريد الهروب للقاهرة

وضحكت من بين الحزن والألم محاولا التخفيف عنها . وأكدت لها أنك سوف تزورها نهاية كل أسبوع ..

و..

حملت حقيبتك خارجا من السمارة

كانت الساعة تشير آنذاك إلى الثامنة مساء

وفى عربة متهالكة غادرت القرية إلى السنبلاوين ومنها إلى القاهرة

فى الشهر الأول ..

نفذت ماوعدت به أمك

فى الشهر الثانى ..

بدأ وعدك لها فى التآكل

فى الشهر الثالث ..

تقزمت وعودك

فى الشهور التالية ..

أكلتك شـوارع القاهرة .. وابتلعتك دروبها

غرقت فى أضوائها

نهشتك

وكانت البداية عندما قال لك رئيس التحرير بعد أن استدعاك على عجل محدقا فى أوراقك الموجودة بين يديه :

ـ ماهذا التخريف ؟

و…. عندما حاولت الدفاع عما كتبته قائلا :

ـ إنه الواقع دون تحريف يذكر

قال ضاحكا فى سخرية :

ـ لهذا أنت حمارا

وبعد أن لقنك الدرس الأول فى الصحافة التى يرضى عنها الجميع .  تساءلت فى دهشة :

ـ والضمير الصحفى ياسيدى ؟ والحقيقة ؟

عندها قال لك محتجا :

ـ الحقيقة أنك ستظل حمار

……….

والحقيقة قالتها لك أسماء عندما صاحت فيك ذات ليلة التقيتما فيها :

ـ كان بإمكانى الاحتفاظ بالجنين وأتحدى به العالم . لأنه جزء منك وقطعة منى … لكننى تخلصت منه لأن أحمد الذى أحببته ذات يوم .. مات .. مات …

تضع يديك فوق أذنيك محاولا ألا تسمع الصوت القادم من الماضى

تفشل رغم محاولاتك

تدور كالثور الذبيح بين أركان الغرفة

يدك أذنيك صوت أقوى قادما فى عنفوان :

أقـص عـن بــهـوت

أقص عن ياسين … عن بهية

……….

ـ ياسين يرمز إلى الثورة التى تخططون لها لقلب نظام الحكم .. وبهية هى مصر التى تحاولون تدميرها بأعمالكم يا أولاد الـ ….

……….

يابهوت ….  ياضحية

إيه …..كم أنت غبية

ـ أنت ماتعرفش إن الحاجات بتاعة نجيب سرور ممنوعة فى الجامعة ؟

……….

ـ ” قصة الحضارة ” لول ديورانت  .. ” لعبة الأمم ” لمايلز كوبلاند .. ” الإسلام وأصول الحكم ” .. ” الزينى بركات ”  ياخبر أسود كل دى مفرقعات ؟

……….

” هذا وقد تم ضبط عدد هائل من القنابل شديدة الانفجار لدى المتهم .. واقفل المحضر بعد اعتراف المتهم بالتهم المنسوبة إليه . “

اقرأ آخر خبر ……

” وزارة الداخلية تلقى القبض على إرهابي خطير “

ـ مش قلت لك ان السكة دى نهايتها مش كويسة ؟

(15)

دموع غزيرة تنحدر رغما عنك

تستند على حافة المكتب

تترك الدموع تتساقط

تتحسس كل جزء فيه

تظهر بين الأصابع ارتعاشة تحاول مواراتها لكنك رغم كل شىء تفشل

تمتد اليد المرتعشة الى أحد الأدراج التى تعرفها …. تفتحه … تطالعك مئات الأوراق من يومياتك التى كنت تحرص على تسجيلها يوما بيوم … تتطاير على مرأى منك أياما قد خلت وسنوات الماضى والليالى الجميلة … تتقافز فى ألم عشرات القصص والحكايات التى استوحيتها من ذكريات الماضى وحياة الناس فى السمارة … تمتد أصابعك إلى أوراقك القديمة التى غرقت فى مئات المواقف والأقاصيص

تنفض عنها الغبار وخيوط العنكبوت وفضلات الفئران … كل يوم سطرته هنا تشم رائحته … تحتضن يومياتك  فى خوف وعشق وقلق

تفتح أحد أجزائها … من بين الدموع المرتجفة فى الأحداق تدقق النظر فى السطور ….. تستسلم لها كالطفل فتأخذك فى أحضانها بعد انتظار سنوات طويلة

……….

جاموسة الواد عوضين الغلبان ماتت بعد فشله فى علاجها … الواد عوضين كانت حالته وحشة…. قمنا سرا بجمع مبلغ من المال   اشترينا له جاموسة تشبه جاموسته الأولى … وضعناها سرا فى بيته   … عندما رآها احتضنها وانهال عليها تقبيلا وظن أن جاموسته الأولى عادت للحياه

*******

هنيه زوجة الحاج حسين مشيها وحش وبطال … وجوزها أكبر منها    وكانت هى والحق يقال . حلوة قوى وقمورة … ومنذ أيام البت هنيه اختفت … وليلة أمس وجدوها مقتولة فى غيط الدرة … عندما سأل البيه ضابط المباحث أمها قائلا :

ـ هل هذه ابنتك ؟

أجابته :

ـ لاياسعادة البيه .. دى عمرها ماكانت بنتى .

*******

رأيته فى الباحة الواسعة التى يقام بها مـولد الشيخة سلمي كل عام

كان يعرض ألعابه وعرائسه … زاغت عينى بحثا عن ابنته … قال :

ـ ماتت ياولدى منذ سنوات . وتركت لك هذا القلب الخشبى

أهديته لها ذات يوم .. منقوشا فوقه اسمينا

سنون مرت من العمر وأنا بعيد عن السمارة

وكما دخلت وحيدا

خرجت من المولد أشد وحدة

*******

ـ ماذا تريد ياسيد يا ابن ست أبوها ؟

ـ حقى ياعمدة .. ألف جنيه ماينقصوش مليم أحمر

ـ وإيه رأيك فى الكلام ده يامحمود أفندى ؟

ـ وأنا موافق ياعمدة .. ألف جنيه وفوقهم بوسة .. وأنا آسف على غلطى فى سيد .

