طيف سحابة…


المسائية الثقافية                                                           طيف سحابة…

  لحسن كجديحيGoujdihi.JPG

لطالما وقف، قبل رحيل العمر، وراء النافذة، يستروح النور، والشمس، والهواء العليل، ووابل المطر، ونديف الثلج. وأما الأرض العراء – التي تفصل بين البرزخين ولما يئن لها أن تعمّر – فقد عرف تضاريسها جيداً، ما ارتفع فيها وانخفض، وعرف ألوان التربة، وما ينبت فيها من أعشاب، ومن أزهار الياسمين ! وفي الليل يرعى النجوم، ويستضيء بنور القمر. وفي أثناء ذلك كله، يلمحها من وراء نافذته، حتى إذا تبيّنت شخصه، تسمّرت وراء الزجاج، أو فتحت المصراعين معاً على إطارهما، و.. تتعانق النظرات، عبر المسافة الممتدة بين النافذتين، الساحرتين! انتهت الإستراحة وعاد إلى مكتبه يجرجر قدميه.. لم يعد به رغبة لمواصلة العمل.. كل يوم يزداد تثاقله.. مع ذلك أوحشته مقصورته.. حين فتح بابها هذا الصباح وجدها متشوقة إليه.. جلس بعض الوقت ينجز فيها بعض مهماته اليومية ثم خرج كعادته لتناول الشاي مع زملائه.. فى الردهة صادفه أحدهم ووقف يستشيره فى بعض أموره.. لاحظ أنه يصوب نظراته لجزء بعينه فى الثوب الذى يرتديه.. بتلقائية تحركت عينياه تجاه نفس المكان فوجد ثقباً غير منتظم قرب الذيل.. ارتبك زميله ثم سأله مندهشا عن سبب هذا الثقب الذى لم يكن موجوداً وقت أن التقاه أثناء توقيع الحضور فى الصباح.. لم يجد بالفعل ما يقوله.. كان يفكر فى كيفية استكمال اليوم به ومداراة العيب.. طمأنه بأنه غير ظاهر ونصحه بعدم الالتفات إليه حتى يعود للمنزل.. شروده سحبه لمقصورته مرة أخرى عازفا عن أى صحبة.. فكانت المفارقة التي تثير الخاطر، موت في ليل تحت المطر، وموت فوق الثلج في وضح النهار، هل يلعب القدر لعبة! ألا يكون هذا موضوعاً لرواية العمر الحزين؟!

وهو لم يكن يشتكي من واقع سقط فيه، كان قد استسلم لقدره، منذ تبيّن تلك «العاطفة» تعتمل في صدر امرأة، بدا أنها عجزت عن أن تحقق ذاتها بغير ما تتمتع به من ميزة لا يد لها فيها. وكان يحجم عن أن يسمّي تلك العاطفة بما تستحق، الغيرة! وهل يمكن أن يكون لمثل هذه العاطفة البغيضة مكانا في حياة طيف عابر؟ يخرجان من تلك المقصورة يتخبَّطان في خيوطٍ غير مرئيَّةٍ يَنْسِلُها كلامُهم الصباحيُّ المتعثِّرُ، بحيث يدور الحوار بينهما متعثِّراً أوَّل الأمر لا يكاد يستند إلى شيء متماسك؛ ممَّا يجعله ينهار دفعةً واحدةً ويركد. على هذه الوتيرة يتعثَّر حديثهما زمناً طويلاً، حتى يهيَئ الله لأحدهما إخراج جملة ذات جَرْس ومعنى، فيتفجَّر الموقف، يتراكضان هنا وهناك، كُلٌّ يَقذِفُ بجُمْلَتِه في فَمِ الآخر مباشرةً، يُقْلِقُان تلك الصَّباحات الرَّخْوَة بحُمَّى الفوضى والتَّهريج..

