لحسن كجديحي

صمت الموت…

المسائية الثقافيةSans titre 2

لحسن كجديحي

    لا شيء يريد أن يراه سوى الحقيقة، حقيقة الحياة، والتي ظل مخلصا لها، هو الذي بحث عنها في كل الأوقات، في عصر يشوبه الانحدار والتمزق والضعف و النفاق ، وبقي المراكشي الذي لا يشتهي إلا أن يلاقي اثنين، الحقيقة والأوجه الغائبة، وبجسد لا يجيد إلا أن يكون قوياً، راسخاً باحثا عن الحقيقة، لكن الجسد أكله الدهر لكنّه لم يأكل موقفه.  تقبّل الرجل تقلبات الحياة، إذ لم تبعده قط عن الحبر ومزاولة الكتابة، بل اشتدّ إصراره على التمسّك بالمقالة، لأن  في ذلك تمسكا بالحياة، فقد كانت هذه الأخيرة علاجاً رائعاً يخدّر آلامه الجسدية، ويؤجج آلامه الأخرى، ألم يطلق عليه أحد المعلقين لقب «كاتب الرؤية الموجعة»؟ لقد بدأ ككاتب مع الألم، وظلّ يعزف على سيمفونيته طويلا، تألم بمصاب الواقع المغربي، ابتداء من نكبة تازمامرت، وجراح النكسة العربية التي ازدادت، حتى ليكاد يحسّ بأوصاله وهي تتقطع، بينما لايزال يرغب في أن يبقى صامداً. لم يترك اليأس يدخله، فقد تابع تسلله  في منتصف كل ليلة، يخرج من منزله، فتستقبله شوارع مراكش كما لو كان معافى، ليستقي مواضيع مقالاته من الناس، كان دائماً يقول لابد من النزول إلى الشارع، ودخول التجربة كي يمتلك المبدع الرؤية. والناس في نظره دائماً هم الرؤية، لهذا قدّس اللقاء بهم وهو عابر، أو متكئ على أنفاسه الأخيرة المتعبة، وفي أواخر عمره على سيارة أحد الأصدقاء إذ لم يعد يستطيع المشي، ليعود إلى منزله، إلى قلمه وأوراقه، يفعل كما كان يفعل دائماً، إذ يلجأ إلى الكتابات النثرية، حيث يشعر بالقوة، لهذا لم يتخلّ في أي لحظة من لحظات حياته عن سلاحه الوحيد، كان سابقاً يكتبه أينما حلّ، هو المتشرّد في شوارع مراكش، الضائع الذي لا يعرف الاستقرار أبداً، يقاسم الأصدقاء الغرف والسرير، والرغيف، والكتب المستعارة، ثم يمضي نزقاً من كل ذلك تاركاً ما يدل عليه ألا وهو كتابة المقالات. كان منتصف الليل وقتاً ليس بالباكر للعودة إلى المنزل.. وعنده كان  يغفو وهو يتوسد جناح الحلم ليطير به إلى سماء بعيدة أو هكذا كان يظن.. ولهذا كان ينام وذراعيه مفتوحان كهيئة الأجنحة تعبيرا عن رغبته في التحليق أو أملا في أن تتحقق هذه الرغبة. هكذا رأيته مرارا و أنا أسبح في ثنايا جنبات مقالاته.

  ففي تحفته ” عباءة الحزن” يصوّر لنا الصراع بين الأبيض والأسود، فيلخّص رؤيته للكون من خلال هذين اللونين، فكرة واحدة تتمحور التحفة حولها، حيث يكثفها، ويختزلها، هي فكرة الموت الذي صار هاجسه طيلة فترة تسطيره فقرات التحفة ، حيث يدور حوار لا يبين بين الذات الحائرة المحكوم عليها بالموت، وبين أشياء في الغابة تدل على الموت بلونها الأصفر الخريفي، إنّ الاصفرار ينسحب على كل الموجودات التي يراها الرجل، وإن دلّ هذا على شيء، فإنما يدل على أن اصفرار الجسم هو المهيمن، المتناسل، وهو الذي يدحر اللون الأبيض، والبياض بحدّ ذاته يدعوه  إلى الاسترسال في الشيخوخة، والضرب على إيقاع الصمت والموت، لأن الصمت بياض، والموت بياض. ولكن لم يكن ارتداء الصمت مجرد قناع، كان كل صمت يتبعه بالضرورة تجربة جمالية جديدة ورؤية مختلفة، ولهذا لم يكن الرجل يخاف الصمت، كان الصمت جزءاً لا ينفصل من التجربة الجمالية.

