ضمانات القضاة والمتقاضين بالمغرب على ضوء الوثيقة الدستورية ومشروعي القانونين التنظيميين

imgresالمسائية العربية

الأول خاص بالقضاة والثاني خاص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية

إعداد الأستاذ احمد ابادرين المحامي بهيئة مراكش

سأعالج هذا الموضوع في ثلاثة محاور الأول أستعرض فيه تصوري حول مفهوم السلطة القضائية والثاني أخصصه لضمانات المتقاضين وإشكالية تنزيل الفصل 122 من دستور 2011 والثالث أخصصه للضمانات الحمائية للقضاة وطرق الطعن في المقررات التأديبية التي تصدر في حقهم مبتدئا كل ذلك بتمهيد لأنهيه بخاتمة.
** **
تمهيد

قرأنا في الفقه الدستوري أن الشعب كان يمارس السلطة بجميع أصنافها بشكل مباشر عندما كان يجتمع في مكان يسع جميع أفراد الشعب.
ولما تعذرت الممارسة على هذا الشكل بدأ الشعب يمارس سلطاته عن طريق انتدابات.
يمارس الشعب ثلاث سلط تشريعية وتنفيذية وقضائية يقنن حسب الحاجة ويصدر جزاءات لردع من يضر بالمجتمع وينفذ الجزاءات.
ثم جاءت الدساتير لتفرق بين السلط وترسم معابر العلاقة بينها لمراقبة بعضها البعض.
لأن مفهوم الدولة لم يعد مجسدا في الحاكم أو في إرادته وإذا كان ملك فرنسا لويس 14 يقول في أواخر القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر أنا الدولة والدولة أنا فإنه بإمكان أي مواطن اليوم مهما كان وضعه الاجتماعي أن يقول نحن الدولة.

** **
السلطة القضائية، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المؤسسة التدبيرية للقضاء أو المؤسسة التدبيرية للسلطة القضائية…

تستعمل كل هذه المسميات أو التسميات عند الحديث عن القضاء قبل وبعد إقرار دستور 2011 وكان الجميع يطالب بالارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة وكأن في ذلك مفتاحا وعلاجا لما يلاحظه الجميع من خلل.
** **
المحور الأول: مفهوم السلطة القضائية
لنبدأ بتصورنا للسلطة القضائية أو للقضاء كسلطة لنرى بعد ذلك الوضع الاعتباري والمؤسساتي لها على ضوء الوثيقة الدستورية ومشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالقضاة وبالمجلس الأعلى.
نحكم على المؤسسة (أية مؤسسة) من خلال الصلاحيات الموكولة إليها وكيفية أدائها لمهامها وليس من خلال الاسم الذي أعطي لها.
لما حضرنا أما اللجنة المختصة بصياغة الدستور القينا عرضا تحدثنا فيه عن تصورنا للسلطة القضائية وتقدمنا بمقترحات:
مهدنا لها بما يقوله الفقه الدستوري بأن الفصل بين السلط لا يعني الاستقلال في الرقابة وفي التدبير وأن مبدأ “السلطة تحدها سلطة” يقتضي أن تخضع كل سلطة لرقابة السلط الأخرى.
وبما أن الشعب هو مصدر كل السلط فإن آليات مساءلة ومراقبة هذه السلط ينبغي أن تتيح للشعب، إما مباشرة أو بواسطة منتخبيه ومختلف تعبيراته، إمكانية المساءلة والمراقبة؛ لأن إسناد سلطة بمقتضى الدستور لجهة دون التنصيص على آلية لمحاسبتها ومراقبتها يعتبر تشريعا للاستبداد والتسلط.
وإذا كانت السلطة التنفيذية (الحكومة) تخضع في أداء مهامها لرقابة السلطة التشريعية (البرلمان) فإن السلطة التشريعية هذه تخضع لرقابة الناخبين (أي الشعب الذي هم مصدر كل السلط) عبر صناديق الاقتراع وهذه الآلية متعارف عليها في كل دساتير العالم.
وبما أن القضاء أريد له أن يصبح سلطة بنص الدستور فإن هذه السلطة يجب أن تخضع لآلية محاسبة ومراقبة نابعة من الشعب باعتباره مصدر كل السلط حتى لا تنحرف عن دورها في دعم أسس الحكم (العدل أساس الملك).
وبما أن وظيفة القضاء تتولاها مؤسسة تشارك فيها عدة مكونات (قضاة، محامون، كتاب الضبط، مفوضون قضائيون، خبراء، ضابطة قضائية، سلطة إدارية، ومتقاضون) وكل مكون من هذه المكونات له دور في ماكينة العدالة. (جرى العمل بلجان ثلاثية تستعرض وتعالج خلل ومعوقات سير عمل المحاكم لكنها تقتصر على الرئيس الأول والوكيل العام والنقيب).