وفي الليالي الباردة، ساعة يأوي إلى سريره، تأتي إليه جنية السماء بكوب الماء الساخن، تدسّه تحت اللحاف. تلذعه السخونة، تقيه منها بجورب قطني طويل الساق، أبيض مما يتخذه الرياضيون، وتجهد في إلباسه إياه. جمعَتْهما، ذات ليلة ممطرة، طموحاتٌ وآمالٌ موءودة. وقفا في وجه الريح طويلاً، لكن الآمال الناعمة اشتدَّ لسعها الحارق على الوجوه  والأذْرُع. لم يقولا كفى للجَّفاف الذي ضرب النفوس، وما فترا من ملاحقة اللَّون الأخضر؛ يُدَرِّجُانَ نحوَهُ آمالهما  الضَّامرة. على امتداد المسافات الشَّاسعة، وقفا متأملين الآيات والعلامات تنشأ على ملامح الأرض منبهرين من مقدرة الجَّفاف على مَحْو الأخضر. حاولا فَهْم الحكمة من ذلك؛ كُلٌّ حسب خبرته. طويلاً وقفا أمام الأرواح كافَّةً تَزْهَقُ وتصعد. الناس والبهائم والنَّبَات؛ كُلُّ شيء كان يموت. تناديا، على أمل صنع شيء يوقف زحف الموت الشَّامل. أصابهما جنونٌ لحظيٌّ فرضخا.. طالت الرقصة الدبيحة آماداً طويلة، ثلاثة أطياف كانوا يدفعون أجسادهم في أتونٍ يغلي بالفرح، وثمة رغبةٌ مبهمةٌ تتحرَّكُ في دواخلهما، تحفزهما على الثأر من كل لحظةٍ ضاعت، الثأر من أي شيء. ليس عدلاً أن لا أرعاك، لأبقى أشد من أزرك وحدك، أبتكر طرقك لأبقى فترة أطول، فمرة أتكئ على قوس الإيوان، وأخرى على الركن الشمالي. كنت أسمع صوت أنينك في الليل عندما تسدل الجفون. أطوف لأمسد على جدران مقصورتك متحسسة ومؤاسياة. كانت بيننا وعود تأخرت كثيراً في إنجازها. أنت تعرف الأسباب، فأنت لم تكن طيفا فقط بالنسبة لي، بل حياة استلمتها من البرزخ لأسفحها في جنباتك. ولم تكن جدران مقصورتك  مجرد جدران أحاطتني حتى أصبح مسنة شمطاء، قد تقوى الأيام على النيل منك، فتغور كمعلم تحت طمي انجراف الأمنيات، وتصبح طللاً. ويصير المرور بالقرب منك فعلاً عابراً لا ينكأ جرحاً، أو يثير حسرة. لكن تحت سقفك حيكت ألفة ونشيج وكركرات. عرّشت لتتدحرج من أرحام الحجرات أفواه وعيون زرق وسود وخضر تأخذ العقل استعارت بهاء السماء ونباتات الحديقة.

ولقد قاده التفكير، منذ أخذ طيف الجنية يطوف في فضاء المقصورة، إلى ما قد يكون عند زائري الدارة الفخمة، من عاطفة مشابهة، ولكنه علم أن الرجلالنحيف- بما يحمل من عبء سنين تعد ضعف ما عند قرينته المولعة بالقراءة والكتابة – دائم العناية بمظهره، وإذا كان يعمد إلى أن يسوّد شعره، فإنه لم يوفّق في استنبات ما ذهب منه. ولكنه اعتاد ممارسة أنواع من الرياضة الهيّنة، أبسطها الجري مع المتريّضين أمثاله، في مضمار واحة، ساعة من كل صباح، للمحافظة على لياقته البدنية. ولكن بدا أنه تجاوز الهيّن من الرياضات، بأن نهص يوماً إلى جبل يقصد الاستجمام و شم أريج الأعشاب قصيرة القامة، فزلّت قدمه – أمام أعين مرافقيه – فانكسر منه عنق الفخذ، وهو شر ما يحيق بمن هم في سنّه، وحمل مكسوراً، وكان أن خضع لجراحات طالت فيها علّته، ثم مات موت الخيلاء؟؟؟.