ـ وأنا متنازل عن حقى يامحمود أفندى

وتعانقا..

*******

حمل حقيبته عاقدا العزم على الهروب من السمارة إلى غير عودة

ـ حريقة يا أهل البلد

صرخة سمعها فى ميكرفون الجامع ..

خطوات

واستغاثات

وصرخات

أوانى

ومياه

ونساء

ورجال

نسى سفره وحقيبته واتجه مع أهل البلد لإطفاء الحريق وذاب وسطهم

*******

ـ الحقونا ياهوه

استغاثة شرخت سكون الليل الهادىء .. من كل مكان تجمع الناس .

ـ أراضينا شرقانه

ـ لكن ده دورنا فى الرى ؟

ـ ولو

ارتفعت الصرخات

احمرت الوجوه

شقت الفئوس طريقها فى الهواء

انفجر طوفان من الكلمات غير المميزة

المال ..الأرض .. العرض .. الموت

و.. اختلطت مياه الترعة باللون الأحمر

*******

فى مقهى البلد على المحطة تحلق كثيرون حول الفيديو لمشاهدة فيلم (ثقافى ) ..  سحابة دخان كثيفة ملأت المكان … زكمت الأنوف رائحة الحشيش … جاء البيه ضابط المباحث فى العربة الزرقاء … ألقى القبض على الجميع … وظل الفيديو وحيدا

*******

بنات السمارة حلوين وطيبين … وضحكتهم جميلة … منذ أن دخلت الكهرباء بلدنا وامتلأت بالتلفزيونات … وبنات بلدنا بقوا وحشين … وضحكتهم اختفت

*******

قال أبى :

ـ تجمـعت عائلة البدراوى علينا بكاملها .. ضربونا .. وطردونا من بيوتنا .. لحظتها دعوت الله أن يرزقنى بعشرين ولد .. أربيهم ويكبروا ليثأروا لنا ..عندما جئتم للوجود  نسيت ثأرى القديم . ودعوت الله أن يبعد عنكم كل مكروه .

*******

البت خضرة راحت للشيخة حسنة بعد دوخة على أهل الطب علشان الخلف … الشيخة حسنة قالوا عنها أنها ست صالحة وفيها شىء لله … الشيخة حسنة دخلت هى والبت خضرة غرفة ضلمة لزوم الحجاب … بعد شهور ظهرت كرامات الشيخة حسنة وظهرت أعراض الحمل على خضرة … وظهر كمان إن الشيخة حسنة راجل ومتخفى فى هدوم واحدة ست

*******

تردد اسمه طويلا فى عـالم الإجرام … ليلة أمس فقط ذهبت لزيارته لكننى عدت بخفى حنين .. سألنى حفيده :

ـ هل رأيته ؟

قلت :

ـ مع الأسف لم يكن أحد بالداخل سوى عجوز هده الشلل والهرم

قال حزينا :

ـ ذلك ماتبقى من جدى

*******

ـ اصحوا يا أولاد .. الفجر أدن

كالقطط نستيقظ  فى نشاط . فيوم شم النسيم لايجب التكاسل فيه

نسحب من أسفل الوسائد البصل الذى وضعناه ليلة أمس … خلف هيكل جدتى نتحرك جميعا .. ماإن نصل للترعة حتى نخلع ملابسنا مثل جدتى … نضحك من جلدها المترهل . وعروقها النافرة  … نلقى بما معنا من بصل فى الترعة ونحن نقول :

ـ يا بصله يابصلتى خدى كسلتى

ونقذف بأجسادنا خلف البصل … ولانتردد فى ذلك وإلا أصابنا الوخم حتى العام القادم .

*******

ـ أضرب الرمل وأشوف البخت

خطوات وئيدة .. وجه مجعد ..طفلة فوق الصدر .. قفة فوق الرأس .. أسفل مقعدى تجلس ..

ـ ارمى بياضك

الأصداف على الأرض .. وخطوات متعرجة

سكة سفر ومخاطر وبنت حلال .. و .. تصمت .. تضطرب … تجمع أصدافها وترحل وتتركنى حائرا غارقا فى ذهولى

*******

ـ استرها ياكريم .. عشان خاطرى يارب .. طب مش عشان خاطرى أنا .. عشان خاطر الأولاد الصغار اللى بيحبوها زى أمهم

أنظر إليه محاولا الاستفسار عما يحدث وأفشل فى مهمتى .. تقول أمه:

ـ سيكرمها المولى . قول إن شاءالله

ـ أصل الحبل  السنة دى كان صعب عليها قوى

يخرج الطبيب .. يستقبله فى اضطراب

ـ خير يادكتور ؟

ـ مبروك .. جحش زى القمر .

يتركنى مكانى مبهوتا .. ويدخل ملهوفا ليطمئن على حمارته .

*******

التقينا بعد سنوات طويلة .. بحثت عن معانى السحر التى كانت تشدنى إليها فى الماضى … وقعت عينى على فم واسع وشفاة غليظة وجسد منتفخ كالقربة .. وخمسة أطفال حولها يعبثون

ـ حمد الله على السلامة يا أحمد أفندى

قالتها دون أن تتعثر فى جلبابها الطويل كما كانت فى الماضى

ومضت من أمامى فى ثقة لم أعهدها فيها ذات يوم . بينما كان الخجل يعترى وجهى

*******

ـ هيه .. وماذا يقول شاعرك هذا يا أحمد أفندى ؟

ـ يقول :

هذه الكـعبـة كنا طـائفيها    والمصلين صباحا ومساء

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها     كيف بالله أصبحنا غرباء

ـ الله .. طيب وازاى المغفل ده يكون حاسس بالغربة وهـو فى حضن الكعبة ؟ هو حد يطول يروح هناك ؟

ـ لاياعم بيومى .. الشاعر يقصد بالكعبة الـ ..

