ساحة التراث الإنساني…تحتضر في صمت

المسائية العربية

hassan-bouhi

بقلم : حسن البوهي

تعيش ساحة جامع الفنا خلال الفترة الأخيرة على إيقاع حالة من التدهور والتردي غير مسبوقة، فخفت وميض إشعاعها الحضاري، وتبخر إرثها الإنساني مع أدخنة المأكولات  التي أصبحت تستأثر على باقي أشكال الفرجة والمرويات الشفوية، هذه الأخيرة تحتضر في صمت وتسير بشكل تدريجي في اتجاه موتها السريري الوشيك…تسارعت وثيرة التحولات السلبية التي عرفتها فانتقلت –على لسان القلة القليلة من الحلايقية المتبقيين-  تنتقل من سيء إلى أسوء في ظل الصمت المطبق للأوصياء والمسؤولين عليها بوزارة الثقافة والسلطات المحلية، الذين يعاينون سيناريو موتها المحقق من دون أن يحركوا ساكنا لانتشالها من حالة الفوضى والتردي التي تسببت في نزوح الحكواتيين وهجرتهم صوب وجهات أخرى لعرض حلقاتهم  بعدما لم تعد تستوعبهم ساحة الفنون العالمية بمراكش…سيرورة التحولات الخطيرة التي تعرفها ساحة جامع الفنا ستُتوّج إذا لم يتم اتخاذ إجراءات استباقية مستعجلة- بدق أخر مسمار في نعشها القيمي والتراثي من خلال إقدام منظمة اليونسكو على سحب اعترافها بها كتراث شفوي للإنسانية، وهي ستكون ضربة موجعة للإرث التاريخي والحضاري لمدينة مراكش العريقة، ولعجلة اقتصادها السياحي الذي سيتأثر بدرجة كبيرة، ومن المنتظر أن تنتج عنه العديد من المُعضلات الاجتماعية.

  في هذا الملف صرخة استغاثة ساحة التراث الشفوي الانساني، وكشف تجليات التردي والاندحار التي أضحت عليها، ووففة من خلال بعض الشهادات لبعض روادها المُخضرمين على طبيعة التحولات التي تعرفها وتجليات الفوضى التي تُعجل بموتها السريري الوشيك، كما ستقف على تجليات الواقع المعيشي للحلايقية وأهم المشاكل والإكراهات التي تعترض سير حياتهم المعيشية المصطبغة بلون المعاناة، مُتوقفة على جانب من النتائج القيمية والاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن سحب اعتراف منظمة اليونسكو بساحة جامع الفنا كتراث إنساني لامادي.

 مخاض التصنيف..والموت المبكر لجمعية “ساحة جامع الفنا تراث شفوي للإنسانية”

اقترنت  ساحة جامع الفنا كتراث إنساني لا مادي بمرويات الحكواتيين الذين ساهموا في أن يخترق صيتها الحدود المحلية الوطنية ويصل إلى العالمية، ويذكر عدد من الباحثين والمهتمين أن الساحة منذ بداية تسعينات القرن الماضي بدأت تفقد شيئا فشيئا بريقها، ومن ضمن هؤلاء الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو الذي استشعر الخطر المحدق بالساحة فكتب مقالا عنونه ب: “ساحة جامع الفناء، تراث الإنسانية الشفوي” مرفوقا برسومات للفنان الألماني المقيم بمراكش هانس فيرنر غوردتس، فأثار ذلك المقال العديد من ردود الأفعال، كان من بينها رد المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو فيديريكو مايور، الذي ورد آنذاك بمجلة المعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط عدد 13/2010) فقال: ‘ لن أنسى أبدا زيارة قام بها الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو لي في باريس، وعرض علي خلالها فكرته، قال لي: ” بذات الطريقة التي نهتم بالتراث الثقافي والطبيعي، علينا أن نهتم بالتعبيرات الموسيقية، والأدبية أو التعليمية التي عبرها نكتشف الخاصية التي تميز الجنس البشري، أعني خاصية الإبداع، والقدرة على التفكير والابتكار والتخيل، والتوقع والتجديد. ستستفيد الإنسانية كلها لو تنبهت للقيمة التي تمثلها هذه المنتوجات الثمينة، التي أهملت للأسف. ولكي”نحصر ما لا يمكن لمسه” ويصبح واقعا، علينا رؤية ما وراء الأحداث اليومية، بعيدا عن التقلبات والتحولات اليومية. من الضروري تحقيق رؤية قادرة على الجمع بين ما هو محلي وما هو عالمي، ما هو راهن وما هو بعيد، ما هو على المدى القصير والشعور بالزمن التاريخي’..

 

وبالموازاة مع ذلك يذكر الأستاذ جعفر الكنسوسي أنه كانت هناك مبادرة لدى مجموعة من الباحثين والمثقفين المراكشيين الذين كانوا يأتلفون في إطار “ديوان الأدب” من أجل إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة ولساحة جامع الفنا، فتركز الاهتمام على التفكير في مبادرات وآليات اشتغال بديلة من أجل الحفاظ على الساحة وتثمين زخمها التراثي والفني، فتم التحضير بتنسيق مع الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو الذي كان عضوا في الجمعية نفسها لتظاهرة دولية هي الأولى من نوعها حول موضوع “التراث الإنساني الشفوي للامادي” في شهر يونيو 1997. حضرها خبراء من مختلف دول العالم، فشكلت بذلك بداية مرحلة انتقالية دامت ست سنوات. وفي سنة 1998 تم تأسيس جمعية “ساحة جامع الفنا تراث شفوي للإنسانية” لكي تضطلع بمهمة التحضير لملف ترشيح الساحة وتقديمه إلى جنة تحكيم تتكون من 18 عضوا من بينهم: الأميرة بسمة بنت طلال (الأردن)، كارلوس فوينتيس (المكسيك)، هايديكي هاياشيدا (اليابان)، وألفا كوناري (رئيس جمهورية مالي) وعزيزة بناني (سفيرة المغرب لدى اليونسكو) وأعضاء من الهند وباكستان والإمارات والقوقاز وليتوانيا وبوليفيا.. تجتمع هذه اللجنة مرة كل سنتين من أجل دراسة ملفات الترشيح المقدمة من قبل الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو أو من قبل الجمعيات غير الحكومية. وفي اجتماعها الأول بتاريخ 18 ماي 2001 درست اللجنة أربعين ترشيحا اختير منها 18، كان من بينها ساحة جامع الفنا.