هذه المؤسسة التدبيرية لآلة العدالة يجب أن تقوم بكل ما من شأنه أن يرجع ثقة المواطنين بالقانون وبالعدالة (جهاز نتحدث عنه دون تصوره كل واحد يتشكل في مخيلته على شكل خاص).
كلنا متفقون على أن غايات المحاكمة العادلة هي تحقيق العدل بمفهومه المجتمعي، لأن الحق والعدل لهما مفهوم مجتمعي، وعندما ينطق القاضي بحكم ويخرج الناس مستائين فإن ذلك يعني أن القاضي لم يوفق في ترجمة الحق والعدل كما يراه ويريده المجتمع.

وشروط القيام بذلك تقتضي أن تكون مكونات العدالة على قرب من هموم المجتمع وثقافته، وذلك عن طريق الإنصات لمختلف تعبيراته واستيعابها بما يخدم رسالة العدل السامية حتى يسترجع الناس ثقتهم بالقانون وبالعدالة (هذا حلم تختلف مستويات الناس فيه).

لأنه عندما يفقد المواطنون الثقة في جهاز العدالة بكل مكوناته فذلك دليل على أن هنالك خللا في تدبير هذا القطاع بدءا بطريقة الولوج وانتهاء بمنهجية التأطير والرقابة وهو ما يدخل ضمن السياسة العدلية التي ستختص هذه المؤسسة التدبيرية برسم معالمها وتحديد حاجيات القطاع العدلي بكل مكوناته.

وكنا اقترحنا إعادة النظر في طريقة الولوج للسلك القضائي والاستغناء عن المعهد الوطني للدراسات القضائية مستحضرين قولة آينشتاين “الأوضاع الفاسدة لا يمكن إصلاحها بنفس العقليات التي أنتجتها” واقترحنا استقطاب القضاة من المحامين والخبراء والمفتشين الماليين والإداريين والمحاسبيين وكتاب الضبط والمفوضين القضائيين ممن تتوفر فيهم الكفاءة والنضج والقدرة والأهلية والاستقامة والنزاهة للاستفادة من خبراتهم.
فهل نجد في الوثيقة الدستورية وفي مشاريع القوانين التنظيمية الخاصة بالقضاة وبالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ما يعزز هذا التصور؟
** **
اسمحوا لي أن أعبر عن خيبة أملي لعدم وضوح التصور ليس فقط لدى السلطة الحكومية التي هيأت مشاريع القوانين التنظيمية بل عدم وضوح التصور لدى واضعي الوثيقة الدستورية أيضا.
فالمادة 107 من الدستور تقول: السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية. الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.
و(الفصل 82 من دستور 1996 يقول: القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية). الجديد إذن هو التسمية فقط
في مشروع دستور 1908 المادة 57 تقول ما يلي: السلطان يعين … قاضي قضاة فاس… وتضيف المادة 66 على أن: القضاة وأهل الفتوى، والعدول يعينهم قاضي القضاة بموافقة مجلس الشرفاء. هكذا كان القضاء يستمد سلطته من سلطة الحاكم.
ثم تطورت الأمور ليصبح القضاء وظيفة من وظائف الدولة وأحدثت آليات للمساءلة والمحاسبة وأيضا لتعويض ضحايا عمل هذه الوظيفة.
القاعدة تقول بأن تحقيق العدل مسئولية من مسئوليات الدولة وهي المسئولة عن ضمان الإنصاف لكل المتقاضين انطلاقا من التزامها بضمان حقوق الإنسان لجميع المواطنين (في ديباجة الدستور نقرأ: المملكة المغربية تتعهد وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا).

