لحسن كجديحي

شظايا المتعة…

المســائية الثقافيــة

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

الشعور بالوحدة شيء قاتل جدا ، شيء ممل، فكيف إذا طالت الوحدة ولا تعرف متى ستنتهي ؟؟ ألست حينها كمن يهوي في سرداب الغدر ؟؟ أو يدفن نفسه فيه ؟ أو ما يشبه ذلك من فناء ؟؟

لم تنجح كل المثيرات في أن تقتل في داخله الانتماء الحقيقي لثقافة صلدة تعيش في داخله رغما عنه . لثقافة رغم انكساراتها لا زال يرى نفسه فيها وينمو على ذكرياتها الجميلة. كثيرون من الذين عايشهم اختاروا عزلتهم بأيديهم دون أن يدروا،  فإذا بهم يكتشفون أنهم غير قادرين على الخروج منها.

هناك في شوارع مراكش يمكنك أن تحس بصوت الأغاني الشعبية، يمكنك أن تغني معها بصوت عال دون أن تخاف من أحد أو يسخر منك أحد، هناك وأنت تجلس في أحد المقاهي ترى الناس يطربون معك ويشاركونك فرحتك.

أكانت كل أحلامه مجرد وهم وأمان لن تتحقق ؟؟

ها هو صديقه أيوب بعكازه القصير يقف فجأة أمام المقهى يطربه صوت الستاتي القادم من آلة التسجيل في الداخل فيحرك رأسه طربا ويهز عكازه بينما الستاتي يغني : عندها ظروف…

يجلس صديقه أيوب بجانبه يغلق عينيه كأنه يستعيد كل ذكرياته القديمة. الله، ما أعذب هذا الصوت. يتمتم صديقه أيوب. و لكن سرعان ما تركه في سرحانه ثم انشغل في تدخين الشيشة . كان مولعا مثل صديقه أيوب حتى استفاق على دندنة الداودي وهو يحكي قصة الأمس في أحياء البيضاء… من كان يؤمن أن الموسيقى لا لغة لها فقد أخطأ فها هي فئات بأكملها تطرب لآلة موسيقية و كلمات قد لا تطرب لها فئات أخرى وتعتبرها نشازا..

رغم رثاثة حاله إلا أن ومضة سعادة تعلقت بأهداله استقى سناها من ربيع قلبه وراح يترنم بأهزوجة قطعها صوت مدياع قريب، نظر خلال النافدة  فإذا بسيارة فارهة تقف أمام المقهى، السائق تحيط بوجهه الأسمر نعمة  بينما سيدة شقراء تجلس في المقعد الخلفي موجهة عينيها الزرقاوين نحوه، تشير بسبابتها أن يأتي إليها. تسارعت خفقات قلبه وتعرق جبينه، راح يتلفّت حوله ربما غيره المقصود بالإشارة…
خرج بنصف إرادته متجهاً نحوها وبحروف مرتجفة بالكاد طاوعته قال :أمرك سيدتي، ماذا يمكنني أن أقدم لكِ؟

بنبرة آمِرة أجابته: أريد أن تخيط لي قفطان بالبرشمان، سأحضر لأختار التصميم عند منحك الثوب المختار.
وقعت كلماتها كصاعقة عرّشت على نفسه صقيعاً أشعره بجرح الكبرياء، وتذكر العهد الذي قطعه على نفسه بألا تدخل محله سيدة، فلازالت قسمات وجه أمه حاضرةً في مخيلته وهي تقول : “إذا دخلت المحلَّ سيدةٌ فإنها تشق ربيعَ الأرض بسيفها، وتسقيه من أودية الخرافة؛ فتنبت بقول الخوف في أوحال الهوان “

