ذ عبد الله الحريف

عبد الله الحريف مسار مهندس آمن بالثورة

المسائية العربية

ذ عبد الله الحريف

ذ عبد الله الحريف

 شدرات من مسار ” عبد الله الحريف “مهندس آمن بثورة الشعب الفلسطيني و أيقن ان لا سبيل لأي تحرر سوى الثورة

 عبد الله الحريف

الرفيق الوفي ،الساعد الايمن  للرفيق أبراهام سرفاتي في أهم ما مرت به منظمة إلى الامام من منعطفات… القارئء النهم الذي لم يتعلم – و بعصامية نادرة- اللغة الالمانية إلا ليغني روافده النظرية، و يوسع من رحابه رؤيته السياسية في ضوء فلسفة الجدل، ثالث عناصر النواة (عبد الحميد أمين وأحمد ايت قدور )  الصلبة التي شكلت دينامو تأسس الاتحاد الوطني للمهندسين

واحد من أهم العناصر  و القيادة التي دبرت مرحلة انتقال  مما تبقى من كوادر و مناضلي إلى الأمام ،و العاطفين و المحتضنين لحطها السياسي و ميثراتها النضالي ،من السرية إلى العلنية  قبل بلورة القرار الجماعي بالعمل السياسي المباشر ضمن حزب النهج الديموقراطي ،الذي انتخبه كاتبا و طنيا.

                                          ………………………..

    

المسائية العربية : إلى جانب تواريخ أخرى، ليناير 1946 دلالته بالنسبة لأسرة الفقيه ” الحريف ” ولربما لعائلة ” الحرارفة ” كما     يفضل أهل  مكناس تلقيبكم ،ففضلا عن ولادتك ما الذي تتذكره اليوم مما مرت به العائلة في هذه المرحلة ؟

                العامة  بالمدينة الظروف الخاصة بالأسرة..؟

ذ،عبد الله الحريف:

ولدت بمكناس في يناير 1946. وكنت ثالث طفل في هذه العائلة التي ستتكون من بعد من خمسة أولاد و ثلاث بنات. كان أبي ينحدر من عائلة الحريف المعروفة بمكناس نظرا لكونها من العائلات القديمة بهذه المدينة و أمي من عائلة بن عبد الجليل الفاسية و التي نزحت في وقت مبكر إلى مكناس.

كان أبي الطيب الحريف، في ضائقة مالية في بداية حياته الزوجية أيام الاستعمار لأنه بالرغم من كونه خريج القرويين لم يكن يريد أن يصبح عدلا  لأنه كان يعتبر أن هذه المهنة تعرض ممتهنيها إلى اقتراف الذنوب و كان يقول لأمي: “لن تكوني معي في قبري”. لذلك اكتفى بتقديم بعض الدروس في الجامع الكبير مقابل الحصول على أجر زهيد جدا. وستتغير هذه الوضعية في بداية مرحلة الاستقلال الشكلي حيث سيصبح أستاذا في التعليم الثانوي الأصيل. كما رفض، في هذه المرحلة للاعتبارات السابقة و لكونه كان يحرص بكل قوة عن الابتعاد عن المخزن، لوظيفة قاضي شرعي و كان يتجنب ما أمكن الحضور في المناسبات الرسمية. و أتذكر أنه كان ينتظر أن يتم اعتقاله من طرف السلطات الاستعمارية نظرا لتعاطفه مع حزب الاستقلال.

أما عائلة أمي، فكانت من العائلات الغنية بمكناس حيث كان جدي الذي كنا نسميه با سيدي تاجرا ناجحا مما مكنه من أن يصبح رئيسا للغرفة التجارية لمكناس. و كان يسكن مع بعض أبنائه و زوجاتهم و أبنائهم في “رياض” كبير في المدينة القديمة. كما كان يملك ضيعة كبيرة مزروعة بالليمون بالقرب من مكناس كنا نقضي فيها مع العائلة الموسعة عطلة الربيع و أيضا فيلا بإفران كنا نستمتع بقضاء جزء من الصيف فيها بعيدا عن الجو الحار لمكناس.