كانت هذه الموت لا توفّر فرصة للنيل منه في ممازحة أو معابثة. وهي تسمّي ما يعتريه من «شرود» أحياناً بـ«ذهول العباقرة»، وتحدّث صويحباتها عن وقفته، مرة، أمام المرآة يحلق ذقنه، ضغط على ماسورة المعجون، ثم ما درى – وهو يرغي بالفرشاة – ما إذا كانت يده تناولت ماسورة معجون الحلاقة أو الأسنان! لاحظت زوجته حيرته، ومع أنه تبين أنه لم يخطئ في التناول، إلا أنها استثمرت هذه الواقعة، بأن أخذت تحدّث صويحباتها بأن زوجها، الذاهل دائماً، يحلق بمعجون الأسنان، فأخذن يضحكن عالياً…

هل كانت تدرك هي نفسها أنها تستقبل الموت؟ لقد فاضت روحها أمام عينيه، مغسولة الوجنتين بالدموع، غسلاً خُيل إليه أنه بلغ أعماق نفسها. تلك الساعة، وجد نفسه يبكي، أمام جثمانها المسجّى، مثل طفل، ناسياً ما تقدم من ذنوبها وتأخر. فلما أفاق، واستحضر شيئاً مما تختزنه ذاكرته، انكفأ يرثي لحاله، رثاها مرّتين، لأنه فقد إلى الأبد رفيقة العمر، ورثى نفسه ثانية لما تحمّل من عذابات السنين. قالت له ذات يوم : عرفت أنك لست لي! أنت لأولئك الذين تكتب لهم، تكتب عنهم! كثيراً ما باح لسانها بمثل هذا، وساعة ينتابها الغضب، فإن صرخاتها تترامى إلى سمعه وهو مغلق الباب على نفسه يقرأ أو يكون منعطفاً على أوراقه يكتب…

 

4 تعليقات

  1. عاشقة الجبال

    عاشقة الجبال.
    أبدعت،وكانت هندستك للقصة جميلة،تنتقل بتسارع يناسب الحركة في العالم الخارجي،خاصة وأنك تتكلم عن أبعاد إنسانية،وخلق مجرة إنسانية كاملة،تحتاج إلى تعمير،ولا يكون فيها إلا من رضي عنه الرحمن وقال صوابا.
    البدء ب”لطالما” توحي بالزمنية الظاهرة هنا ، فالمحكي هنا عبارة عن حدث ماض ،ومع أن المدخل الى القصة حمل سمة العادي ، إلا أن الرؤية تتضح من خلال التعمق في الماهية التي خلقت من أجلها هذه المقدمة نفسها ، الانسان بين الانتظار ، والتساؤل بشطريه الداخلي والخارجي ، والخارجي بشطريه المتصل بالحدث كسياق خاص ، واللامتصل به من خلال العام ، ومن ثم التأثير العام للحدث نفسه على الذات الفاعلة ، والمحيطة ، وهذا أيضا ضمن السياق العام والخاص للوجود ، دون الاغفال عن المكانية التي تثبت الرؤية بشيء من التناص الوجداني المؤثر على النفسية القلقة المنتجة لهذه الحالة.
    التوظيف جاء موفقا لكونه واكب الحالة / الحدث نفسه ، لكن أجدك تتملص من المباشرة ، وتحاول أن تجهد المتلقي لحين ايصاله الى اللحظة الحاسمة ضمن سياق الحدث القصصي هنا ، فهذه الاشارات والايحاءات ممهدة أكثر ، وهي تحاول أخذ زمام المتلقي وإعطائه دافعا للمتابعة ، بحقنه برعات قليلة من الحدث وببطئ ملحوظ ، وكأني بالمتلقي هنا يمسك بأول الخيط ، لكنه غير قادر على الحكم ، فالحالة الوصفية تعيدنا الى أمرين الاول البداية ” الحياة المستمرة، المرأة ، والثاني الموت التي تخلق ممرات تساؤلاتية..