 

 

ويضيف الأستاذ جعفر الكنسوسي الذي كان من ضمن أعضاء المكتب المسير لجمعية ساحة الفنا تراث شفوي للإنسانية” أن تشكيلة المكتب كانت تتكون من: مصطفى الزين، خوان غويتيسولو، المؤرخ حامد التريكي، محمد كنديري، محمد حسن الجندي، محمد أبو أيوب، رشيد الهدى ووداد التباع. وضعت الجمعية برنامج عمل يتمثل في إحداث خزانة للوثائق، وقاعة للصور والأصوات لوضع التسجيلات السمعية البصرية الخاصة بالساحة، ثم تنظيم موسم “الحلايقي” على شكل لقاءات سنوية يؤمها الرواة أهل الصنعة من مغاربة وأجانب من أجل إحياء حكايات الفرجة والسهر على الإبقاء على الحلقات العريقة الموجودة، والعمل على إعادة المنقرضة منها مع الحرص على استمرارية تكوين الحلايقية واستخلافهم، بالإضافة إلى نشر وإشهار الكتب ووثائق الإرشاد الخاصة بساحة جامع الفنا، وإحداث صندوق إعانة لفائدة “الحلايقية” الذين توقفوا عن مزاولة أنشطتهم بسبب المرض أو العجز…

 

بعد انقضاء ما يزيد عن 16 سنة من تأسيس جمعية “ساحة جامع الفنا تراث الشفوي للإنسانية” لم يتحقق أي شيء من البرنامج الذي تقدمت به، ولم تقم بأي مبادرة لصالح الساحة بعد الإعلان عنها من طرف منظمة اليونسكو، باستثناء موسم الحلايقي الذي برمج جولات للرواة الشعبيين بالمدارس، ألقوا خلالها أمام الأطفال حكايات من أجل أن يستأنسوا بهذا التراث وينفتحوا عليه لضمان استمراريته، ثم لقاء يتيم بتحناوت سنة 2003 سلّطت فيه باحثة ألمانية تجيد العامية المغربية مداخلة عن دور النساء بالساحة. كان ذلك آخر لقاء نظمته الجمعية، لتدخل بعد ذلك في مرحلة موت سريري إلى درجة أن لا أحد يعرف عنها أي معطيات، ونتيجة لحالة الجمود وسلبية الأداء التي عرفتها هذه الجمعية، قدم الكاتب الاسباني خوان غويتيسولوا استقالته، ليحدو حدوه أعضاء آخرين بسبب صراعات محتدمة بين عضويين من المكتب، وعلمت الجريدة من مصادر جيدة الإطلاع أن أميرا خليجيا منح الجمعية شيكا بمبلغ 80 ألف دولار، من أجل مساعدتها على أن تضطلع بالمهام والأنشطة المنوطة، وكان يخصص منه مبلغ 3000 درهم لكراء المقر بزنقة بني مرين خلف بنك المغرب، غير أنه بعد نشوب خلافات بين عضوين من المكتب المسير، لم يُعرف مصير المبلغ المتبقي هل احتفظت به وزارة الثقافة؟ هل تم إرجاعه للأمير الخليجي؟ هل تم إرساله لمنظمة اليونسكو؟ هل تم صرفه بطرق ملتوية؟ وحدهم أعضاء مُعينين بالمكتب يعرفون مصيره…

images

جامع الفنا: من ساحة الفن والتراث ..إلى ساحة للنصب والاحتيال.. وأشياء أخرى

ساحة جامع الفنا لا تستأثر باهتمام الكتاب والباحثين في مسرح الحكواتين والممثلين والشخصيات المهتمة بعالم الثقافة فحسب، بل أيضا باهتمام مهندسي التمدن والعمران في محاولاتهم الرامية إلى إبداع فضاءات مشابهة شيئا ما لها في المعمور، ويعد هذا التراث على لسان عدد من الباحثين بنية ناطقة عن عالم ملحمي غني بأصالته المستمدة من الأسلاف، ذلك أن الثقافة الشعبية تتداول بطريقة شفوية في دوائر الحلقة، إذ يُمكن الزوار من تلقي بدائع الأخبار الخاصة بسير الأنبياء ومناقب الأولياء، عبر حكايات وقصص ألف ليلة وليلة، والتعابير الهزلية الساخرة والملحمات وذكرى منطق الطير.