في هذا الإطار فإن دول الاتحاد الأوروبي وافقت على اتفاقية تسمى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وتنص في المادة 19 منها على ما يلي:
لضمان احترام الالتزامات التي تعهدت بها الأطراف المتعاقدة في هذه المعاهدة تنشأ:
أ- لجنة أوروبية لحقوق الإنسان، يشار إليها فيما بعد باسم “اللجنة”.
ب- محكمة أوروبية لحقوق الإنسان، يشار إليها باسم “المحكمة”.
وتوالت ولا تزال تتوالى بروتوكولات ملحقة بهذه الاتفاقية بمثابة مساطير تبين كيفية رفع الشكايات والعرائض إلى اللجنة وإلى المحكمة وهذه تحكم على الدولة المعنية بأداء تعويض للمواطن المشتكي عن الضرر الحاصل له من جراء حكم صادر عن دولة عضو بعد استنفاذ كافة طرق الطعن المتاحة محليا دون إلغاء الحكم الصادر عن محاكم الدولة المعنية احتراما لمبدأ السيادة.
معنى ذلك أن دول الاتحاد اتفقت كلها على التنازل عن جزء من سادتها من أجل ضمان حقوق الإنسان لمواطنيها.
** **
المحور الثاني: ضمانات المتقاضين

الفصل 122 من دستور 2011 ينص على أنه: يحق لكل من تضرر من خطإ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة.

لأول مرة في تاريخ المغرب يتم إقرار هذا الحق دستوريا وقراءة النص توحي بأننا ننحو اتجاه النظام الأوروبي الذي يعتبر الدولة مسئولة عن تحقيق العدل والإنصاف وبالتالي شرعية مراقبة العمل القضائي البعدية والقبلية.
غير أن السلطة الحكومية التي وضعت مشروعي القانونين التنظيميين لم تعالج مسطرة تطبيقية لتنزيل مقتضى هذا الفصل 122 من الدستور بحيث بقي الموضوع مبهما وغامضا ولا يعرف أحد ما هي الجهة المؤهلة لتقدير الخطأ وتقدير التعويض عنه وإصدار أمر إلى الحكومة بمنحه.