و .. تركنى وامتدت يديه إلى صرة الطعام  … منها تناول بصلة .. على الأرض وضعها … فى الهواء رفع يديه … على البصلة أهوى … تهشمت إلى قطع صغيرة … يلقم منها قطعة كبيرة … يزدرد خلفها كسرة خبز يابسة فى استمتاع غريب .. يرفع القلة على فمه الضخم . ويرشف منها المياه بصوت مسموع . ثم يتجشأ فى نشوى . فتزكم أنفى رائحة البصل ويتذكرنى أخيرا .. يلتفت ناحيتى قائلا وهو يمسح فمه بأكمام جلبابه المرتق :

ـ أيوه ياسيدى .. كنا بنقول إيه ؟

أبتلع رغما عنى كلمات لم أقلها وأنهض وأشق رحلة العودة إلى المنزل

*******

وسط المولد تلتقى نظرات حبلى بالأشواق .. بالحياة .. بالعشق الجميل .. وتختلط البراءة بالعقاب بسياط على الظهور الصغيرة التى لاتأبه بأى شىء … وسط الذرة نلتقى أنا وأسماء … فوق قدمى تلقى برأسها المتعب … أحكى لها حدوتة الشاطر غريب وست الحسن والجمال

*******

السير على شاطىء الترعة عند العصارى له متعته الخاصة وسحره الذى لايقاوم … تقع العين على أطفال يسبحون وسطها … أصرخ فيهم محذرا من البلهارسيا والأمـراض متناسيا زمنا معى قد ولى  … وتتوه صورة أسماء بالشاطر غريب بست الحسن والجمال … ويخرج الأطفال ريثما أمر بهم ثم رغم البول والدماء الغزيرة يعاودون القفز وسط الترعة

*******

كل شىء تم فى لمح البصر… صرخة قوية غطت على أصوات الزغاريد … أعقبها انفراج الباب المغلق … خرج العريس بعدها صارخا فى خيلاء :

ـ غسلت عارى

دخل الجميع لاستطلاع جلية الأمر … كانت العروس ممددة جثة هامدة على السرير عارية تماما … وعندما جاء الطبيب قال بعد فحصها موجها كلامه للعريس فى قرف :

ـ أيها الحمار .. غشاء البكارة سليم . فقد كان من النوع الغربالى

*******

عزم شقيقى على الانفصال عن العائلة .. بكته أمى طويلا  … وكنت رغم ذلك سعيدا فقد أضاف لمنزلنا منزل آخر … وقالت أمى :

ـ كان منزل العائلة لايحتوى إلا على ثلاث غرف . ولم يكن به كهرباء أو تلفزيون  .. وكنا نقطن أنا وأبوك فى غرفة .. وعمك وزوجته وولداه فى غرفة ثانية .. وفى الثالثة يقطن عمك الثانى مع زوجته .. أما جدك وجدتك فقد كانا يقيمان فى الصالة . وعندما كان يحضر لنا ضيوف كانت النساء تتجمع فى غرفة والرجال فى غرفة . وفى الغرفة الثالثة ينام الضيوف .. وكان منزل العائلة يمتلىء بالأرانب والعصافير والحمام

تصمت أمى وهى تنتحب .. أدقق النظر حولى ..

كل منا له منزله الخاص الذى يمتلىء بالأجهزة الكهربائية لكنه يخلو من العصافير والحمام .

*******

رباه ..

ماذا يحدث ؟

صورة القطار العملاق تأبى مفارقة مخيلتى ..

لونه أسود

من الضباب يخرج

الرأس التى تواجهه عنيدة .. تتمزق ألف رأس .. لاتأبه بألف قطار قادم .. تنزف دماء .. أحاول رغم كل شىء تمييزها .. لاأستطيع .. الوجه قريب من الذاكرة المجهدة . لكننى رغم ذلك مع الأسف لا أستطيع ..

*******

على عجل أرتدى ملابسى .. إلي مضيفة القرية  أتجه لحضور الندوة الطبية التى دعانى إليها وكيل وزارة الصحة .. امتلأت المضيفة عن آخرها بمئات الفلاحين .. تطايرت من أفواه الأطباء عشرات المصطلحات الطبية .. المراهقة .. سن الخطر .. عقدة الكترا ..الانفصام .. وفرويد .. عندما انتهت الندوة لم يكن هناك سواى أنا فقط والأطباء والسيد وكيل وزارة الصحة .

*******

ـ أحمد يابنى .. اصحي شوف فيه إيه بره

خرجت من المنزل رغم سواد الليل والبرودة والمطر … اتجهت الى مصدر نباح الكلاب … عشرات من الأهالى يتحلقون حول قطعة لحم عارية … الحبل السرى والدماء تؤكد أن الطفل خرج للحياة قريبا … واريناه التراب … وعاد كل منا إلي منزله وهو يحمل شرخا فى الصدر عميقا .

 *******

جدتى الحبيبة ذات المائة عام والفم المثرم تحتفل بعيد ميلادها اليوم ..

تحدثنا معها عن أطفال الأنابيب … والفيديو … والإنترنت … والكوكاكولا … وعصرنا المتقدم عن عصرهم السحيق .. ضحكت فى ثقة لاأعرف مصدرها وهى تقول :

ـ ولو ..

*******

صداع حاد يحتل مقدمة الرأس .. ورعشة شديدة تنتاب الجسد المرهق .. والقطار الأسود .. والضباب .. والوجه ذو الملامح الغائبة عن الذاكرة .. يبدو أنها هلوسات الحمى .. لذا لن أتمكن من مواصلة الكتابة اليوم .

*******

ـ ياأهالى السمارة .. السيد أبو مندور فى مستشفى المقاطعة ومحتاج كيس دم .. اللى عايز يتبرع له . العربية واقفة على المحطة رايحه المستشفى دلوقتى

وبعد دقائق كانت هناك ثلاث عربات فى طريقها إلي مستشفى المقاطعة .

*******

مات عبد الحميد المجذوب .. استراح أخيرا من متاعبه .. قطعة من طفولتى كان .. ما ان نراه قادما من نهاية الشارع بملابسه المرتقة المتسخة وطربوشه الأحمر . وأعلامه المزركشة وسبحته التى تلتف حول عنقه . حتى نهرع إليه ونكيل له عشرات الألفاظ والطوب .. ويستقبلنا بما معه من حلوى وثمار يخرجها من أسفل ملابسه .. فنلتف حوله كالفئران ونلتهم مامعه .. يضحك وهو يربت على الرؤوس الصغيرة .. نعود إلي منازلنا ونتركه فى الشارع وحيدا ..