وفي هذا السياق يستحضر المرحوم الأستاذ أحمد الخلاصة العصر الذهبي لهذه الساحة من خلال دراسة له بقوله: ..فظهرت فيها مجالس “رواة” التاريخ والسير والقصص، استجابة لإلحاح وحاجة الجماهير لذلك، فكان أصحاب هذه المجالس يروون من السير، سيرة عنترة ابن شداد في تسعة أجزاء ضخمة، قد تستغرق روايتها سنة. يمعنون في رواية كل ما فيها من شعر ونثر، من حقيقة وخيال، ويروون كذلك سيرة سيف ابن ذي يزن وسيرة الإمام علي بن أبي طالب، بالإضافة إلى الأزلية وألف ليلة وليلة، وتدل مواظبة الهواة على مدى حاجة الجماهير إلى تلك المجالس، فهذا الأستاذ عبد القدر حسن (رحمه الله) يقول في استجواب إنه لم يدرس العروض (بفتح العين) وإنما تعلمه من هذه المجالس وهو شاعر مشهور نظم الشعر في أوائل حياته، فكان له ديوان سماه “أحلام الفجر” وله شعر وطني تعلوه مسحة من التصوف، وإلى جانب أولئك الرواة، كانت هناك مجالس أخرى يروي فيها أصحابها روائع من شعر الملحون، لا تقل سموا وجمالا من عيون الشعر الموزون، يرويها رواتها في تلاحين مختلفة، بالإضافة إلى حلقات الكوميديا وهي عبارة عن حوار بين شخصين تتخلله نكات مضحكة، وحكم وأمثال، ونجد إلى جانب ذلك أنواعا من الأهازيج المختلفة، وكان من أهم رواد الحلقة “الشرقاوي” المعروف ب”مول الحمام”، الذي داع صيت حلقته في سائر بلاد المغرب وخارجه، “مولاي احمد الفطز” راوي الملاحم الذي كان يُحيي بحكاياته سير العشاق وأهل الوداد، ويذكر بشجاعة الإمام علي وكرم حاتم، ثم طبيب الحشرات الذائع الصيت، بالإضافة إلى طابور طويل من الحلايقية المبدعين الذين عاصروا الفترة الذهبية للساحة وساهموا في إنتاج وخلق الفرجة الخلاّقة والحكي الهادف.  

في السياق نفسه ورد على لسان المرحوم أحمد الطيب العلج ” …ونجد في حلقة جامع الفنا، حلقة الفقيه المحدث الذي يفسر القرآن الكريم لعامة الناس، إن بالعامية لمن يعرف العربية، وإن بالأمازيغية لمن لا يعرف العربية، وكان هذا الفقيه يقوم بدور الواعظ والمرشد والمفتي في أمور الدين، وعنده دائما جواب لكل سؤال، وأذكر أني رأيت هذا الفقيه يأتي بآنية ماء ويعلم الناس فرائض الوضوء بطريقة عملية، وسمعته يترجم القرآن إلى الأمازيغية والمصحف في يده، ويضيف المرحوم أحمد الطيب العلج قائلا: “وأحتفظ في ذاكرتي صورة لرجل كنت قد رأيته مرارا بعد ذلك في جامع الفنا، كان رجلا وسيما رائعا مهيابا يتمتع بوقار اكتسبه من وجهه الجميل، ومن بعض الشيب الذي خضب لحيته لكثرة السوداء، هذا الرجل الفنان كان يلعب بالسكاكين يرمي بها ويتلقاها بخفة ومهارة وفن، يبدأ بسكين ثم اثنين ثم ثلاثة، ومتى وصل العدد إلى سبعة سكاكين تدور في فلك بين الفضاء ويديه، يطلب من جمهوره قائلا: إن كنا نحظى بإعجابكم فأنتم أيضا تحظون بإعجابنا وأن حلقتنا بلا وجودكم والتفافكم لا شيء بالإطلاق، ومُتعتنا بكم لا تقل عن متعتكم بنا…”

يذكر بعض الرواد القدامى لساحة جامع الفنا أنها كانت فضاء مناسبا للتثقيف ولإعمال الحس النقدي لدى جمهور الحلقة، واعتبرها عدد من المتحدثين للجريدة أنها كانت حتى عهد قريب تشكل مدرسة حقيقية لما تزخر به من تجارب ومرويات حكائية تنهل من أمهات الكتب والمعاجم…، أما الواقع الحالي لهذه الساحة التراثية فإنها تكشف على الطرف النقيض، إذ أصبحت فضاء للنصب والاحتيال والمضايقات المتتالية لزوار الساحة من طرف عينة من الحلايقية الجدد وأصحاب المأكولات، وهو ما تسبب في إثارة غضب واستياء عدد من السياح الذين اتخذوا بعضهم قرار عدم العودة لزيارة الساحة بصفة خاصة ومدينة مراكش بصفة عامة،   وفي هذا السياق أوردت مصادر الجريدة أن بعض الناشطين في الساحة لا يتوانوا عن السب والشتم إذا رفض الزائر الاستجابة لاستفزازاتهم وامتنع عن إمدادهم بأوراق أو قطع نقدية، فأصبحت الساحة فضاء للتسول بامتياز، كما أن عددا من الحلايقية يتحايلون على بعض الزوار والسياح الأجانب ويستدرجونهم إلى أخذ صور معهم، وبعد ذلك  يطالبونهم بمقابل مالي مبالغ فيه يصل في بعض الأحيان إلى 100 درهم، من جهة أخرى أوردت مصادر الجريدة أن أصحاب بعض محلات الأكل يُروجون بين الفينة والأخرى أصنافا من المخدرات والمشروبات الكحولية في غفلة عن رجال الأمن، وقد تم إلقاء القبض مؤخرا على أحد هؤلاء المروجين.

صرّح عدد من المواطنين المراكشيين أنهم يمتنعون عن المجيء إلى ساحة جامع الفنا رفقة أفراد أسرهم وأهليهم، وقد أرجئوا أسباب هذه الامتناع والمقاطعة إلى التحرش الجنسي والاحتكاكات الشاذة التي يختلقها بعض الملازمين لحلقات الساحة، وهو ما تنتج عنه مشادات كلامية تمتد في العديد من المناسبات إلى التشابك بالأيدي، وتجنبا لهذه السيناريوهات التي تسبب حرجا كبيرا يخدش الحياء يُفضل عدد من المواطنين عدم اصطحاب أفراد أسرهم، علما أن العديد من الأسر المراكشية كانت في فترة الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي تأتي جماعة إلى الساحة يوم الأحد وتستمتع برونق وعذوبة فنون الفرجة والترفيه.

إن ممارسات أشكال النصب والاحتيال والسرقة والسلوكات الجنسية الشاذة أترث في السنوات الأخيرة على سمعة ساحة جامع الفنا، وانعكست أثارها بشكل سلبي على مستوى الإقبال بصفة عامة على الحلقات، فتضررت دينامية وحركية الساحة، وتراجعت معها المداخيل المالية للحلايقية الملتزمين بفن الحلقة وأدبياته، ومع تزايد أشكال هذه الممارسات والسلوكات اضطر عدد من رواد فن الحلقة إلى مغادرة ساحة جامع الفنا والالتحاق بالأسواق القروية التي ما زالت توفر الشروط الأخلاقية والتعويضات المادية المناسبة لهذا الفن.