أبي كان مولعا بالمطالعة و كان يشترك في بعض المجلات و الكتب، أذكر منها سلسلة الهلال المخصصة لسيرة عدد من العباقرة كان عباس محمود العقاد من كتابها الأساسيين و كذا سلسة القصص التاريخية لجورجي زيدان و أيضا العديد من الكتب حول الدين الإسلامي و سيرة الأنبياء و التاريخ “العربي-الإسلامي” و مخطوطات كثيرة جدا. و قد ترك خزانة مهمة. و كنت، أيام طفولتي، أقرأ العديد من هذه الكتب. أبي كان مرهف الإحساس و كان يصاب بقلق شديد حين يتأخر أحد أفرد الأسرة عن الرجوع إلى المنزل. و رغم أنه كان يتمالك نفسه خلال زيارتي إلى السجن، فقد عرفت، من بعد، أنه كان يتألم كثيرا بسبب إعتقالى. أما أمي، فكانت تتمتع بشخصية قوية جدا مكنتها من مواجهة كل المحن بعزيمة و جلد. 

كنا نسكن منزلا عتيقا ورثناه عن الأجداد( منزل “محبس”) في المدينة القديمة. و رغم دخل الوالد المتواضع، لم نكن معوزين لأننا كنا نتوصل بالخضر و الفواكه من “جنان” محبس يقع في أطراف المدينة و على احتياجاتنا من الحبوب و القطاني و الزيت من أرض فلاحيه في نواحي مكناس يملكها أبي. كان عمي محمد يسكن معنا في هذا المنزل و كان طيبا و يكن لنا محبة كبيرة، خاصة و أنه لم يكن له أولاد. و كان ضعيف البصر. لذلك كان يطلب مني أن أنسخ بعض العقود العدلية في كناش خاص ( كناش الجيب حسب ما أتذكر). و كانت زوجته لالة خيرة ذات شخصية قوية. كانت مولعة بالأفلام المصرية و كانت، ربما، الوحيدة في المدينة القديمة المحافظة جدا التي تجرأ على الذهاب لوحدها، بنقابها،  إلى السينما. عمي إدريس كان يسكن منزلا محاذيا لمنزلنا و كان إنسانا طيبا و منزويا على نفسه وكان من مريدي الزاوية الدرقاوية على ما أتذكر.

اشترى أبي “عرصة”( بستان مزروع بأشجار الفواكه) في حي الزيتون الذي كان آنذاك كله “عراصي” و كنا نقضي فيها عطلة نهاية الأسبوع و جزءا من الصيف..

بدأت دراستي في مسجد الفقيه السي جدي. و رغم دخولي إلى المدرسة الحرة( مدرسة الوطنيين) لمدة سنتين ثم التحاقي بمدرسة عمومية كانت تسمى المدرسة الابتدائية الفرنسية- الإسلامية درب السلاوي، ضللت أتردد على المسجد لحفظ القرآن.

في 1957، نجحت في الشهادة الابتدائية وفي امتحان الولوج إلى التعليم الثانوي العصري( أي التعليم الفرنسي) و بدأت مرحلة جديدة سأتعرف خلالها على العديد من التلاميذ اليهود المغاربة و أيضا الفرنسيين. و كانت العلاقات بيننا تطبعها الودية و التنافس. و كان التلاميذ اليهود ينحدرون من طبقات اجتماعية مختلفة، أغلبهم من أوساط فقيرة أو متواضعة  يقطنون في الملاح القديم أو الجديد.

أتذكر حدثا أليما و قع سنة 1961 و هو وفاة با سيدي و مي لالة بسبب اختناق بالغاز. منذ ذاك أصبحنا نقضي عطلة الربيع في مراكش و عطلة الصيف في طنجة.  

المسائية العربية :   توقع أقربائه أن السي الطيب الحريف مهدد بالاعتقال لتعاطف يبديه  لحزب الاستقلال على عهد الحماية، كيف تلقى اعتقال ثالث أبنائه ضمن منظمة سياسية نشأت  في ظروف السرية  و ناضلت بهدف الثورة و بناء المجتمع الاشتراكي؟