لماذا تجنبت السلطة الحكومية هذا الأمر؟ هل لأن القضاء أريد له أن يبقى وظيفة من وظائف إمارة المومنين؟ (نقرأ في الخطاب الملكي لتاريخ 20 غشت 2009 ما يلي: وفي صدارة المرجعيات، ثوابت الأمة، القائمة على كون القضاء من وظائف إمارة المؤمنين، وأن الملك هو المؤتمن على ضمان استقلال السلطة القضائية).
هل لهذا السبب تجنبت السلطة الحكومية تنظيم طرق البت في الشكايات والتظلمات من الأحكام القضائية النهائية؟
** **
تخطر ببالنا مؤسسة الوسيط والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وهاتان المؤسستان تجيبان المتظلمين بأن الموضوع خارج عن اختصاصاتهما كلما ظهر لها أن القضاء استنفذ رأيه في الموضوع ولا تكلف نفسها عناء البحث في موضوع الإنصاف هل تحقق بالحكم القضائي أم لا.
وإذا كانت الأحكام التي تصدر عن القضاء هي عنوان الحقيقة عند هاتين المؤسستين فما قيمة الفصل 122 من الدستور الذي يعترف لأول مرة في المغرب بحق كل من تضرر من خطإ قضائي في الحصول على تعويض تتحمله الدولة؟
صحيح أن الفصل 122 يتحدث عن الخطأ ونحن نقول كل حكم غير منصف فهو خطأ.
هل نفهم من ذلك أن واضعي الدستور والسلطة الحكومية كلهم مشدودون إلى النظرية التي تعتبر وظيفة القضاء من وظائف الإمامة وبالتالي لا يمكن التنقيص من قيمة الأحكام التي تصدرها بإقرار تعويض لأحد أطرافها؟
** **
المادة 12 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان المعتمد من قبل القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس بتاريخ 23 مايو 2004 تنص على أن: جميع الأشخاص متساوون أمام القضاء. وتضمن الدول الأطراف استقلال القضاء وحماية القضاة من أي تدخل أو ضغوط أو تهديدات، كما تضمن حق التقاضي بدرجاته لكل شخص خاضع لولايتها.
وتنص المادة 19 منه على أنه: … لكل متهم ثبتت براءته بموجب حكم بات الحق في التعويض عن الأضرار التي لحقت به.
وبمفهوم المخالفة فإن الشخص الذي تمت إدانته بحكم نهائي غير منصف فلا ينص الميثاق على إمكانية تعويضه، حتى فكرة الخطأ القضائي غير واردة في أذهان واضعي هذا الميثاق. وهذا الاتجاه هو الذي تجاوزناه نحن في المغرب بمقتضى الفصل 122 من الوثيقة الدستورية لسنة 2011 إلا أننا لم ننكب بعد على وضع آلية لتنزيل هذا المستجد.
** **
قد تخطر ببالنا مؤسسة الوسيط التي جاءت للعمل على تكريس مبدأ سيادة القانون والإنصاف.
وإذا كان تحقيق الإنصاف معناه هو رفع الظلم، فإن الظلم تتعدد مصادره؛ إذ يمكن أن ينتج عن قرار إداري أو عن نص تشريعي أو عن حكم قضائي. بمعنى أعم الظلم يمكن أن ينتج عن عمل جميع السلط التشريعية والتنفيذة والقضائية.
وإذا كانت المحاكم الإدارية تختص بالنظر في التظلمات من القرارات الإدارية ومن آثار بعض القوانين، مثل نزع الملكية والتحديد الغابوي، فإنها غير مختصة بالنظر في التظلمات من الأحكام القضائية (حكم المحكمة الإدارية بالرباط الذي سبق نشره على أساس أنه يقر مبدأ التعويض عن خطأ قضائي لا علاقة له بهذا المفهوم وإنما اقتصر على ملاحظة تقصير مرفق قضائي “النيابة العامة” في السهر على إحضار المتهم من السجن أمام المحكمة).
** **
سؤال:
هل يملك القاضي صلاحية إلغاء ظهير أو مرسوم بسبب ما نتج عنه من ضرر للمتظلم؟ وهل يملك القاضي صلاحية تعويض متظلم من ظهير أو مرسوم أو من حكم قضائي؟
اسمحوا لي أن أستحضر بالمناسبة قضيتين نموذجيتين لا زال أصحابها ينتظرون الإنصاف.
القضية الأولى تخص مقررات لجنة البحث المصادق عليها بظهير سنة 1957؛
ذلك أنه خلال سنة 1958 أصدرت هيئة سميت آنذاك (لجنة البحث أو لجنة تقصي الحقائق) المؤسسة بالظهير الشريف رقم 1031.58.103 المؤرخ في 27 مارس 1958، أصدرت قرارا يقضي بأن إدريس بن عمر السكتاني، المتوفى آنذاك منذ سنتين، يعتبر متعاونا مع الاستعمار، وقضى القرار بتجريده من حقوقه المدنية والسياسية مفترضا بذلك أنه لا زال حيا، كما قضى بمصادرة أملاكه.
وينص الظهير المذكور على أن اللجنة يمكنها أن تحكم بإحدى هذه العقوبات أو بعدد منها ولها أيضا أن تقرر- إما أصليا أو إضافيا – مصادرة أملاك الأشخاص الواردة ذكرهم في الفصل الثاني – كلا أو بعضا- إذا ما ثبت خلال البحث أن ثروتهم اكتسبت كلها أو بعضها إما بطريق غير مشروعة وإما بتجاوز الحد في استعمال السلطة أو استغلال النفوذ.
لجنة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في مجال جبر الأضرار أصدرت مقررا رقم 15111 بتاريخ 13 ابريل 2007 في الملف عدد 15591 يقضي بما يلي:
أولا: باختصاصها للنظر في الطلب الذي تقدم به السادة ذوو حقوق المرحوم ادريس بن عمر السكتاني والمتعلق باغتياله سنة 1956 بمراكش.
ثانيا: عدم اختصاصها للنظر في الطلب المتعلق باسترجاع أملاكه.

