ساحة جامع الفنا بمراكش تتحدث شعرا في زمن السطو على الفرجة

المسائية العربية

1448975583

شكرا لكم أيها الشعراء الذين فكروا في الخروج من المساحات الضيقة والقاعات المغلقة إلى الفضاء الرحب، والساحة العريقة، ساحة جامع الفنا بمراكش، الساحة التي استظاعت ان تنزع لقبها العالمي كثراث شفهي لا مادي، وتشد اليها أنظار السياح والزوار من داخل المغرب والخارج، شهرة يرجع جزء فيها إلى رواد الحلقة من حكواتيين وفكاهيين،ومحدثين، ورواد الثعابين والقردة، والموسيقيين و”الروايس”، وأولاد احماد وموسى، ساحة كانت كل بقعة فيها تنبض بالحياة، حلقات هنا وهناك، ترغمك على الضحك من اعماق القلب ، أو الاستماع إلى الحكاية والرواية والأسطورة بمعناها الأصيل، أو تذوق الغناء الشعبي وقصائد الملحون، أو تلك التي تمتح من الفن الامازيغي وغيره من الفنون التراثية والحضارة المغربية العريقة …،

صفحة ذهبية كادت المطاعم المتنقلة والراسية والباعة المتجولين، وما فعله الفساد والرشوة من سطو على الساحة والتضييق على روادها، وتجاهل حالاتهم المادية واحتياجاتهم الخاصة من دواء وعناية إكراما لهم واعترافا بما قدموه من فرجة على حساب صحتهم ومعاناتهم، فاختار بعضهم التقاعد الإجباري، وبعضهم ارتمى في أحضان الكحول يطفئ بها وجعه ولواعجه، والباقي يطل مرة يترقب السماء عساها تمطر رغيفا يسد به أبناءه الجياع، ويختفي مرات بحثا عن مصدر آخر بعد أن ضاقت به رحاب الساحة، وتنكر إليه من وعدوه بتحسين أحواله،وتمكينه من منح تغطي عجزه وتضمن استمرارية الطابع الفرجوي وبعض العادات الآخذة في الإنقراض بفعل الزمن.

فراغ ساحة جامع الفنا من روادها، فسح المجال لبعض المنتخبين الذين أنيطت لهم مسؤولية تهييء فضاء الساحة وتاثيتها وفق الشروط الموضوعية التي تحافظ على طابع الساحة وعلى مميزاتها، وبعض رجال السلطة الذين تحملوا مسؤولية ضبط العنصر البشري، ومنع كل الشوائب التي تؤثر على السياحة أو تشوه جماليتها، ذلك الفراغ مكنهم من التحكم في شؤونها والعبث بمصيرها.وغط الطرف عمن يحتلها من بائعي الاعشاب الصيدلانية، والقنادل القصديرية، والشموع المصنعة، والملابس والاحذية، والقفف والحلويات وغيرها من التجارات التي لعبت دورها في اقتحام الفضاء الفرجوي، وإخلائه من رواده الحقيقيين،وإعادة الخريطة وفق منطق الأخذ والعطاء، 

شعراء قافلة  “حروف المغرب” قرروا مشكورين اخذ مكانهم إلى جوار ما تبقى من الحلقات، ليمتعوا الزوار بقصائدهم وما جادت به قريحتهم من أشعار، كانت كلماتهم تطن في الآذان ، تركض لوحدها دونما خيول .. تخترق الجسد والمكان ، تعيد للحلقة جمهورها ولو كان المتحلقون  من نوع خاص، تدق كلماتهم الأبواب، وتحيل إلى زمن الفرجة، زمن المسرح الطلق، زمن الكلمات المحملة لمرآة الواقع الحقيقي المنغمس في الأمية والجهل والفقر والبطالة في قالب فني وحركات معبرة، ولكن اللحظات الجميلة المرتبطة بالمناسبات العابرة سرعان ما تنسحب وتتبخر بخار ماء “براد ” الشاي، ويطوي الشعراء دواوينهم الشعرية، وأشعارهم المدونة على ورق الدفتر المدرسي،  تاركين خلفهم الحسرة على ساحة فرط فيها الأدباء والشعراء ورواد الحلقة، والمجالس المنتخبة وأبناء مراكش الأصليون، ليتركوها وحيدة بين أياد غير آمنة، لا تعير معنى لشرف الساحة وحظوتها العالمية، ولا لما تلعبه الساحة على المستوى السياحي والإقتصادي،