ذ/عبد الله الحريف:  اعتقالي كان متوقعا، أو، على الأقل، محتملا. ذلك أنني كنت سأعتقل في مارس 1972 على إثر اعتقال رفاق كانت تجمعني بهم تجربة ما سميناه، بكثير من التضخيم، “الوكالة الشعبية للأخبار”. كنا نجمع أخبارا حول النضالات الشعبية التي كانت قوية بعد انقلاب الصخيرات و نكتب مقالات بسيطة ضد النظام نضمنها في نشرة نطبع منها عددا من النسخ بالرونيو و نوزعها في الأحياء الشعبية و أحياء القصدير في بعض المدن، خاصة الدار البيضاء. بعد عيد العرش من تلك السنة، ستنطلق الاعتقالات( محمد الخطبي، أنيس بلافريج، جمال بلخضر و أخرون لم أعد أتذكر أسماءهم). شعرت أن دوري سيأتي. و بعد بضعة أيام و أنا في مكتبي في “مكتب التنمية الصناعية” بالرباط، تلقيت مكالمة استشففت منها أن الأمر قد يتعلق بالبوليس. فغادرت مكتبي بسرعة. ثم بعد بعض الوقت، اتصلت بأحد زملائي في العمل الذي أكد لي أن حدسي كان صائبا. اضطررت بعد ذلك إلى السفر إلى الدار البيضاء و العيش خلال ثلاثة شهور عند أحد أخوالي إلى أن أتصل مدير “مكتب التنمية الصناعية” بأسرتي ليخبرهم أنني يمكن أن أرجع إلى عملي. بعد ذلك و رغم مناشدة أبي و أمي لي بالابتعاد عن السياسة، سألتحق، بعد شهور، بمنظمة “إلى الأمام”.

و أتذكر أنني، حين تلقيت خبر اعتقال أنيس بلافريج الذي كانت تجمعني به صداقة منذ مروري بالأقسام التحضيرية(1964-1966)، وجدت نفسي في موقع حرج جدا لأنه كان علي أن أخبر أباه الحاج أحمد بلافريج الذي كان يتوقع ذلك و تلقى الخبر بصبر.

السؤال الثالث: بين عائلتي الحريف و بن عبد الجليل تأرجحت الكفة بين قوة شخصيات النساء،و رهافة حساسية بعض الرجال، ألا يمكن تفسير ذلك بتفاعل رؤيتين ثقافيتين اترتا التكامل في  مراحل متقدمة من مغرب  القرن العشرين ، اقصد بذلك عقلانية  الثقافة التجارية  و وجدانية نظيرتها الزراعية؟

  ذ/عبد الله الحريف:  إخوة أمي كانوا، في معظمهم، يمتهنون التجارة. كان با سيدي يدير نوعا من الشركة مشكلة من متاجر البازار المتواجدة في بعض المدن المغربية و الفرنسية و كان أبناؤه-ما عدا واحد منهم درس القانون و أصبح محاميا-و زوج إحدى أخواته يسيرون تلك المتاجر. لذلك أعتقد أنهم تأثروا بما عايشوه في عدد من المدن المغربية و في أوروبا، و خاصة فرنسا. و كانوا عمليين و براغماتيين.

أبي، على عكس عمي إدريس الذي كان مريدا للزاوية الدرقاوية و عمي محمد الذي كان يواظب على قضاء عشرة أيام أو أكثر كل سنة في زرهون بمناسبة موسم مولاي إدريس، كان متأثرا بفكر النهضة( محمد عبده، قاسم أمين…) و كان منفتحا و حرص على تعليم أخواتي، رغم البيئة المحافظة جدا التي كانت تميز مدينة مكناس آنذاك. 

المسائية العربية : تكشف صورتك التشخيصية أن بذاكرتك مغرب متعدد الثقافة بحيث يستشف من حديتك نوع من الانتصار لنشأة كان فيها لأصدقائك اليهود نفس ما كان لبقية الإخوة و الرفقاء من مكانة قوية .كيف عايشت المسألة اليهودية في ما تتذكره الآن من معيش ماض قريب؟أو بعيد؟

 ذ/عبد الله الحريف: لقد شكلت لي هزيمة الجيوش العربية في 1967 و التي عايشتها و أنا في مدرسة المعادن بباريس ليس صدمة قوية فحسب، بل أيضا إحساسا عميقا بالمهانة، خاصة أمام استهزاء و