وقد عللت اللجنة مقررها بخصوص طلب إرجاع الممتلكات بما يلي:

(وحيث إنه بخصوص الطلب المتعلق باسترجاع الأملاك المصادرة، فإنه يتضح مما سبق ذكره أعلاه، أن ممتلكات المرحوم ادريس بن عمر السكتاني صودرت بمقتضى قرار صادر عن لجنة تقصي الحقائق المحدثة بظهير مؤرخ في 27 مارس 1958، وأن الظهير الصادر بتاريخ 8 نونبر 1963، لم يقض إلا بعفو جزئي بشأن هذه الممتلكات الأمر الذي يظهر معه أن موضوع البت في استرجاع الممتلكات المصادرة وفق ما أشير إليه أعلاه، يتطلب مراجعة الظهيرين المذكورين، وهو أمر يخرج عن نطاق اختصاص هيئة الإنصاف والمصالحة بمقتضى المادة التاسعة من نظامها الأساسي، الأمر الذي يستوجب التصريح بعدم الاختصاص).
وسعيا من المتظلمين في مراجعة الظهيرين قاموا بمراسلة مؤسسة والي المظالم التي أجابت بعد اختصاصها للنظر في القضية ونفس القرار أكدته مؤسسة الوسيط.
المجلس الوطني لحقوق الإنسان لم يجب على التظلم كما لم يجب عنه رئيس الحكومة.
الديوان الملكي لا يجيب مما اضطر معه المتظلمون إلى بعث رسالة مفتوحة إلى جلالة الملك نشرتها بعض الصحف لكن بدون جواب.

مما يطرح السؤال عن الآلية الحمائية لحقوق المواطنين المتظلمين حين لا تنفع الآليات المحلية هل يلجأون إلى الآليات الدولية خرقا لمبدأ السيادة؟ علما أن السيادة يمكن تجاوزه كلما اقتضت ضرورة حماية حقوق الإنسان ذلك خاصة وأن المغرب ملتزم في ديباجة الدستور على تعهده ويؤكد تشبثه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.
** **
القضية الثانية قصة صدور حكم بإفراغ منزلين للسكنى وإرجاعهما إلى مالكهما الشرعي ونفذ الحكم بالإفراغ ساعة فقط بعد النطق به وسلمت المفاتيح لجهة دون التعريف بهويتها في الحكم ودون أن تكون طرفا فيه وظل المسئولون القضائيون وفي الإدارة المركزية للعدل يتسترون على الجهة التي نفذ الحكم لصالحها. ولما طالب المتضررون قضائيا بالتعويض قضت المحكمة بعدم قبول الطلب لعلة أن الفعل المتظلم منه هو ناتج عن حكم قضائي نهائي (انظر التفاصيل في كتابي الخاص بهذه النازلة بعنوان “إني بريء” الصادر عن دار وليلي للطباعة والنشر الطبعة الأولى سنة 1999).
** **
الضمانات المقررة للقضاة