المعاناة المعيشية لحلايقية ساحة جامع الفنا

أثناء تجولنا بساحة جامع الفنا، تنقلنا من حلقة إلى أخرى، وعلقت في أدهاننا الصورة الباسمة للحلايقية وبشاشة أساريرهم التي توزع قبس البهجة والحبور على الجمهور، غير أنه بمجر أن انفردنا بهم لمعرفة ظروف اشتغالهم وطبيعة عيشهم اليومي، حتى تغيرت معالم ابتساماتهم العريضة إلى ابتسامات تهكمية، أعقبتها آهات وتنهدات نابعة من إكراهات واقعهم المعيشي، وفي هذا السياق ذكر “ايت الحسن لحسن” رئيس جمعية حرفي الحلقة للفرجة والتراث الشعبي المغربي بساحة جامع الفنا” أن الحلايقية هم الحلقة الأضعف بالساحة التراثية، وغالبيتهم يتقاسمون مرارة العوز والفقر، فيضطرون إلى إيقاف أنشطتهم الفرجوية ومغادرة الساحة إلى مناطق أخرى جريا وراء لقمة العيش، مضيفا أن ساحة جامع الفنا فقدت الكثير من خصائصها الفرجوية والحكائية وتراجع إشعاعها الإبداعي فلم تعد كما كانت في السابق، مشيرا أن دخله اليومي لا يتجاوز 40 أو 70 درهما، و100 درهم في الحالات الاستثنائية التي تتزامن من أيام العطل، وهذا المدخول لا يغطي الاحتياجات الضرورية لأبنائه الستة، لاسيما بعد ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية وارتفاع فاتورتي الماء والكهرباء، وهو ما يجعله دائما يدور في نقطة الصفر ولا يدّخر شيئا، أما في حالة مرضه فإنه يلازم الفراش بدون أدنى مساعدة أو تغطية صحية، باستثناء المبادرات التضامنية التي يقوم بها زملاءه في الحلقة، واستحضر في هذا الإطار أن أحد الحلايقية بمجموعة “الحوزي” أجرى عملية جراحية في الفترة الأخيرة ولم تقو أسرته الصغيرة على تغطية مصاريف علاجه، فقام زملاءه بالساحة بجمع مبلغ 200 درهم على شكل مساهمات فيما بينهم وقدموها لأفراد أسرته، وما زال إلى غاية كتابة هذه السطور لم يتماثل للشفاء، وأسرته الصغيرة تجد صعوبة كبيرة في تغطية مصاريف علاجه واحتياجاتها الضرورية.

صرح “أيت الحسن لحسن” الذي يقدم الحلقة الفكاهية “ثنائية الشلح والعروبي” أنه ينشط بساحة جامع الفنا منذ سنة 1965، كان في البداية يقوم ببيع بعض المأكولات عندما كانت المحطة الطرقية بالقرب من الساحة، ثم تلقى أصول فن الحلقة على يد معلمه “محمد بو يديا” الذي وافته المنية، فعمل مع زملاء له توفوا هم الآخرين ك”المهدي باقشيش” و”حسن الحلفاوي”، ويمارس حاليا إلى جانب زميلين له يتقاسمان وإياه نفس المعاناة والإكراهات، وأضاف المتحدث أن جمهور الحلقة لم يعد ينفحهم كما كان في السابق بسبب الإشاعة التي تم تداولها بين الزوار وسكان المدينة الحمراء، وهو أن الحلايقية بساحة جامع الفنا يتقاضون مبلغ 3000 درهم شهريا من طرف منظمة اليونسكو، وهذا الأمر غير صحيح بالإطلاق لأن حرفيي الساحة لا يتلقون أدنى دعم أو مساعدة من طرف أي جهة، باستثناء بعض المساعدات الموسمية للمجلس الجماعي لمراكش في عهد العمدة السابق، بحيث كانت تقدم لهم أضاحي “العيد الكبير” ومبلغ 700 درهم شهريا بين الفينة والأخرى، وهذه المساعدات لم تدم طويلا، إذ سرعان ما توقفت هي الأخرى وتُرك الحلايقية بدون أدنة التفاتة، مضيفا أن المجلس الجماعي الحالي منح جمعيته مبلغ 5000 درهم في إطار الدعم السنوي الذي يقدمه للجمعيات، وهزالة هذا المبلغ لا تخول للجمعية القيام بأي مشروع أو تنظيم تظاهرة تليق بقيمة ورمزية الفنون الشعبية بساحة جامع الفنا.

العديد من رموز ورواد ساحة جامع الفنا الذين خلقوا الفرجة فيما مضى، انتهى بهم الأمر إلى الإهمال والنسيان فلم يعد يتذكرهم أحد – باستثناء بعض أصدقائهم في الحرفة-  رغم أن مسيرتهم المهنية حبلى بالعديد من التجارب الفريدة التي يجب الاستفادة منها وتوثيقها، كما أن مجموعة من رواد الحلقة يعانون من الفقر المدقع والعوز الشديد وهم في أرذل العمر، فلم تشفع لهم سنوات الفرجة والعمل بساحة جامع الفنا عيشا كريما ولا استقرارا معيشيا، وغالبية هؤلاء أجبرهم المرض وكبر السن على التقاعد، وبعضهم الأخر فارقوا الحياة وفي حلقهم غصة الإهمال والنسيان.