 غيرتنا السنون وهو رغم الزمن لم يتغير .

*******

عزيزتى أسماء ..

هذه الرسائل التى تصلك منى كتبتها إليك . وبعضها وصلنى من أصدقاء . جزء من واقع أعيشه بين جدران المعتقل ..

*******

لا أذكر كيف كانت البداية

فقط أقدام ثقيلة

وبنادق ثم زنزانة

و ..

ـ معذرة يا أحمد بيه .. هؤلاء الأوباش ضلوا العنوان الصحيح لشخص آخر

ثم وهم يقدمون لى بعض الأوراق :

ـ وقع هنا يارجل ليتسنى لك العودة سريعا إلي منزلك

وأقرأ ..

” أنا الموقع أدناه ..

أعترف بالتهم الموجهة لى ..

حيث إنه ..

مقالات ..

تحقيقات ..

منشورات .. تمس أمن الدولة ..

قلب نظام الحكم …… “

ياخبر أسود ..

ماهذا الهراء ؟

لكمة قوية

وظلام دامس ..

*******

أحاول يا أسماء تذكر ماحدث .. لا أستطيع .. عقلى مجهد .. وجهى متورم. بعضى يأكل بعض .. والليالى الحالكة .. والزنزانة الرطبة .. والجوع .. والأمراض .. الرؤية أمامى مهتزة .. أتحسس وجهى .. يمتلىء بالهضاب العالية والمنخفضات الداكنة .. والدماء الجافة .. ورغم كل الأوجاع .. إلا أننى رغما عنى أفشل فى إزاحة هذا الكابوس المخيف عن ذهنى ويهاجمنى رغم كل مابى .. القطار مخيف ياعمرى .. والوجه قريب إلي النفس .. لكننى لاأعرف لمن هذه الملامح والسمات التى تعلوه .. ولماذا لا أرى سوى هذا الرأس الواقف أمامه فى عنفوان وإصرار ؟ .. وتتحطم إلي ألف ألف رأس .. كل منها رغم الدماء والألم .. تتحدى ألف ألف قطار قادم من بعيد .. أسود .. عملاق .. يخرج من بين الغيوم .. ووجه أبى من وسطها يخرج قائلا :

ـ حذرتك من التمادى فى هذا الطريق ياولدى

والسياط  تكوى الجسد الواهن .. وأنا .. .. أنا يا أسماء أفنى عن آخرى . ولايبقى منى سوى ذلك الوجع المتربع فى الأعماق .

*******

عزيزى / ……

شممت فى رسالتك الأخيرة ـ والتى وصلتنى مهترئة ـ ( لا شك إمعانا فى إخفائها بعيدا عن عيون إدارة السجن ) رائحة غير طبيعية ..

احترس ياولدى ولاداعى لأن تكفر بالوطن … وحاول أن تسأل نفسك وسط هذا السواد الذى تعيشه : من الذى يقدم لك وجبات الطعام السرية ؟ … من الذى يمنحك الماء ليلا حتى لاتموت عطشا ؟

ومن الذى يقوم بتهريب الدواء إليك ؟ … تأكد إن الله أبدا لن يتخلى عنك .. وسيخرج حتما الفجر من رحم الظلام .. مهما كانت شدة سواد الليل .. إنها ليست كلماتى أنا بل هى كلماتك التى جاءت فى إحدى قصصك التى كتبتها بعنوان ” من أوراق الصغير حنظلة ” والتى نجحت فى تهريبها عبر أصدقاء يندسون داخل السجن الذى تقبع فيه ونشرناها لك وقرأها ملايين من القراء … هل تذكرها أيها الأديب العزيز ؟ دعنى أعيد كتابتها لك حتى لاتغيب عنك أضواء فجرك القادم من بعيد   :

*******

إهداء :

 إلي ناجى العلى وكل الذين ينتظرون ـ مع الصغير حنظلة ـ إشراقة الفجر القادم من رحم الليل .

قصاصة أولى :

 يتهموننى دوما بالجنون لأننى أنتظرك .. فمتى تعود ياصاحبى ؟

فى السجن :

 تغلق الأذن عن كلماتهم وأصواتهم المشوهة

ـ لقد مات …. قتلناه ولن يعود

تموت خوفا وقلقا .. تغمض العين المتعبة داعيا الله أن يكون ماسمعته منهم مجرد كابوس ستفيق منه بعد قليل .. تصيخ السمع لترنيمة قادمة من الأفق البعيد .

 ” اهدأ قليلا ياصغيرى فالفجر سيولد ذات يوم ويخرج من رحم الليل رغم كل أسوار السجون…. “

قصاصة ثانية :

ستعود حتما ياصاحبى ؟ وعندها سترسمنى بفرشاتك  فوق كل الأوراق .. ونعبر معا كل الأسوار .. ونعود إلي الوطن الذى نشمه مع كل إطلالة فجرجديد .

ذكريات :

 وسألته ذات يوم :

ـ متى يرى الناس وجهى ؟

وأجابك لحظتها :

ـ عندما يأتى فجرنا القادم

ـ ومتى يأتى هذا الفجر القادم ؟

ـ يوم يعود الوطن إلي كل الغرباء مثلنا

ولمحت بين الأحداق دموعا وكلمات كثيرة ومرارة عالقة فى سقف الحلق .. وترك فرشاته جانبا وجلس متفكرا . فصرخت فيه محذرا :

ـ ويحك .. استكمل رسم يدى .

سكة سفر :

 الرصاص

القنابل

المخابىء

الحصار

الجثث

الدخان

الخيانة والهزيمة العربية

والانكسار

وضياع كل الأوطان

وقالت ضاربة الودع :

ـ سكة سفر .. وغيم أسود .. وأطفال .. ومقاليع .. وحجارة

لحظتها توسلت إليه أن يبقى .. لكنه ربت على رأسك الحليق وقال :

ـ إنه القدر ياصغيرى ولا مفر

وسألته باكيا :

ـ ومن سيرسمنى بعدك ؟

ـ سيرسمك ذلك القادم ذات يوم مع الفجر البعيد

وصاحوا فيك ساخرين :

ـ قتلناه ولن يعود

فتصرخ فيهم متحديا :

ـ وبرغم ذلك سأنتظر إشراقة الفجر القادم

قصاصة ثالثة :

وبرغم السياط .. والأسوار .. والأشواك .. وليل السجون .. ستعود حتما ياصاحبى .. وستجدنى طفلا كما تركتنى ينتظر فرشاتك الملائكية

وتنفخ فى جسدى من روحك لأنمو .. وأكبر

انتظار :

فوق الجسد الصغير تتحسس آثار سياطهم .. تحدق النظر فى السماء من خلف القضبان .. يصدمك الليل الأسود ومئات الغربان .. تسمع رغمها ترنيمة هاربة من خلف الأسوار . قادمة إلي مسامعك .. ..