من المفروض أن تنص الوثيقة الدستورية ومشاريع القوانين التنظيمية الخاصة بالقضاة وبالمجلس الأعلى للسلطة القضائية على آليات لحماية القضاة من القرارات التي تهم وضعيتهم سواء في إطار التأديب أو في إطار التدبير الإداري.
سلطة التأديب مخولة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لكن يلاحظ أن السلطة الحكومية التي وضعت مشروعي القانونية التنظيميين تجنبت تنظيم طرق الطعن في القرارات التي يصدرها هذا المجلس في مادة التأديب.
لمذا؟ ألا يعتبر الطعن حقا من حقوق الإنسان؟ لماذا تجنبت السلطة الحكومية التنصيص صراحة على مسطرة تضمن حق القضاة في الطعن في المقررات التي تصدر عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية في مادة التأديب؟
أعود إلى السؤال لأقول بأنه باستحضار النموذجين المشار إليهما أعلاه لا تبدو لي في الأفق قدرة القضاء على إنصاف لا القضاة ولا المتقاضين المتظلمين حتى ولو سمي سلطة قضائية.
خطاب الملك في 17 يونيه 2011 (الاستفتاء كان يوم 1 يوليوز 2011) تحدث عن ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، تكريسا لاستقلال القضاء، الذي نحن له ضامنون “هكذا”–;– وذلك بالنص صراحة في مشروع الدستور الجديد، على أن النطق بالحكم إن كان يتم باسم الملك، فإنه يتعين أن يصدر بناء على القانون… كما تم توسيع اختصاصات المجلس، لتشمل، علاوة على تدبير الحياة المهنية للقضاة، مهام التفتيش وإبداء الرأي في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالقضاء وتقييم منظومته… ورفع تقرير سنوي عن وضعية القضاء إلى الملك ورئيس الحكومة ونشره بالجريدة الرسمية. وفتح المجال لجمعيات المجتمع المدني لرفع تقاريرها عن تقييم منظومة العدالة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
عدد أعضاء المجلس (20) إضافة إلى الملك كرئيس ويعقد دورتين في السنة.
القاضي يبقى في وضعية موظف له راتب ومعاش تقاعد وتبقى مهامه محدودة في إصدار الأحكام ويخضع في أدائه لتقييم من قبل رؤسائه (الباب السادس من مشروع النظام الأساسي للقضاة). يراعي هذا التقييم جملة من المعايير منها درجة التزامه بمدونة السلوك التي يضعها المجلس الأعلى للسلطة القضائية طبقا للفصل 96 من مشروع النظام الأساسي لهذا المجلس.
ومن أهم ما شد انتباهي معيار – حسن التعامل والإصغاء للمتقاضين وباقي المتدخلين بما يضمن التطبيق العادل للقانون.
حسن التعامل والإصغاء يختلف من قاض لآخر ولا أدري كيف يمكن تقييم الأداء على هذا المستوى.
فالقاضي الذي يدخل الجلسة ويقف له الناس احتراما له ولهيبة القضاء وقبل الجلوس يرد التحية بكلمة “السلام عليكم” ثم يجلس ويشير إلى الحضور بالجلوس؛ هذا القاضي يجلب الاحترام لنفسه وللمحكمة، يقدره الناس ويحترمون قراراته. أما القاضي الذي يدخل قاعة الجلسة ولا تحضر في ذهنه مثل هذه الإشارات التواصلية، ويتجاهل من حضر بقاعة الجلسة، محامين ومتقاضين، أو يصيح غاضبا في وجه الغافل عن الوقوف؛ فإن الجميع يتساءل عن الوسط الذي أتى منه هذا القاضي وتربى فيه، وعن نجاعة طرق إدماجه في السلك القضائي.
لأن طرق الإدماج التي لا تبعد من السلك القضائي من له ميولات سلطوية يجب إعادة النظر فيها.
** **
هل القضاة جزء من السلطة القضائية؟