التقينا محمد بارز الحكواتي المعروف بالساحة، وكنا نتوقع أن نتعرف على تجربة حلايقي استثنائي من حيث مستواه المعيشي نظرا لمسيرته المهنية الحافلة بالعروض داخل الوطن وخارجه، غير أن توقعنا كان خاطئا إلى حد كبير، فهذا الحكواتي الذي يعد من كبار رواد الحلقة في الفترة الحالية يعاني هو الآخر من قصر ذات اليد، إلى درجة أنه يجد صعوبة بالغة في تسديد فواتير الماء والكهرباء، وأورد محمد بارز وعقد من الدمع ينفرط من مآقيه أن زوجته كانت ستجري عملية جراحية مستعجلة على مستوى الصدر غير أن ضعف إمكانياته المادية حالت دون ذلك، ووضعها الصحي يتدهور يوما بعد آخر، مضيفا أنه امتنع خلال السنوات عن العمل بساحة جامع الفنا لأن ظروف الاشتغال لم تعد مواتية ولم تعد تذر عليه بما يسد به رمق أسرته الصغيرة، ويضطر في بعض الأحيان إلى الانتظار في حالة من العطالة لمدة 4 أو 5 أشهر إلى أن تتاح له فرصة تقديم إحدى عروضه الحكائية بإحدى التظاهرات أو المناسبات الخاصة، وهذه العروض هي موسمية في الغالب، وبالكاد تمكنه من تغطية بعض احتياجاته الضرورية. معاناة محمد بارز لا تتوقف عند الحد بل تمتد لتصبح مآساة، حيث أنه حكم عليه مؤخرا بالمحكمة الابتدائية بمراكش ب6 أشهر حبسا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية تقدر ب20000 درهم، على خلفية القضية التي تعرف إعلاميا ب”الطنجية الكبيرة” التي ظهرت تداعياتها الأولى سنة 2009 عندما اعتزم المكتب المسير لجمعية “حرفي الحلقة للفرجة والتراث بساحة جامع الفنا” تنظيم نشاط “أكبر طنجية بمراكش”، وأورد المتحدث ذاته أن بعض أعضاء مكتبه حصلوا على دعم مالي من طرف بعض المؤسسات والشركات المُدعمة من دون أن يطلعوه على حقيقة الأمر، وتخللت هذه التظاهرة مجموعة من التجاوزات التي يقف وراءها شخصان لا علاقة لهما بفن الحلقة، تمكنا  بدهاء من إيداعه قفص الاتهام وهو بريء من التهم الموجهة له –يضيف محمد بارز- مضيفا بتأثر شديد أن ساحة جامع الفنا ومدينة مراكش بشكل عام لم تنصفه ولم تعترف بكل مجهوداته وتضحياته التي قام بها من أجل إشعاعها الحضاري والثقافي، بل الأكثر من ذلك تعتزم إيداعه السجن بسبب تُهم هو بريء منها، وحسم محمد بارز بشكل قاطع أنه لن يعود لساحة جامح الفنا، وسيحاول أن يجد مورد رزق آخر بعيد عنها. وبذلك تكون الساحة التراثية قد خسرت آخر حكواتييها، الذي ساهم إلى جانب زملاء له في فن الحكي في أن تتبوأ مكانتها العالمية الحالية كتراث إنساني لا مادي.

فوضى ساحة جامع الفنا..

صرّح عدد من الحلايقية ورواد ساحة جامع الفنا، أن هذه الأخيرة تعيش في السنوات العشر الأخيرة على إيقاع حالة غير مسبوقة من الفوضى والعشوائية، التي انعكست آثارها بشكل سلبي على جودة الفرجة التي فقدت الشيء الكثير من بريقها وإشعاعها، وتتمظهر تجليات هذه الفوضى من خلال الصراعات المحتدمة بين الحلايقية وأصحاب المأكولات و”النقّاشات” وبائعي الأقراص المدمجة..وينضوون تحت لواء أكثر من 8 جمعيات وهي: الإتحاد الوطني للحفاظ على كنوز التراث الشعبي، جمعية حكواتي مراكش، جمعية حرفي الحلقة للفرجة و جميع الفنون بساحة جامع الفن، جمعية حرفي الحلقة للفرجة و التراث الشعبي المغربي، جمعية الاصالة لشيوخ الحلقة الامازيغية، جمعية فلكلور عيساوي، جمعية الفن الكناوي المغربي، جمعية المأكولات و المشروبات…

ساحة جامع الفنا تسير في اتجاه موتها السريري بعد أن عمتها الفوضى وحادت عن أنشطتها الفرجوية، وفي هذا السياق أورد الحلايقي “لحسن أيت الحسن” أن العديد من الحرفيين يجدون صعوبة بالغة في تقديم الحلقة لأن كل رقعة من الساحة تحتكرها جماعة معينة، إذ أن الوافد الجديد بل وحتى الرواد القدماء لا يجدون حيزا للاشتغال ويضطرون في نهاية المطاف إلى مغادرة الساحة والالتحاق بالأسواق القروية، وأضاف المتحدث ذاته أن طريقة تموقع بعض الفرق الغنائية والفلكلورية بالساحة التي  تستعمل آلات ومعدات موسيقية تصدر عنها أهازيج وأصداء  صاخبة، تمنع باقي زملاءهم الذين يعتمدون على حناجرهم من ممارسة أنشطتهم الفرجوية، مشيرا إلى أن هذه الفرق التي تعتمد على هذه الآلات والمعدات كان من المفروض أن يتم تجميعها في أماكن خاصة، في حين أن باقي الفرق الفرجوية الأخرى تخصص لها زوايا خاصة بها، كما أن إقدام بعض بائعي الأقراص المدمجة على استعمال مكبرات الصوت بشكل مبالغ فيه تمنع الفرق القريبة منهم من إقامة حلقاتها، وغالبا ما تسفر هذه الممارسات عن مشادات كلامية وسباب وشتائم متبادلة.