  2. ابوجاسم
    أيها المتهالك كم ذدتُ عنك بحوارات مملة، لتصحيح ما اعترى وجهات نظر الآخرين من امتعاض تجاه رؤية البناء القديم من حرص على استيعاب أشعة الشمس، وانفتاح لفضائك المفرط على السماء التي اختزنتها ذاكرته كإرث موغل في قدم المهارة التي جائتك من أحياء مراكش و دروبها المتلاصقة في زمن الخلود، فاسحاً المجال أمام عبث الريح المشحونة بالبرد والأمطار. إلا أن السنين لم تستطع أن تروض إرادة قلمك الذي أذاب سنين العمر في ممراتك، لتنجح في النهاية في خلق علاقة انسجام بين شحنات الطبيعة وإيقاع الرتابة اليومية. فبات كل منا حريصاً على ما نما بينك وبين فئات قرائك من انسجام، مكبلين بمعاني مختلفة من الشد والحب والنفرة، خاصة وأننا نكبر ونشيخ. فتشاركنا أمطار الشتاء دفء جلساتنا . وتبقى المقالة التي اخترت للمرتبة الأولى، حيث تتقد المخيلة وهي تقدم السارد العائد من إجازته إلى الكتابة، حيث يلفت زميلته ثقب فيما يرتدي. ومن حين إلى حين، من حركة إلى حركة، يصير الثقب ثقوباً، حتى إذا حان وقت الخروج من المشهد، بدت الواقعة عارية. وهكذا سرت الدلالة بلطف وأناة، لتعري ما في روح الفرد وجسد المجتمع من ثقوب. ولئن كانت هذه التعرية قد شغلت الكتابات الأخرى أيضاً، فمن اللافت في هذه المقالة أنسنة الطبيعة الانسانية. كل الشخصيات البشرية وغيرها هي ما كتبت عنها صورا أدبية، وصلت حسب ما قرأت إلى حوالي عشرين نموذجا ، كل نموذج تتراوح الكتابة عنه بين صفحتين أو خمس صفحات وقد كتبتها في كشكول خاص، وضعت له عناوين متميزة وتفلسفت بما يجعل هذه المميزات تؤدي معنى الحياة بخيرها وشرها، وتعدد وتنوع وتعقد الشخصيات التي نقابلها فيها، وقد ظللت حريصا على هذا الكشكول الذي لم تفكر، يوما، في نشر شيء منها، فقد كان حسك النقدي عاليا، ربما لأن ميولك الفكرية ظهرت مبكرا، ولذلك لم تفكر في نشر شيء من هذه الصور القلمية التي ظللت تعتز بها كلها، وإن كنت تخص بإعجابك اللوحة القلمية التي كتبتها عن عباءة الحزن، بحسب ما صرحت لي به ذات يوم،. وقد ظل هذا الكشكول أحد ممتلكاتك الأثيرة، القريبة إلى القلب، زمنا طويلا، لكن ذهابك إلى الجامعة، وتركه على الرفوف، أديا بكثير منه إلى الضياع ضمن ما ضاع من الكتابات الأدبية؟ الأولى التي كتبتها طوال المرحلة الثانوية. أذكر هذا الأمر لأنك حتى الساعة لم تبادر بإخراج هذا التراكم إلى السوق الذي لا يرقى إلى المطلوب من الكتابة الجادة.

  3. عندما يضيق صدر الانسان يشتاق إلى قلم ملتزم يسبح به في أعماق الكلمة الحاملة و الحالمة بفضاء الابداع الذي يسبح بك بدوره في عالم الذكريات التي تجعلك تعيش في ماض ولى حاملا معه الصبى الجميل…أليس كذلك يا أستاذي المبدع؟؟

  4. عودة ميمونة يا أستاذي الكريم

اضف رد