لحسن كجديحي

طيف خيال مناضل …

لحسن كجديحي

لحسن كجديحي

المسائية العربية

                                                                                         لحسن كجديحي

هكذا ولد في قلب الخطر، وترعرع في جوف حوته أيضاً، وناضل ضد هذا الخطر بلا هوادة، فكان المبدأ الذي شب عليه، عاملاً أساسياً في شفائه الجسدي والنفسي، لذلك قال يوماً، بعد أن صار وجوديا: (أنا حارس الكفاح والفرح الإنسانيين) فالكفاح له فرحه، له سعادته، له لذّته القصوى، عندما تعرف أنك تمنح حياتك فداء لحيوان الآخرين، هؤلاء الذين قد لا تعرف لبعضهم وجهاً، لكنك تؤمن، في أعماقك، أن إنقاذهم من براثن الخوف والمرض والجوع والذل، جدير بأن يضحى في سبيله، ليس بالهناءة وحدها، بل بالمفاداة حتى الموت معها أيضاً. إن وعي الوجود عنده، ترافق مع تحويل التجربة إلى وعي وكانت التجربة الأولى في الحي الذي عاشه في صباه و الذي نشأ فيه في مراكش، مثل التجربة الأخيرة، حين يرحل عن هذه الدنيا، ومثل تجربة الكفاح ما بينهما، منذورة كلها لمنح الرؤية للناس، لمساعدتهم على الخلاص من حمأة الجهل، والسير بهم ومعهم نحو المعرفة، هذه التي هي الخطوة الأولى في (المسيرة الكبرى) نحو الغد النضالي الأفضل.

لم يكن يتصوّر، حتى في الأربعين من عمره، أنه سيصبح مناضلا يساريا، فقد ولد، كما هو معروف عنه، بالخطأ، ونشأ بالخطأ، و ناضل بالخطأ أيضاً.. لنبدأ بالكلام عن حياة الطفولة، هذه التي أصبحت بعيدة جداً الآن، وكل ما يذكره عنها أنه بدأ رحلة التشرد           و هو في السابعة من عمره، وهذه الرحلة، من حيث هي ترحال مأساوي في المكان، عمرها الآن ستون عاماً تقريبا، أما رحلته في الزمان، فهي أبعد من ذلك، وستبقى ما بقي، بسبب أن التأمل،  الاستشراف، يمثلان الوعي الأول للوجود، وكل هذه الذكريات التي تنثال في الخاطر، أصبحت مرنقة الآن، و هو يلعنها لأنها تغتاله بلا رحمة.

وكان المحيط الاجتماعي الذي نشأ فيه، بتمام الكلمة، أميّاً، متخلّفاً، – باستثناء أمية أبيه التي ظلت تنم عن وعي مكتسب- إلى درجة لا تصدّق، لم يكن في حيّ صباه كله، مَن يناظر ويجادل، كان سكان هذا الحي، والأحياء الفقيرة الأخرى في مدينة مراكش، يتلمّسون في الظلمة سبيلهم إلى النور، والذين ساعدوهم في ذلك كانوا المناضلين الأول، ضد الظلم و الاستبداد ، وكان له – و هو فتى في الثانية عشرة من عمره – حظ التعرف على هؤلاء الحاملين المشاعل، وشرف الانتماء إليهم، والتعرّف إلى حقيقة الكلمة وشرفها من خلال إرشاداتهم، هذا المجتمع، في الطفولة واليفاعة والشباب، أعطاه تجارب لا تُنسى، أفاد منها في كفاحه بالكلمة على امتداد حياته المعيشة التي قاربت الستين الآن. وكي يختصر الكلام عن المحيط السياسي يقول: عرفته، رافقته، كنت قريباً من أبرز رجاله، منذ هجرة عائلتي من حي سيدي ميمون إلى حي وسم سكانه بالأوباش فيما مضى من الزمن، وقبل ذلك بقليل، وبعد ذلك إلى الوقت الراهن، غير أن كفاحه، على الجبهة العمالية، وما فيها من كرم الكفاح، قد جعله يكتشف حقائق كثيرة، ومنذ وقت مبكّر، لذلك ترك الانتماء الحزبي، منذ منتصف التسعينيات، وكرّس حياته للنضال العمالي، وبقي كذلك، دون أن يعني ذلك نسيان الماضي، أو عدم الأمانة للمنطق، فهو يعرف أن اليوم الذي ينسى فيه أناسه، أو يدير لهم ظهره، أو ينقطع حبل السرّة الذي يربطنه بهم، سيكون يوم توقفه عن النضال، وتالياً عن الحياة.