 تحتدم حدة هذه الصراعات ابتداء من الساعة الرابعة بعد الزوال. في السياق نفسه ذكر بعض الرواد المخضرمين أن الحلايقية بساحة جامع الفنا سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي كانوا ينظمون فترات اشتغالهم فيما بينهم بشكل محكم، فكان الحكواتيون والبهلاونيون يزاولون أنشطتهم ابتداء من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة 12 زوالا، في حين أن فرق عيساوة تزاول نشاطها ابتداء من الساعة 12 إلى الساعة 14 بعد الزوال، ثم تعود مرة ثانية بعد صلاة العصر إلى جانب فرقة كناوة وباقي الفرق الأخرى..فكانت كل الفرق تمارس أنشطتها الفرجوية في ظروف ملائمة، وكان لكل فرقة جمهورها الخاص يأتي لمتابعتها في الأوقات المخصصة لها. عكس الوضعية الحالية للساحة، التي تشتغل بها فرق محددة طوال اليوم، في حين أن حلايقية آخرين من صناع الفرجة لا يشتغلون نهائيا، لأن شروط ممارستهم لفن الحلقة غير متوفرة.

من جهة أخرى أورد متحدثون للجريدة من حرفيي الحلقة، أن ساحة جامع الفنا أصبحت تُختزل في المأكولات والمشروبات و”النقّاشات”، في حين أن حلقات الفرجة والمحكيات والفلكلور تتراجع بشكل مطرد يوما بعد آخر، وأجمع عدد من الحلايقية أن حالة الفوضى التي تعرفها ساحة جامع الفنا ناتجة بالدرجة عن غياب وإهمال السلطات المحلية ووزارة الثقافة اللتان لم تتدخلا من أجل إعادة الأمور إلى نصابها الأصلي، وقد أدى هذا الغياب والتقصير إلى استفحال المشاكل والخلافات بين رواد الحلقة، فترتبت عنها نتائج سلبية جعلت العديد من الحكواتين وأصحاب الفرجة يغادرون الساحة بعدما لم تعد تستوعب أنشطتهم الفرجوية والحكواتية كما كانت في السابق. ويطالب عدد من الناشطين بالساحة بضرورة تدخل المسؤولين والقائمين على الشأن الثقافي والتراثي من أجل إعادة تنظيم الممارسة المهنية بين الحلايقية المشتغلين بالساحة، وضمان تكافؤ الفرص والمساواة بين الجميع، مع إيلاء المزيد من الاهتمام بباقي أجناس فن الحلقة التي لم تعد موجودة بالساحة والسعي إلى إعادة استقطابها من جديد، وإيقاف منطق الاحتكار الذي أضر بإشعاع الساحة، كما يطالبون بتقديم يد العون والمساعدة وضمان التغطية الصحية للرواد في حالة مرضهم أو عجزهم عن العمل، في السياق نفسه شدد عدد من الباحثين والمهتمين بالتراث والفنون الشعبية على ضرورة العناية برواد ساحة جامع وتحسين ظروف عيشهم لأنهم يمثلون الهوية المغربية ويختزنون الذاكرة الشفوية والحضارية للمجتمع المغربي، مؤكدين على ضرورة التوثيق لأنشطتهم  وحمايتها من شبح الاندثار والضياع.

سحب تصنيف اليونسكو: الضربة الموجعة للقطاع السياحي وللإشعاع الحضاري لمراكش

تعيش ساحة جامع الفنا على إيقاع التردي والتقهقر على عدة مستويات، ومن شأن الوضع المزري الذي تعرفه أن تدفع منظمة اليونسكو إلى سحب اعترافها بها كتراث إنساني لا مادي،  وإذا لم تتخذ أي إجراءات استباقية للوفاء ولو بجزء يسير من الالتزامات التي تعهد بها المسؤولون المغاربة بوزارة الثقافة وبجمعية “ساحة جامع الفنا تراث شفوي للإنسانية” أمام المسؤولين بمنظمة اليونسكو قبيل الإعلان الذي كان بتاريخ ماي 2001، فإن سحب هذا الاعتراف سيشكل ضربة موجعة للإشعاع الحضاري لمدينة مراكش ولحركيتها السياحية، ومن المتوقع حسب عدد من الفاعلين السياحيين الذين التقتهم الجريدة أن تتراجع العديد من وكالات الأسفار العالمية عن برمجة المدينة الحمراء ضمن وجهاتها السياحية المفضلة، لأنها تختار ذلك وفق مجموعة من المعايير والشروط، كتلك التصنيفات الصادرة  عن المنظمات الدولية، من بينها منظمة اليونسكو، وإذا كانت التصنيفات الدولية والدراسات الاستطلاعية تضع مدينة مراكش ضمن 10 المدن الأولى على الصعيد الدولي من حيث الحركية السياحية، فإن ساحة جامع الفنا الشهيرة عالميا تساهم بقسط مهم في اجتذاب أفواج السياح النوعيين الذين تستهويهم الفنون والتراثيات الشعبية، وهذه الساحة من الركائز الأساسية للمنتوج السياحي المغربي، وإذا ما تم استبعادها من قائمته الأساسية سيتأثر بشكل كبير، كما أن الحركية الاقتصادية لمدينة مراكش ستتضرر بالدرجة الأولى، ولا يستبعد أن تتراجع معها فرص التشغيل بشكل ملحوظ، إذ سيتم تسريح العديد من العمال بمجموعة من الفنادق ودور الضيافة.

من جهة أخرى، فإن سحب منظمة اليونسكو اعترافها بساحة جامع الفنا، سيحرم المدينة الحمراء من عينة نوعية من السياحة الثقافية، وسيفتح الباب على مصراعيه للسياحة الجنسية التي تسيء للإرث الحضاري والتاريخي لمدينة مراكش، لاسيما أن هناك العديد من المؤشرات التي توحي بأن وثيرتها ستتزايد في السنوات المقبلة نظرا لوجود العديد من الفنادق التي تُغري السياح بخدماتها الحميمية من خلال قاعات التدليك، بالإضافة إلى حركية سماسرة وشبكات الدعارة بمختلف أجناسها…وذكر عدد من الفاعلين السياحيين أن سحب اعتراف منظمة اليونسكو بساحة جامع الفنا سيرجح كفة السياحة الجنسية على نظيرتها الثقافية، ومن غير المستبعد أن تصبح مدينة مراكش في العقود المقبلة “بانكوك افريقيا” –  بانكوك مدينة تايلانية تصنف حسب التقارير الدولية بالوجهة الأولى للسياحة الجنسية في العالم–

تظهر تجليات التحول الخطير الذي تعرفه الساحة من خلال حالات الاستياء العارم التي عبّر عنها العديد من السياح الأجانب نتيجة عمليات المضايقات والنصب التي تعرضوا لها، كما أن البعض منهم عبروا عن خيبة أملهم على مواقع تواصلهم الاجتماعي- أثناء زيارة الساحة التراثية التي كانوا يتوقعونها في وضعية أحسن مما هي عليه الآن، والبعض الأخر منهم عبّر عن تفاجئه الكبير من الوضعية المزرية التي أضحت عليها الساحة.