كانت لديه القدرة على المجابهة، لكن حين وقع في أسر اليأس أحسّ بنفسه ذلك الطائر الهامد، المهيض الجناح، لا يمكن إلا أن يستسلم.والطيور كانت لتبيّن الفرق بين الطيور المحلقة في السموات، العصية على التدجين، تتقاذفها فلوات الرّياح، قد تتنزل إلى الأرض لتستريح فوق رؤوس النخل، المنارات والأسطح، لتلتقط رزقها، ولكن لهذه الطيور مصيدة يمكن أن تقع فيها لاقتناصها، فالشمس مصدر للضوء، لكنها تطلق سهمها لترشق الطيور وتشلّ حركتها. بينما الطيور التي أقعدتها معاشرة الناس، أكلت، وارتخت، وارتضت أن تقأقئ، ما الذي تنتظره غير سكين الذبح، فهذه ولاشك نهايتها، فيد بني آدم تعرف كيف تسنّ السلاح. وموت لا يجيء لها إلا إذا وهن الجناح، وصار مستعدا لأن يستقبل الردى.  لا شيء سوى الموت ، وأنّى له أن يبعده عن تفكيره وهذا الجسد المتهدّم ينبئ عن قدومه في تحفته السالفة الذكر ” عباءة الحزن”، حيث يعلن الرجل موت الطبيعة إذ تتحوّل من خضرة الحياة ولونها الزاهي إلى تساقط الأوراق الباهتة الصفراء، والتي يبدو عليها لون الموت واضحا، فبعد أن تترك الغصن، تلامس أطرافها حافة الأرض، ويصبحن كالجواري، يبحثن عن الذات، يروين رحلة الاغتراب وعبودية الأغصان الثابتة، ثم يدور الموت اليائس ليصبح طائر الرّخ، له مخلبان قويّان، يحوم ليحل جثة الحياة الساخنة، بينما يصف مفردات الطبيعة كالسحب التي ألقت الشمس طرحتها الداكنة، ليشير إلى الخطر الذي سينجم من القدر، وذلك ليؤثث الرجل مشهدا يشي باقتراب الموت اليائسة. 

                                                                  لا أستطيع أن أقول لكم بماذا يتعلق الأمر تحديدا، لكن.. ذلك النوع من البرود، تعلمون، هذا البرود الذي نحس به بالكاد، ولكنه يعتصر قلوبنا مثل تيار هواء ينتهي به المطاف إلى أن يجمد دماءنا. هذا البرود الذي نستشعره بالكاد في البداية، يعمد إلى التضييق على وجودنا الذي كان من قبل هشا. إلى حين ظهور – تيار الهواء – ذاك، كان لديه انطباع برغبته في أن يكون سعيدا أيضا قدر الإمكان، لم يستطع أن يفهم لماذا يبكي أصدقاؤه طوال الوقت، كان في ذلك العهد يظن بأن بمقدورهم أن يحلوا كل المشكلات، وأنه يكفي من أجل ذلك أن نتحاب كثيرا، مثلما كان ذلك حالنا نحن الاثنين أنا و المقالة. أليس ذلك مضحكا، ليس صحيحا؟ – يكفي أن نتحاب.. – كم نكون سذجا بقدر كبير عندما نكون سعداء، ونظن بأن كل مشكلات العالم سهلة الحل. أما اليوم فالأمر جد صعب، صار كل شيء معقدا بشكل رهيب، وصار غالبا يتذكر أكثر فأكثر أصدقاءه الذين يبكون -كما كان يخيل إليه – بسبب ترهات. يضعفون أمام الصخرة الكبيرة، و لأن الصخرة الكبيرة، قد تسندها حصوة صغيرة أو حجر صغير، ولأنه لا يوجد في هذا العالم الكبير أفراح كبيرة، بل ما زال يقيم أوده على أفراح عابرة للمسرات. ولأن أول مواثيق الدنيا أنها لا تعطي أشياءها كاملة في حياتنا القصيرة، لهذا كان علينا أن نصير صيادين يقظين، يقتنصون من حياتهم السريعة مسراتها الصغيرة. وليس من شك في أن الميزة الأساسية التي ينفرد بها الإنسان عن غيره من الكائنات الحية هي القدرة على التكيف مع الأوضاع المتغيرة حتى لا تحدث فجوة في حياته وتعامله مع الواقع الجديد. فالعقل الإنساني سريع الإدراك لما يحدث من تغيرات وتقلبات يتعين مواجهتها والتأقلم معها بالسرعة المطلوبة. وربما كان أهم تغير في سلوك الإنسان نتيجة لاستخدام أساليب الاتصال والمعرفة هي سرعة الفعل ورد الفعل والتجاوب مع هذه الوسائل. وعلى الرغم من أهمية هذا التفاعل فإن له – تأثيراته السلبية – على الذاكرة والخيال واحتمال أن يفقد الإنسان السياق و المحتوى نظرا لاختلاط الواقع الحقيقي بما يراه أو يقرأه على الشاشة . إن البحث عن هوية جديدة في هذا العالم المتغير يفرض على الإنسان الاشتباك في صراعات عنيفة مع ألأفكار والسلوكات والقيم الجديدة، التي يصطدم بها سواء في المجتمع الجديد الذي قد يهاجر إليه أو المعلومات المتدفقة التي تنهال عليه من وسائل الإعلام والاتصال الرقمي، وكلها تفرض عليه ارتياد عوالم غريبة ومجهولة لديه ويضطر معها إلى أن يتلمس طريقه وسط عالم مليء بالمتناقضات.

اضف رد