هذه المسيرة الطويلة كانت مشياً، وبأقدام حافية، في حقول من مسامير، دمه سال في مواقع خطواته: ينظر الآن إلى الماضي، نظرة تأمل حيادية، فيرتعش. كيف، كيف؟! أين، أين؟! هناك البحر وأنا على اليابسة؟! أمنيته الدائمة أن تنتقل مراكش إلى البحر، أو ينتقل البحر إلى مراكش، أليس هذا حلماً جميلاً؟! السبب أنه مربوط بسلك خفي إلى الفرجة، ومشدود بقلادة ياسمين إلى ليالي جامع الفنون.

الإنسان ابن تاريخه الاجتماعي، والتاريخ حقب و مراحل، ونحن الآن في مرحلة المجتمع الاستهلاكي حيث النفعية عنوان كبير وبارز له، مع كل ما ينطوي تحتها من شرور وآثام، لكننا، في مغربنا مكتوب علينا أن نواصل الكفاح، في سبيل التحرير واسترداد الحقوق، وضد التطبيع النضالي.، وهذا الكفاح مجيد، وسيكون مجيداً أكثر، ومجدياً أكثر في مناخ الحرية التي يريدون وأدها.

إذا كنا نتفق على أن ثمة أزمة عميقة يعانيها النضال في الوقت الراهن، فإن أولى سبل العلاج تكمن في وضع اليد على الجرح وتشخيص الواقع بشجاعة قبل إعطاء جرعات ضرورية من دواء يخلصنا من الداء… وينطلق بنا إلى نهوض جديد. إن العالم كله اليوم، يواجه مفترق طرق حاداً. والتاريخ في مثل هذه المفترقات القاسية يضع الشعوب و نضالاتها في حالة من التشوّش والقلق تؤثر لا محالة على الفرد والمجتمع. وهذا ما ينطبق بالطبع – وربما على نحو أكثر درامية – على شعبنا المنبوذ. وتصبح حالة التشوش والقلق هذه أكثر عمقاً عندما نجد أنفسنا مطالبين، ونحن على أبواب الألف الثالثة بعد الميلاد، بحضور فعّال في ساحات هذا العصر، الذي لا يعترف إلا بمن يمتلك مفاتيح التعامل معه.

إن أي رصد لواقعنا النضالي لا يمكنه إنكار هول التردّي الذي وصلنا إليه، وحجم التحديات المفروضة علينا إذا أردنا النهوض من سباتنا الطويل. والعمود الفقري لهذا النهوض هو إعادة الديمقراطية إلى قلب الحياة اليومية على مختلف الأصعدة. فقد غابت الديمقراطية عن التطور السياسي والثقافي والاجتماعي المغربي ، ولم تحتل الأولوية في جدول أعمال معظم – إن لم يكن كل – التيارات الفكرية والسياسية التي تدعي الديموقراطية. بل إن بعض التيارات رفضتها جملة وتفصيلاً بحجج متباينة. ومن أوجه التردّي الأخرى الجمود والتقليدية على الصعيدين الفكري والاجتماعي، وغياب العقلنة والعلمية، والتخلف الاقتصادي، والتعليم التلقيني، والقائمة تطول…

ينتشر الليل، تلمع النجوم فتنير المدينة، تتلألأ الشوارع. تغني الحناجر، تنصت الطيور، يطل قمر، الليلة هي ليلة عرسه. القمر يعلم أن العرس هو كلما بزغ نوره، العاشقون سحروا، أصابهم شرود كالسكارى، لايفقهون بما هم عليه وبما هم فيه، يطغى عليهم شعور لا يعرفونه من قبل، القمر يطل كل ليلة، ينثر نوره كل ليلة، سر من أسرار القمر، مركب تائه يبحر على هدي الرياح، الحرية، قلت له. أجاب: تقول الحرية؟ هي ليست كلمة، هي فعل، قلت: الكلمة لا تمنع الحركة أو الفعل، الكلمة أوجدت حواراً بيني وبينك، قال: الحرية ليست كلمة كأي كلمة. وسألته: هل يكفي الحوار؟ قال: لا. يكفي عندما ترافقه حركة. قلت: ألا تعتقد أننا تكلمنا كفاية ولم نتحرك. لم نعمل؟ قال: صحيح. أجبته: ضاحكاً: أخاف أن نبقى نتحاور فيمضي الوقت، ويأتي الغد ويذهب، يمضي.. قلت: إلى أين؟؟؟

أنا ذا الذي ظن نفسه فارسا لم يخل جسده من ضربة رمح أو طعنة سيف أعترف لكم أنني لم أكن أحميها.. بل حاربتها منذ البداية.. تصورت أنني أراقب حركاتها ومحاولاتها للانفلات من طيفها.. كنت أعرف.. أو هكذا تصورت.. مواعيدها.. ورائحة عطرها.. وعرقها.. لونها.. وانثناءاتها.. حيلها الصغيرة .. كيف تتخفى وتدعي الاستسلام وكيف تعود للعب مجددا.. تخدشني قليلا.. وتجرحني أحيانا .. منتشية في طفولتها الشريرة.

اضف رد