–        حوار-

–        الحكواتي محمد بارز: “المسؤولون يتعاملون معنا ك”بخاخش وخنافس.. وسيأتي يوم لن يجدوا فيه هذه الخنافس”

–       أشعر بالغبن الشديد لأني لم أنصف في مسيرتي الحكواتية ولم أنصف من طرف القضاء

يتحدث الحكواتي محمد بارز الذي اقترن اسمه بساحة جامع الفنا، ومثّل المغرب في العديد من الملتقيات الدولية الثقافية والتراثية بمرويات وحكايات مقتبسة من أمهات كتب السير العربية ومن التراث الشفوي المغربي (يتحدث)عن بداية مسيرته الحكواتية وأهم المنابع التراثية التي نهل منها، مشيرا إلى وضعيته المعيشية الحالية الصعبة التي لم تشفع له مشاركاته الدولية وتمثيله للمغرب في أن تتغير نحو الأحسن، مضيفا أن المسؤولين على الشأن الثقافي والتراثي يتعاملون مع الحكواتيين ك”بخاخش” وخنافس، مسلطا الضوء على جوانب من محاكمته الأخيرة بالمحكمة الابتدائية بمراكش التي أدانته على خلفية “قضية الطنجية الكبيرة” ب6 أشهر حبسا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية تُقدّر ب20000 درهم مشيرا في السياق نفسه أنه يشعر بالغبن الشديد لأنه لم يُنصف في مسيرته الحكواتية ولم ينصفه القضاء… من خلال الحوار التالي:

– تحدث لنا عن بداية مسيرتك الحكواتية؟

قبل أن أتعرف على فن الحلقة، انفتحت في سن مبكرة على أبواي اللذان يشكلان مدرستي الحقيقية، فكانا يحكيان لي طرائف القصص والحكايات، وهكذا تعرفت عن طريق مروياتهم على “قصة حديدان الحريمي” و”الحميقة وأخواتها السبعة” القنفذ والذئب”…ثم اكتشفت أصول فن الحكي أول مرة سنة 1967 عندما كنت رفقة والدتي ب”سوق الربيع” بالقرب من حي سيدي يوسف بنعلي، فشاهدت حلقة الشريف “مولاي محمد الجابري” رحمه الله وقد أعجبتني كثيرا، فكنت أتغيب عن الذهاب إلى المدرسة وأحضر حلقته مساء كل يوم، فحفظت عن طريقه 24 قصة، ثم بادرت إلى إقامة أول حلقة لي بنفس الحي الذي أسكن فيه، فأخبر الجيران أبواي، وأذكر أن والدي عاقبني عقابا شديدا، غير أن ذلك لم يتنيني عن متابعة فن الحلقة، فاكتشفت فيما بعد ساحة جامع الفنا، التي انبهرت بها كثيرا، حيث هناك آنذاك أزيد من 20 قصاصا وراويا، فكنت أداوم على حضور حلقاتهم حتى تشبعت بفنون الحكي وتزودت بكم مهم من القصص والحكايات، وأعتبر أن مرحلة سوق الربيع كانت بمثابة المرحلة الابتدائية، وقد أهلتني لأتمم معارفي بساحة جامع الفنا التي أعتبرها بمثابة المرحلة الجامعية…ومن أجل توسيع مداركي اطلعت على أمهات كتب السير العربية ك “الأزلية” بأجزائها الأربع، “الحمزوية”، الوهابية”، “العنترية”، “الفيروزية”…بالإضافة إلى سيرة علي الزيدق، حكايات ألف ليلة وليلة، ثم اطلعت فيما بعد على نصوص لسان الدين ابن الخطيب” بالإضافة إلى العديد من القصص والحكايات لبعض الكتاب المعاصرين ك”عبد الفتاح كيليطو”، “خورخي بورخيص”، “محمد برادة”…وأينما رحلت وارتحلت كانت القراءة والمطالعة هوايتي ومتعتي المفضلة.

هل تم إنصافك في مسيرتك الحكواتية ؟

(يبتسم بسخرية) لم أنصف طيلة تجربتي الحكواتية، لم أحظ بأدنى التفاتة من طرف المسؤولين والأوصياء على الشأن الثقافي والتراثي بمدينة مراكش، لازمت الفراش في العديد من المناسبات ولم يتذكرني لم يلتفت إلي أحد منهم، باستثناء بعض المحسنين والغيورين على الشأن الثقافي الذين يمدون لي يد العون والمساعدة بين الفينة والأخرى، كرست كل حياتي للحلقة ولساحة جامع الفنا، ولم أحظ منها بالشيء الكثير، الأكثر من ذلك مثلت مدينة مراكش والمعرب في العديد من الملتقيات الدولية، وما يحز في القلب أن زملاءنا الحكواتيين بالدول الأوربية التي زرتها كانوا يحضون بمعاملة خاصة من طرف المسؤولين، وتخصص لهم العديد من الامتيازات والمساعدات تقديرا لهم، فيما نحن الحكواتيون في المغرب نعاني من الفقر ونتعرض لشتى أنواع الخذلان… 

(مقاطعا) ولكن.. ألم تدر عليك هذه الجولات بالدول الأوربية مدخولا محترما؟

صدّقني لم أكن أتقاضى الشيء الكثير، وبالكاد كان يؤمن لي بعض ضروريات العيش، بالإضافة إلى أن العديد من زملائي الحلايقية كانوا يقصدونني من أجل مساعدتهم ماديا لاعتقادهم الخاطئ أني أصبحت ميسور الحال، فلم أكن أرد رجاء طالب، رغم أنهم تنكروا لي فيما بعد في محنتي أمام المحكمة.