إلى أن أتى ذلك اليوم .. يوم أشرقت فيه الشمس في منتصف دكانه العفن. لا يدري أي قدر قادها إليه و لا أي قدر جعلها تضل طريقها. لكن في لحظة ما….تفتحت زهور العالم أجمع و غمر النور جو دكانه عندما سمع صوتا أنثويا ناعما يقول:  صباح الخير… لكن في اليوم المشهود نزلت  من السيارة رافعة أنفها وقالت بغطرسة: أسمعت؟ أنا صاحبة القرار هنا ولي الخيار، سأدخل المحل وأختار بنفسي ما يروق لي من تصاميم.فأحس بقشعريرة ملكت جميع جسده.بادرها وهو يرتجف خوفاً: ولكن المحل غدا فارغاً من التصاميم سيدتي. لم تأبه به وتقدمت باتجاه المحل، فسبقها إلى الباب هلِعاً بقدمين لا تحملانه…

يمسك المقص، فهذا عمله، فتلتف أصابعه الناشفة عليه بقسوة وكأنه يعاقبه على قدره. تقطيعات روتينية. المعاملة ذاتها كل يوم، و الأدوات نفسها.. ثم تأتي كأس “القهوة”. يحملها بتأن ففي معظم الأحيان تكون وسخة و يزعجه ملمسها. ألا يكفيه تشقق جلدي و الحساسية التي تهري مفاصلي! ذاك نادل المقهى اللعين، يستكثر قليلا من الصابون لتنظيف كؤوسه، و كأنه يدفع ثمن الصابون من جيبه الخاص.

بعد يوم عمل مضنٍ وشاق، عاد إلى منزله، ينشد الراحة والنوم… تناول غدائه المتواضع كالعادة، والمكوّن من بعض حبات البطاطا المسلوقة والزيتون و خبز الشعير… ثمّ حضّر قليلاً من الشاي الأخضر، وسكبه في كوبٍ، ثم ذهب إلى غرفته وهو يدندن بأغنية ” أش الداني ، ولاش مشيت ” ؟؟ .

كل من له أحلام مثله وفي سنه له طموح بحجم أحلامه وآماله…   وطموحه هو كان بحجم أحلامه أو هكذا يعتقد… أن يكون له راتب يكفي قوته ومتطلباته اليومية… يستطيع أن يقتطع منه جزءاً يسيراً يشتري به مع مرور الأيام دراجة نارية، يسافر بها ويتنزه… و في أحد الأيام المشمشة، نادت عليه من باب دكانه و أومأت له بالركوب.. ركب إلى  جوارها فى  سيارتها الفارهة ، كان أول مرة يجلس فى سيارة مثلها نظر باستغراب لها وكأنه غير مصدق لنظراتها الفاحصة لهذا المخلوق و ظانا كذلك أنها تعبث به كما تعبث بغيره ، و لكن عيونها الجامحة وجسدها وملامحها الطفولية توحي بعكس ذلك .نفض غبار الشك من عقله وتابع المسير إلى أن وصلا إلى مبنى فاخر تحيط به حديقة كبيرة رائعة الجمال ، تقدمت مشيرة له بالدخول ، نظر حوله بتمعن ، شعر أنه يحلم ، لكنه قريبا سوف يغادر هذا الحلم ولن يعود إليه. فتح باب السيارة يريد الهروب منها ، و لكنها أمسكت بيده مانعة ، نظر إليها مطولا بعينيه الحارقتين :سحب يده من بين أناملها الناعمة العابثة ثم فتح باب السيارة وخرج مسرعا . تركته يرحل وهي على يقين أنه لن يفلت من بين براثنها الحادة ذات يوم . ظلت تلازمه كوابيس حتى غدا يصحو وينام على أجراسها.     حيث كان يركض فى غابة من الاشواك تحيط بجسده الغض من كل جانب فتدميه و يتسخ رداؤه الأبيض بدمائه الحمراء و كأن طيوراً حادة المخالب غرزت فيه ، فتتوالى صرخاته فيصحو من نومه أخيرا، ليجد نفسه يقبع فى سريره الخشبي و جدران الغرفة تضيق به كما أنفاسه المتلاحقة . حلم يعاود الظهور كلما غط فى نومه العميق حتى بات يكره هذه الوسادة التى يريح رأسه عليها و هذا السرير الصوفي الذى يتمنى أى إنسان أن يريح جسده المتعب عليه ، بات ينفر حتى من هذه الجدران التي أضحت ضيقة موحشة يتخيلها مخالبا تريد أن تنقض عليه فى أي لحظة ، تقوقع على نفسه وجذب أطراف الغطاء ليغطي به عينيه .كي لايرى هذا المسلسل الدامى يلاحقه كلما غالبه النوم وكبله بسلاسله المخملية ليقع فريسة كابوس يدمي ثوبه الابيض.