” نم قريرا ياصغيرى .. فالفجر البعيد .. لم يعد بعيدا .. “

فتنام بعد سنوات العذاب والانتظار قريرا . منتظرا إشراقة الفجر القريب

(16)

تنفض عن الذاكرة سنوات الزمن الضائع .. للحظات تعود للحاضر ثم تغيب فى سنوات الغربة

ومن بلاد الغربة عدت محملا بأوجاع تنوء بحملها ..

وانتظر الأصدقاء فتح الحقائب المكدسة بالهدايا والمفاجآت .. وحققت لهم ما أرادوا .. ووحيدا بعد أن استأذنتهم متعللا بإرهاق السفر انتحيت جانبا فى أحد أركان غرفتك التى رفضت أمك فتحها لأحد أثناء سفرك ..

وجلست وتقيأت فوق أوراقك أحزانا لايعرفها أحد سواك ..

ولن تقولها أبدا لأحد .. فقط كتبتها فى قصتك “رحلة السندباد الأخيرة “

……….

ـ هنا يا أسطى لو سمحت

على مشارف القرية تتوقف السيارة .. يحدق السائق فى المرآة الأماميه مليا .. يرمقه بنظرة مليئة بمعانى الدهشة .. من المقعد الخلفى ينزلق الراكب على الأرض

تلتهم العين كل ماتقع عليه

الليل أسود

المنازل تغلفها كتل ضبابية

من بعيد يأتى صوت الكلاب

والبحر يجرى لم يتوقف للحظة رغم البعاد والوجع والحزن الدفين فى الأعماق .. والقلب يدق بعنف .. يفيق من غفلته على صوت السائق ..

يدس يديه داخل حقيبته الصغيرة .. يخرجها ببعض النقود ويمدها إليه .. يقلبها السائق فى سخرية قائلا :

ـ والدخان يامحترم ؟

يؤكد له أنهما لم يتفقا إلا على هذا المبلغ وأن الـ …..

يعاود السائق ضحكاته الساخرة ملوحا للحقائب المنتفخة من حوله :

ـ يظهر انك كنت مسافر من زمان ؟

يلتفت إلي السائق مستفهما

ـ ياسعادة البيه كل حاجة بقت نار .. وانت ماشاء الله .. اللهم لا حسد يعنى

تندس اليد المرتعشة مرة أخرى إلي الحقيبة الصغيرة هامسا

” حتى أنت يابروتاس ؟ ” ..

بعد قليل تخلفه السيارة فى قلب الظلام . متلفتا حوله . متحسسا طريقه فى وجل . لايدرى ماهو السبب الذى دفعه للتوقف فى هذا المكان بالذات رغم الحقائب الثقيلة والمسافة الطويلة التى تفصل بينه وبين المنزل ؟ أسفل ابطه يضع الحقيبة الصغيرة . بين يديه وفوق كتفيه يحمل حقائبه الأخرى … لأيام قادمة سوف يصير حديثا لأهل القرية ومصدرا لحسدهم وهو يوزع عليهم السجائر المارلبورو .. والابتسامات العريضة التى تحمل غموض الرحلة ومتعتها . ولياليها الحمراء .. سوف يجبرونه على الاعتراف بمغامراته مع نساء ( بلاد برة) .. وإذا حاول مجرد محاولة أن يؤكد لهم أنه لم …. فإنهم سوف يصدونه ويقرصونه فى جنبه وهم يغمزون ويتلامزون فى سخرية . ويتوسلون له أن يحكى . ويؤكدون له أن سره فى بير .. فيضطر إلي اختراع حكايات تروى جوعهم وعطشهم وحرمانهم .. ولن تمتد يد أحدهم إلي كتفيه لتمزق ماعليها من ملابس لتبصر جراحه التى لاتزال متقيحة من حمل جوالات الأسمنت والحديد والطوب  … ولن تنغرس عيونهم وأفكارهم فى صدره لتستكشف أوجاعه المدفونه فى الأعماق

فقط مغامراته

ولياليه الحمراء

وحقائبه المكدسة بالهدايا

وملابسه الأنيقة

ونظارته المذهبة

وجوز الطيب

والميرمية

وكافة الأعشاب المقوية للجنس

ـ مين هناك ؟

صرخة شقت سكون الليل .. أتى بعدها خفير القرية حاملا بندقيته الخشبية فوق كتفه اليسرى .. وعندما وصل إلي حيث يقف . حدق فى وجه القادم صائحا :

ـ مين ؟ .. سعادة البيه ؟ .. يا ألف ليله بيضة يا أولاد ..

تلتقى الأحضان .. وتطرقع القبلات فى الهواء .. وتتقافز كلمات التحية والأشواق . والعين النهمة تختلسان النظر إلي الحقائب المنتفخة .. فتندس الأصابع إلي جيب إحداها لتخرج علبة سجائر يلقى بها إلي الخفير الذى يتلقاها وهو يقلبها غير مصدق :

ـ وسجائر أجنبية كمان ؟ .. دى بلاد برة حلوة قوى

هه ! ..

حلوة ؟

“ـ اذهب ياهذا وتسول فى بلدك

كان يمسح عن الوجه كل يوم آلاف الشتائم

ـ أى أجر تريده أيها المصرى بعدما قدمته لك من طعام ؟

ويدور فى الشوارع حائرا .. “

واستأذنه الخفير للاطمئنان على الأمن فى القرية ..

وفى بلاد برة لم يشعر بالأمان أسفل شمس الظهيرة ..