سخرية زملائي الطلبة و وسائل الإعلام الفرنسية بالعرب. و أتذكر أن دو كول كان الوحيد، على المستوى الرسمي في الغرب، الذي ندد بغطرسة إسرائيل و أدخل بعضا من العزاء و السلوان على نفسي. منذ ذلك الحين، بدأت أتساءل عن سبب هذه الهزيمة و بدأت أهتم بالقضية الفلسطينية و القضية اليهودية. قرأت بنهم شديد العديد من الكتب، بالعربية و الفرنسية، حول التاريخ و الاقتصاد و علم الاجتماع. و لعبت الكتب التي كان فرانسوا ماسبيرو يصدرها و كتابات و مواقف عدد من المثقفين الفرنسيين من طينة جان بول سارتر دورا أساسيا في بداية تكويني، بشكل عام، و حول القضية الفلسطينية و القضية اليهودية بشكل خاص. و بدأت أميز بين اليهودية و الصهيونية و ازدادت قناعتي بضرورة هذا التمييز بفضل ما عشته مع زملائي اليهود أيام الدراسة، وخاصة بعدما تعرفت على عدد من اليهود المغاربة المناهضين  للصهيونية، و على رأسهم رفيقي أبرهام سرفاتي.

السؤال الخامس : حدثثنا عن مكناس صباك،و كان في هذا الحديث ما يفيد أن الصراع لم يكن طبقيا بالحدة و الجهنمية التي سوف تخترق المجتمع المغربي في وقت لاحق؟ كيف كنت تتلمس الفروق بين الغني و الفقير عهذئذ؟ و متى أيقنت أن هناك تناقض عصي قوامه صراع الطبقات؟

 ذ/عبد الله الحريف: في بداية مرحلة الاستقلال الشكلي، لم تكن الفوارق  الطبقية كبيرة كما هي اليوم: كان التعليم عموميا و التعليم الخاص شبه منعدم و يلجه الراسبون في التعليم العمومي الذي كان مفتوحا للجميع و لم تكن هناك تمايزات طبقية واضحة بين الأغنياء و الفقراء و الفئات الوسطى. كانت الأسر الغنية و المتوسطة و الفقيرة تسكن في نفس الأحياء في المدن العتيقة و تعيش نفس نمط الحياة، ربما لكون الأغنياء في مكناس كانوا تجارا مرتبطين بالسوق الداخلية و ملاكي أراضي فلاحية لا يستغلونها و يعيشون من ريعها و بالتالي كان لهم نمط عيش تقليدي و ارتباطات قوية بالطبقات المتوسطة و الفقيرة.

         أتذكر أن جدي كان يعيل العديد من الفقراء و يقوم بعمل إحساني. ولعب التعليم آنذاك دورا مهما في الارتقاء الاجتماعي لعدد كبير من أبناء الطبقات الفقيرة و المتوسطة الذين استطاعوا أن يصبحوا موظفين كبار و أطر عليا في القطاع العام والخاص و رجال أعمال بفضل مغربة الإدارة و بعد ذلك الاقتصاد. كانت قلة هي التي تقطن في المدينة “الجديدة”         ( حمرية) التي كانت مخصصة للأوروبيين، و خاصة الفرنسيين. بعد هذه الفترة، ستنتقل أغلب الأسر الغنية والمتوسطة إلى حمرية و ستبقى الأسر الفقيرة في المدينة القديمة التي ستمتلئ بالنازحين من البوادي المجاورة لمكناس و سيبدأ نوع من التمايز الطبقي-الجغرافي داخل مكناس. بموازاة ذلك، سيهاجر عدد من الأسر الغنية إلى الدار البيضاء أو الرباط حيث سينمون ثرواتهم. ولابد من إثارة الانتباه إلى أن عددا من المهن ستندثر خلال هذه الفترة ( الإسكافي الذي كان يصنع الأحذية على المقاس أو الصانع اليهودي الذي كان يخيط الأفرشة أو غيرهما من المهن…) و سيسقط ممتهنيها في الفقر. هكذا ستتشكل فئات وسطى من الموظفين و التجار المتوسطين وملاكي الأراضي الفلاحية  وأخرى غنية من كبار الموظفين المدنيين و العسكريين و الأمنيين و التجار الكبار و كبار ملاكي الأراضي العصريين و فقيرة من الحرفيين و العمال و النازحين من البادية.