كيف يتعامل المسؤولون والأصياء على الشأن الثقافي والتراثي بساحة جامع الفنا مع الحكواتيين والحلايقية بصفة عامة؟

إنهم يتعاملون معنا على أساس أننا “ابخاخش” وخنافيس لا قيمة لها، لكن سيأتي اليوم الذي لن يجدوا فيه هذه “البخاخيش” حتى ولو أرادوا وزنها ذهبا، والدليل على ذلك أن ساحة جامع الفنا الآن لم يعد بها أي قصاص، وتم تعويضها بأنماط أخرى من الفرجة الساقطة التي تخدش الحياء وتشجع على الرذيلة.

باعتبارك واحدا من الحلايقية المُخضرمين الذين عاصروا المرحلة الذهبية لساحة جامع الفنا كيف ترى وضعيتها الحالية؟

ضاعت ساحة جامع الفنا، وفقدت الكثير من بريقها وجاذبيتها، ولم يبق منها سوى الاسم.

قضت المحكمة الابتدائية بمراكش الأسبوع المنصرم بإدانتك بتهمة خيانة الأمانة وحكمت عليك ب6 أشهر حبسا موقوفة التنفيذ وغرامة مالية تقدر 20000 درهم على خلفية ما بات يُعرف ب”قضية الطنجية الكبيرة” فيما قامت بتبرئة باقي المتهمين الذين تمت متابعتهم إلى جانبك. قربنا أكثر من هذه القضية وبداياتها الأولى.

بداية أشير إلى أن هذا الحكم يثير الكثير من التساؤلات ولا أدري ما هي الشواهد والبيانات التي تم الاعتماد، إذ أن عضويين في المكتب كانا وراء كل الاختلالات والاختلاسات تم الاستماع إليهما كشاهدين، وما فتئت أقول وأكرر طيلة جلسات المحاكمة أنهما تلاعبا بمالية الجمعية، وهما بالمناسبة لا يمثان بصلة لفن الحلقة ولساحة جامع…أشعر بالغبن الشديد لأنه لم يتم إنصافي طيلة مسيرتي الحكواتية، والأكثر من ذلك تم الحكم عليّ وأنا في أرذل العمر دون باقي المتهمين الحقيقيين بالسجن موقوف التنفيذ وغرامة مالية لا أملك منها شيئا، (يبكي وهو يتابع الحديث بصوت مخنوق) بل إني لا أجد ما أسد به رمق أفراد أسرتي وزوجتي المريضة التي اضطررت إلى أن أستدين مبلغ 10000 درهم من أجل إجراء عملية جراحية لها على مستوى الصدر، وهي ما زالت تعاني الآن ولا أعرف كيف سأتدبر مصاريف استكمال العلاج… لو قمت بالاختلاس أو السرقة فعلا… !!! لانعكس ذلك على وضعي المعيشي البئيس…

إذا أراد ابنك أن يحدو حدوك ويمتهن فن الحكي. هل توافق أن يتتبع خطى تجربتك الحكواتية؟

كنت أتمنى في السابق أن يكون خليفتي وأن يُطوّر تجربته الشخصية، لكن على ضوء الواقع الحالي لن أسمح له بذلك، وأنصحه من هذا المنبر أن يكسب قوت عيشه من أعمال أخرى، لأن مهنة الحكواتيين لا تحظى بالتقدير ولا توفر لصاحبها العيش الكريم، وله في تجربتي الشخصية خير مثال، بحيث انتهت بعد سنوات من التفاني بالتنكر والخذلان وبالسجن لمدة 6 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية

مديرية وزارة الثقافة والمجلس الجماعي لمراكش يتجاهلان الحديث عن فوضى ساحة جامع الفنا

قامت الجريدة بالاتصال بالمديرية الجهوية لوزارة الثقافة من أجل التعرف على وجهة نظرها حول التحولات الخطيرة التي تعرفها ساحة جامع الفنا باعتبارها وصية عليها، وكذلك للوقوف على مبررات تراجعها عن التعهدات التي التزمت بها أمام منظمة اليونسكو والتي تقضي بأن تحرص على تثمين التراث الشفوي وإحداث المخططات والمشاريع الكفيلة بضمان باستمراريتها المستقبلية، غير أننا لم نتوصل إلى نتيجة تذكر بعدما وعدنا رئيس قسم الشؤون الثقافية بالاتصال بنا وموافاتنا بالأجوبة على أسئلتنا حول هذا الموضوع، نفس الأمر تكرر مع المجلس الجماعي لمراكش، حيث قصدنا مصلحة الشؤون الثقافية ومصلحة التخطيط والدراسات الاستراتجية وديوان رئيسة المجلس الجماعي، فكان التهرب من الأجوبة أو الإحالة على مصالح أخرى هو القاسم المشترك بينها، كما قمنا بالاتصال عدة مرات بأحد المسؤولين عن الشأن الثقافي بنفس المجلس إلا أن هاتفه ضل يرن من دون أن يجيب، ولعل سلبية هذا التفاعل تطرح أكثر من علامة استفهام، إذ يرى عدد من الفاعلين الثقافيين والمتتبعين لمسار ساحة جامع الفنا أن وزارة الثقافة والمجلس الجماعي لمراكش يتحملان النصيب الوافر من المسؤولية حول التدهور الذي عرفته الساحة خلال السنوات الأخيرة، فمتى سيخرج القائمون على الساحة عن استراتجية الصمت؟ ومتى سيتحملون مسؤولياتهم الكاملة اتجاهها؟