وفى ليل قريته الأسود يشعر بكل الأمان

ـ الحقنى يابيه

من بين ظلام الليل خرجت منكوشة الشعر .. لطخت الأصباغ كل وجهها .. الذعر بين الأحداق يبدو واضحا .. الأنفاس محترقة .. خوف .. وقلق وتوتر ونظرات مرتعدة من قادم مجهول .. اختفت خلف ظهره .. أحاطته بذراعيها صارخة :

ـ أنا فى عرضك يابيه

والعرض هناك . كان مثل الطول .. والليل كان طويلا ..

ـ أنا بريئة .. والله العظيم بريئة

والبراءة كانت هناك لاتعنى مجرد الاعتذار لابن البلد الذى هو صاحب الحق دوما .. بل يجب أن يصاحبها استسلام لرغبته وقرار بالترحيل فورا ومغادرة البلاد . بعد التنازل عن كل المستحقات ..

ـ احمينى الله يخليك

وقبل أن يلتفت إليها مستفسرا عما حدث اخترق سواد الليل شبحان عريضان .. يقبضان على بنادق أشد غلظة .. يتطاير من عينيهما شررا يعرفه جيدا .. ويحسه .. و .. قصدوها دون أن يتفوها بأية كلمة .. وسحبوها مثل الذبيحة إلي السواد والمجهول

ـ فى عرضك يابيه .. احمينى

ولم يستطع حماية نفسه عندما انهالوا عليه ركلا لأنه تجرأ وطالب بحقه وحق بقية العمال المصريين هناك .. وعندما دق باب السفارة المصرية هو ومن معه قالوا لهم ..

ـ غدا أو بعد غد ينتهى السفير من إعداد مراسم حفل أعده بمناسبة مرور عشر سنوات على بدء تطبيع العلاقات بين هذا البلد العربى ومصر ..

وعاد الخفير يشق الظلام بصوته الجهورى .. وسأله :

ـ مروا من هنا ولاشك ؟

ولم ينتظر الإجابة بل عاد يقول :

ـ كانت الليلة دخلتها .. العريس وجدها اللهم احفظنا واستر على ولايانا

شعر بغصة تملأ الحلق اليابس

المنازل بالمسلح

الفيديو فى المقاهى والمنازل

والدش

والخبز من الفرن الأفرنجى

والسهرة الصباحى حول الأفلام الممنوعة

و .. هو كان ممنوعا من دخول الصحف فى بلاد برة

ـ حتى الصحف تريدون احتلالها ؟

وقال له رئيس التحرير :

ـ كتاباتك صدقنى جيدة .. ونحن فى أمس الحاجه إليها .. لكن ما باليد حيلة

وعندما استفسر عن السبب أجابه :

ـ إنها أوامر عليا

ويتساءل :

ـ والإعلام الذى ينشد لروح الترابط والإخوة بين البلدين ؟

وضحك الرجل وقال فى ألم :

ـ لازلت صغيرا ياولدى وستفهم الواقع ذات يوم

ويخرج فى ذهول ……

ـ أنا بريئة .. والله العظيم بريئة

سيقتلونها الليلة .. والوفاة فى تقرير طبيب الوحدة الصحية ستكون طبيعية … أما العمدة كتر خيره فلن يقوم بإبلاغ المركز فهو أيضا مقتنع بأن العار لايمحوه إلا الدم … وكانت الدماء تنزف من كتفيه وهو يحمل فوقها الطوب والأسمنت … وكانت الملابس متسخة   والشوارب واللحى كثة … والعيون غائرة … والعروق من شدة الإرهاق والجوع نافرة … ومع عشرة آخرين كان يقيم فى غرفة واحدة … ودخان الجوزة والسجائر والأنفاس المحترقة … والنوافذ مغلقة خشية هجوم الشرطة عليهم

والجوع

والعرق

والمرض

والليالى السوداء

والذكريات التى تأبى مفارقة مخيلته

ـ ابنتى لن تتزوج إلا ممن يسعدها

والسعادة هى الغرفة البلاكار .. والانتريه المودرن .. والسفرة .. والثلاجة .. والفيديو .. و .. سافر ..

وتزوجت هى من شخص يسعدها بما حمله لها من هدايا وعطايا

يمسح دموعا ملتهبة حفرت طريقها فوق الخد الساخن .. يشق شوارع القرية .. يتوجه إلي منزله .. يدق القلب فى عنف مع دقاته على الباب .. يطالعه وجه أمه من خلفه

ـ ابنى

تحتضنه بقوة

تذوب ملامحه بين ذراعيها

تختلط الكلمات بالنحيب بالقبلات

يتخلص من يديها برفق

يفتح حقيبته الصغيرة

يخرج منها عشرات الدولارات

يلقيها على الأرض بقرف

يخرج جواز السفر

يمسكه فى ضيق

يمزقه بإصرار

وبينما أخذت الأوراق تتساقط من حوله

غرس رأسه فى صدر أمه وأجهش بالبكاء

(17)

وقبل أن تنتهى من قراءة أوراقك ويومياتك وقصصك ورسائل هدتها ليالى السفر والترحال  يطالعك وجه عادل رياض كالشبح من قلب الظلمة راسما فوق شفتيه ابتسامة شيطانية ذات مغزى لم تسترح إليها .. تنقضى اللحظات عقارب مسمومة فى نهايتها كان لابد من الانصياع لرغبة كان يخطط لها عندما علم بوصولك للسمارة .. يصاحبك شعور بالخزى . كأنك امرأة اغتصبوها على مرأى ومسمع من الجميع ……

(18)

حولك وحول عادل رياض يلتف الأهالى غير مصدقين …. تصدمك مئات الهتافات

وحبيبكم مين .. عادل بيه

أهلا .. أهلا عادل بيه

يا أهلى وعشيرتى أبناء قرية السمارة

 أعدكم بعد نجاحى فى الانتخابات أن …

وسوف ……

تصفيق

هتافات

أغانى ..

وتراتيل

ياأبو العلمين مدد

يارئيسة الديوان مدد

وسوف أشيد لكم خمسة مساجد دفعة واحدة

” …….. أيها الوغد إذا كنت لاتعرف الصلاة ولم ترتاد مسجدا طيلة عمرك فكيف ؟ .. “

آلاف العيون تخترق جلدك ..