ما يزال مصرا على العيش؟.. يعظ على حبل الحياة بالنواجذ.. أهي الرغبة الملحة في الخلود والتشبث الأعمى بتلابيب الوجود؟ أم هو الوعد الخالد خاف عليه الانهيار والوأد؟! ومهما يكن فقد شمر عن ساعديه.. لا يبالي البرد والظنك.. يفرغ الذكريات الطائشة بما أوتي من عزم، وكأنما يتبارى في سباق ضد الساعة.. حقا شفع له ما هو فيه من كدح في مفاوز الرهبة والرعب.. ضد صولة الموت المكشر وزمن الغصب.

 

2 تعليقان

  1. رحلت بأفكاري بعيدا حيث صوت الحروف تتسارع لتتلاقى في شوق يشوبه الخوف من كل متعة يحجبها السراب، لأنزوي أتمعن دون أن يرمقني أحد أتوجع فجعا وأتوارى وأهرب من هول المنظر ..منظر هذه المتعة المغلفة بالاسغلال..وتمضي الأيام …
    عجزت عن الرد فكيف يفهم من جعل منها عرضة للشراء كل هذه السنوات وهي لا أهمية لها عنده؟ وكيف ألِج لقحفة رأسه لإيصال الفكرة وأجده كمتسلق جبال لا نهاية لها؟!
    أكتفيت ببسمة إشفاق واستهجان ، من يشتري الفكر لينُضجَ ذاكرته يحيي فيها أمل العلم والمعرفة و يقلب الذكريات الجميلة .. آه.. كأني أسمع صرخات الجمل التي لا تغادر كل سطر إلا و أعطته حلاوة متعة شبه زائلة.
    أوه سحقا لهذه الأحلام الخادعة,أليست الحياة رائعة فقد صمد صاحبنا ( يا أستاذي الكريم) لوحده في وجه العواصف والرمال المتحركة وقاوم الجفاف العاطفي , إنها حياته بجهده دونما اتكال على أحد…..

  2. إن للكلمات أيدي ناعمة وأنامل طويلة ، طرية ، شفافة تمتد نحو الأعماق ، تمسك بالروح ، تهدهدها ..تتسرب برودة منعشة منها إلى جبين الروح الملتهب ، فتسري رعشة هناك يهتز لها البدن ، يتمدد ، يصير كونا نورانيا.
    وقفت أتابع كل العبارات و الكلمات وهى ترتجف ، من الخوف كانت ترتجف ، من الحزن كانت ترتجف، من الحكايات المعيشة كانت ترتجف..ولما كنت لا أعرف منطق الفرق بين المضاف والمضاف إليه ، والعطف والمعطوف عليه ، كنت أرتجف .. فقط كنت أعرفك أنت ، وأعرف فقط ، أن هناك جملة كاملة ، ولكي تكون كاملة لابد أن تكون من ، فعل. وفاعل. ومفعول به .
    ولما خرجت الكلمات الساكنة من بين الضلوع الواهنة، كتبت على الهواء، لابد أن ننقسم، لابد أن نفترق ، تصير أنت أنت.. وأصير أنا أنا ، هكذا مفرداً واحداً ، لوحت الأيادي في الفضاء، ومحت ما كتب على الهواء،وابتعد الخيال عن الواقع ، والمفعول به مازال يشغل رأسي، لكنه كان ثابتاً في ذاكرتي.
    ليست المسائل الحسابية، ولكن المسائل اللغوية ، عن الفعل والفاعل والمفعول به ، عن الصفة ، والحال، عن العطف والمعطوف عليه ، وعن موعد العودة ، قبل أن يجيبني خطابك… اختفي…

اضف رد