عند قراءة المادة 103 من مشروع النظام الأساسي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية التي تنص على أن المجلس يبدي رأيه في: ـ مشاريع ومقترحات القوانين والنصوص التنظيمية المتعلقة بوضعية القضاء ومنظومة العدالة؛ – استراتيجيات وبرامج الإصلاح، في مجال العدالة، التي تحيلها الحكومة إليه؛ – التدابير الكفيلة بالإسهام في تحسين جودة ومردودية منظومة العدالة.
فإننا نخلص من هذه القراءة أن القاضي لا يعتبر عضوا في جهاز السلطة القاضية وعلاقته به مثل علاقة أي مواطن بالأجهزة التي يشارك في انتخابها.

** **
الودادية الحسنية للقضاة تعتبر القضاة هم وحدهم الذين يجب أن تتشكل منهم هذه المؤسسة التدبيرية أي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويطلبون زيادة على ذلك أن يبتعد عنهم وزير العدل. ويتذرعون في ذلك بكون مجلسهم يمارس مهام التأديب ويرفضون أن يشاركهم في هذه المهمة أي أجنبي عن السلك القضائي. (انظر بيان الودادية الحسنية للقضاة المتضمن مقترحها المرتبط بإصلاح القضاء المرفوع لأعضاء اللجنة الخاصة بمراجعة الدستور).
التصور الوارد في خطاب الملك لتاريخ 20 غشت 2009 حول المؤسسة التدبيرية للقضاء عندما قال: نعتزم إيجاد هيأة استشارية قارة، تعددية وتمثيلية، تتيح للقضاء الانفتاح على محيطه، وتشكل إطارا مؤسسيا للتفكير وتبادل الخبرات، بشأن القضايا ذات الصلة بالعدالة. وذلك في احترام لصلاحيات المؤسسات الدستورية، واستقلال السلطة القضائية، واختصاصات السلطات العمومية.
هذا التصور لم نجد تجسيدا له لا في الوثيقة الدستورية ولا في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
** **
خاتمة
أما نحن في عرضنا الذي قدمناه أمام لجنة صياغة الدستور فقد اقترحنا لهذه المؤسسة السهر على حسن تنفيذ السياسة الجنائية والإشراف على التكوين والتكوين المستمر لمختلف الفئات العاملة في قطاع العدالة والتفتيش وإعداد تقارير بشأن الإخلالات التي قد تسجل في حق أي عنصر من العناصر التي تشارك في تحقيق العدالة وتحيل تلك التقارير على الهيئة التي ينتمي إليها العنصر المخل بالسلوك وقواعد المهنة المنصوص عليها في القانون المنظم للمهنة التي ينتمي إليها (قاض، محام، مفوض، كاتب ضبط، خبير، ضابط،…). مع ضمان الحق في الطعن في كل القرارات التي تصدرها هذه الهيئات بصفة تأديبية.

كما أنه لا الوثيقة الدستورية ولا مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لا ينص أي منهما على آلية لمراقبة هذه المؤسسة الدستورية. وكما قلنا فإن إسناد أي سلطة لجهة دون التنصيص على آلية لمحاسبتها يعتبر تشريعا للاستبداد.

كما يجب إقرار بوضوع وتنزيل مبدأ مساءلة كل من ينيط به القانون صلاحية اتخاذ القرار.
بكل أسف لا زال الموضوع بحاجة إلى المزيد من الجهد وأرى أن الخلل كامن في عدم وضوح التصور حول مفهوم السلطة وآلية ممارستها واختصاصاتها.

اضف رد