يتفصد العرق غزيرا .

تشعر بالذوبان والتلاشى .. سامحينى يا أسماء فالتيار كان هذه المرة عنيفا

ـ أرجوك يابنى اذهب معه إنه وحش وبإمكانه تنفيذ تهديده ضدك

 تحاول أن تعترض .. تصرخ فيك أمك :

ـ سيرك مع عادل رياض الليلة فى حملته الانتخابية لن يضيرك كثيرا

ـ والناس يا أمى ؟ .. وضميرى ؟

ـ سيعرف الناس الحقيقة ذات يوم . فقط أرجوك اذهب الآن معه . حتى لايلفق لك تهمة قتل أسماء خاصة وأنه أطلعك على صور ورسائل خاصة بكما معا . وشريط مسجل عليه أسرار لم يعرفها أحد من قبل .. ويعرف أيضا أنك ..

 تغلق أذنيك حتى لاتسمع بقية حديث أمك

رباه كيف تتحول المشاعر . وأسرارنا الخاصة إلى تجارة تخضع للمساومات ؟

أى زمن نعيشه ياربى ؟

وأى ألم يقبع مستكينا فى الأعماق ؟

وأنا يا أسماء وحيدا رغم مئات الناس والزحام والطريق .. ولا أعرف لمن هذا الوجه الذى يرتسم فى مقدمة هذا الرأس الذى يقف فى مواجهة هذا القطار .. ؟

 لا أعرف صدقينى وأحاول

……….

أحاول يا أسماء …

………

أحاول

……….

” طاخ “

ياساتر يارب

فيه إيه ؟

ماذاحدث ؟

خطوات ..

زحام ..

كتل بشرية هائمة على وجهها

يا الله مابالهم هكذا يندفعون ؟

وما بال هذا الجسد ملتهبا

ـ أحمد أفندى

ـ أحمد يابنى

ـ إسعاف يا إخوانا الجدع بيموت ..

ـ استرها يارب

ـ الست أسماء وأحمد أفندى فى ليلة المولد ؟

ـ إيه اللى بيحصل للسمارة ياعالم ؟

ـ حرام والله العظيم

” ….. أنت ورم خبيث يجب أن نخلص الناس منه

………. وكانت المظاهرات مدوية

مين ياناس ياكلها مين . دى اللحمه بمية وتسعين

واللحمة اليوم غالية إلا لحم البشر ولا أحد يستطيع الاعتراض

يا إلهى نمل يزحف فوق الصدر

والقطار الأسود أراه لأول مرة وأنا مستيقظ

قادما وسط الزحام والناس

يندفع  ولاتستطيع الكتل البشرية أن تصده

يتجه نحو هدفا يعرفه ..

والرأس عنيدة ..

والوجه يا أسماء أحاول تمييزه ..

وأنا متعب وأشعر بالإرهاق ..

ووجه عادل رياض يقف وسط الدائرة التى تحيط بهذا الجسد المسجى

أسماء يارب السموات هذه أنت أخيرا ..

لماذا خدعنى الجميع وقالوا أنك ..

حمدا لله أن الأمر كان بمثابة خدعة ولم يكن حقيقه ..

آه يجب أن أنهض الآن فلدى أشياء كثيرة أود أن أسر بها إليك .

وهذه المرة لن يتمكن عادل رياض من رصد كل ما أود قوله لك

ـ الإسعاف اتأخر ياعالم والجدع يهذى

وكنا نحلم يا أسماء بمنزل صغير يأوينا معا .

وأطفال .

وصفصافة شامخة لاتأبه بالعواصف ..

والحلم رغم بساطته كان بعيدا ..

لكن هاأنذا ألمس السماء بيدى .. والجميع لايعرفون أن الإسعاف لابد أن يتأخر ليتم كل شىء كما تم التخطيط له ..

لكننى سأكشف كل شىء

و ..

رباه لماذا تنحبس الكلمات فى فمى هكذا ؟

و ..

ياالله .. الجسد يخفت رويدا

أسماء إننى ..

إننى أموت

……….

ـ سترحل إذن ياشاطر غريب ؟

ـ وهل يملك مثلى غير الرحيل بديل ؟

ـ خبرنى بربك متى ستكف عن الرحيل ؟

ـ عندما يكفون عن مطاردتى فوق الأوراق .. وعن تفتيش عقلى عن حلم هارب من سياطهم

……….

هزمونا يا أسماء

قتلونا فى ليلة واحدة

والقطار أسود عملاق

والرأس فى المواجهة

والرصاصة استقرت فى الصدر

والوجه الذى يرتسم فى مقدمة هذا الرأس أشعر بأننى أعرفه

وأنا متعب

والرحلة كانت قاسية

والدائرة من حولى تكبر

وصرخات أمى تأتينى من بعيد :

ـ قتلوك يا أحمد .. قتلوك ياكبد أمك

 والسماء تقترب

والرأس ينشطر أسفل عجلات القطار لألف ألف رأس

وكل منها يقف فى مواجهة قطار آخر

كل منها لها وجه

الوجه أشعر بأننى أعرفه

نعم أعرفه

هذا الوجه له نفس عينى

له نفس أنفى

وفمى

هذا الوجه يا أسماء وجهى

والرأس أيضا رأسى

رباه هل كان يجب أن أدفع عمرى ثمنا لاكتشاف هذه الحقيقة

وأنا وسط هذا المولد ؟

إنتهت

عن المؤلف

ـ الدكتور أحمد عبد الهادى

ـ رئيس حزب شباب مصر

ـ رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر

ـ من مواليد محافظة الدقهلية

ـ حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة المنصورة

ـ دراسات عليا فى مجال العلوم التربوية من جامعة المنصورة

ـ حاصل على الدكتوراة الفخرية لتميز أبحاثه ودراساته فى مجال شئون حركات الإسلام السياسى فى مصر وتميزه وريادته فى مجال الصحافة الإلكترونية

ـ عضو نقابة الصحفيين المصريين

ـ عضو إتحاد الصحفيين العرب

ـ عضو منظمة الصحفيين العالمية

ـ السيرة الذاتية فى المجال السياسى :

ـ إنضم لغالبية الأحزاب المصرية منذ دراسته الجامعية بحثا عن حزب يهتم بجيل ثورة الإنترنت وكان له فيها دورا غير عاديا لكنه تركها جميعا عندما لم يجد فيها الأهداف التى يبحث عنها .

ـ أحدث إنقلاب غير عادى فى كل الأحزاب التى إنضم لها وضم لها آلاف العضويات وأشرف على عشرات المؤتمرات الجماهيرية داخلها

ـ لم يقتنع بفكر كل الأحزاب على الساحة لأنه وحسبما ذكر لم تعبر عن فكر وحلم الجيل الجديد فى مصر فتركها إلى غير عودة

ـ أسس تجربة منتدى شباب الغد الذى إستضاف عشرات من رموز السياسة وآثار الكثير من الجدل بما فجره من قضايا داخله .

ـ أسس وساهم فى تأسيس عدد كبير من اللجان الشعبية السياسية فى مصر وتركها هى الأخرى بسبب رفضه لصراعات وجدل النخبة داخلها

ـ أسس تجربة حزب شباب مصر الذى جعل برنامجه هو نفس برنامج جيل الإنترنت وثورته على الساحة المصرية والعربية والدولية وجعل حزب شباب مصر معبرا عن أحلام وفكر وتوجهات هذا الجيل .

ـ يعتبر رئيس الحزب السياسى الوحيد الذى تجول فى كل قرى ونجوع مصر وإلتقى بالملايين من المصريين والشباب فى كل محافظات مصر .

ـ السيرة الصحفية :

ـ يمارس الكتابة الصحفية منذ طفولته

ـ أصدر العديد من المجلات والصحف منذ صغره والتى أحدثت ضجة فى الأماكن التى نشرها فيها

ـ عمل مراسلا لغالبية الصحف العربية والدولية

ـ رئيس تحرير وكالة (كايرو برس ) للإعلام والتى أسسها خلال الفترة (1998 ـ 2005م) وعمل بها حوالى مائتى صحفى .

ـ رئيسا لمجلس إدارة ورئيس تحرير جريدة شباب مصر الأسبوعية الورقية التى أصدرها حزب شباب مصر خلال الفترة من بداية عام 2006م حتى منتصف عام 2011م والتى عمل بها أكثر من 300 صحفى وحصل 35 صحفى منهم على عضوية نقابة الصحفيين

ـ رئيسا لتحرير عدد من الصحف الإلكترونية التى كان يعمل بها عدد كبير من الصحفيين فى كل أنحاء العالم

ـ عضو المجلس الأعلى للصحافة (2005م ـ 2011م)

ـ السيرة الذاتية فى مجال الصحافة الإلكترونية :

ـ كان له إهتمام خاص بالصحافة الإلكترونية منذ منتصف التسعينيات فى وقت لم يكن العالم بأثره يهتم بهذا المجال وله أبحاث ودراسات وكتابات عديدة فى مجال الصحافة الإلكترونية

ـ أسس جريدة شباب مصر الإلكترونية اليومية والتى تعتبر أول جريدة إلكترونية يومية فى مصر والتى لاتزال تصدر على الإنترنت ويكتب فيها مئات من الكتاب العرب من كل أنحاء العالم www.shbabmisr.com

ـ أسس وحدة الصحافة الإلكترونية بنقابة الصحفيين عام 2000م والتى تولى رئاستها ومن خلالها كان يتم مناقشة مستقبل الصحافة الإلكترونية والتى تعد أول منظومة رسمية فى العالم تهتم بمجال الصحافة الإلكترونية وتم من خلالها عقد عدد كبير من المؤتمرات التى تبحث فى قضايا الإعلام الإلكترونى فى وقت لم ينتبه العالم بأثره لهذا النوع من الصحافة الإلكترونية .

ـ قاد مبادرة مصرية وعربية ودولية لتأسيس الإتحاد الدولى للصحافة الإلكترونية والذى تولى رئاسته خلال الفترة (2000 ـ 2005م) والذى ضم فى عضويته أكثر من 300 ألف صحفى من كل أنحاء العالم .

ـ وضع برنامج حزب شباب مصر الذى يقوم على أساس تبنى دور فاعل للأجيال الجديدة التى أطلق عليها جيل الصداقات عابرة للقارات وهو جيل الإنترنت وأكد برنامج حزب شباب مصر أن هذا الجيل سيتمرد على كل الحكومات فى العالم مالم يقترب الجميع من قضاياه ومشاكله وهو أمر تحقق بعدها فى دول الربيع العربى والكثير من دول العالم .

ـ تم إستضافته فى غالبية وسائل الإعلام الدولية للتحدث عن الصحافة الإلكترونية ومستقبلها فى العالم فى وقت لم يكن العالم قد إنتبه فيه لهذا النوع من الصحافة

ـ نظم الكثير من المؤتمرات وورش العمل فى مجال الصحافة الإلكترونية وإستضاف خلالها خبراء ورموز العمل فى مجال النشر الإلكترونى

ـ إصدارات الكتب :

ـ أصدر العديد من الكتب فى مجال السياسة والصحافة والأدب والفكر المجتمعى المصرى

ـ تم إختيار كتابه (إنقلاب فى بلاط صاحبة الجلالة ) كواحد من أهم مائة كتاب أحدثت ردود أفعال غير عادية على الساحة وتم مناقشته فى العديد من المعارض والمنتديات الثقافية الدولية والمصرية وشارك فى مناقشته رموز صحفية وثقافية وسياسية .

ـ صدر له مجموعة قصصية بعنوان ( أطفال وقتلة ) والتى أحدثت ضجة كبيرة وناقشها رموز السياسة والأدب فى مصر من خلال الندوات والمنتديات الثقافية والسياسية والأدبية .

ـ له تحت الطبع عشرات الكتب فى مجالات الأدب والسياسة والثقافة .

 

 

ـ بيانات التواصل مع المؤلف :

ـ بريد إلكترونى

ahmed@shbabmisr.com

ـ الصفحة الشخصية على الفيس بوك

 www.facebook.com/ dr.ahmedabdelhady

ـ الصفحة الشخصية على تويتر

www.twitter.com/shbabmisrleader

 

 

 

 

 

اضف رد