عرض موجز لمحتويات كتاب “سلطة مغربية في غرب الجزائر”

المسائية العربية

 إبراهيم ياسين

صورة الغلاف (1)

هذه الدراسة محاولة – ضمن إطار تاريخ العلاقات المغربية الجزائرية – لاستقصاء مواقف الدولة المغربية – ممثلة في السلطان عبد الرحمان بن هشام ورجال دولته – من الاحتلال الفرنسي للجزائر، وما نتج عنه من تطورات خلال الفترة التي تولى فيها ممثلو السلطان المغربي مهام تسيير شؤون الغرب الجزائري ومحاولة منع الفرنسيين من احتلاله، وذلك بين نهاية صيف 1830 وربيع 1832. وتتكون الدراسة من مدخل تاريخي وثلاثة فصول تغطي حوالي 170 صفحة.

ويتضح من فصول الكتاب أن النتيجة الأساسية لشروع الفرنسيين في احتلال الجزائر سنة 1830 كانت هي إحكام الطوق حول المغرب الأقصى وعزله عن آفاقه الطبيعية والتاريخية في شمال إفريقيا والمشرق العربي، وجعْل واحدة من أعتى القوى الاستعمارية في القرن التاسع عشر جارا مباشرا له، بكل ما مثله  ذلك من خطر على أمنه الداخلي والخارجي واستقلاله· فكان من البديهي أن يتحرك المخزن المغربي ويتخذ عددا من المواقف والمبادرات المتنوعة في محاولة منه لتدارك ما يمكن تداركه. ولذلك كان الهدف المباشر من وراء هذا البحث هو تتبع تلك المواقف والمبادرات، وإبراز تجليات الضعف البنيوي – من خلال تدخله في غرب الجزائر – الذي كان يعاني منه المغرب منذ قرون في مواجهة مشاكله الداخلية والأخطار الخارجية القريبة منه.

  وكان مبرر بعض التفصيل في إيراد مصادر المعلومات وتوثيقها هو مراعاة الحساسية التي ما زالت تطبع تناول بعض الأكاديميين في الجزائر والمغرب لمثل هذا الموضوع الذي تتسرب إليه بسهولة الحسابات السياسية والانفعالات العاطفية والوطنية الضيقة. ولذلك كان هذا البحث من أحد جوانبه محاولة تأريخية غير مباشرة للتنقيب عن بعض جذور هذه الحالة وعن خلفياتها الأبعد في وقائع النصف الأول من القرن التاسع عشر، من أجل المساهمة في فهم بعض الأسباب غير المباشرة لما نشهده اليوم من ترد مزمن للعلاقات بين البلدين الجارين.

وتتركز الأسئلة التي حاول هذا البحث أن يقدم لها أجوبة فيما يلي:

ـ     لماذا تردد سلطان المغرب في قبول بيعة أهل تلمسان في البداية؟ وماذا كان هدف سلطان المغرب من التدخل في غرب الجزائر؟ هل كان هو توسيع رقعة مملكته والحصول على موارد مادية جديدة؟ أم ضمان مصالح تجارية لتجار فاس بالخصوص؟ أم كان الهدف هو منع الفرنسيين من تهديد المغرب عبر الجزائر؟ أم محاولة الدفاع عن الجزائريين فحسب؟ وهل كان السلطان يتوفر على الوسائل الكافية لتنظيم شؤون غرب الجزائر والدفاع عنه، وخاصة من المال والسلاح والجيش؟ ثم لماذا سحب خليفته بعد عام من دخوله تلمسان، وعوضه بعامل من خدام المخزن هو محمد بن العامري؟ ثم لماذا سحب هذا العامل بدوره في الأخير ليكتفي بدعم الزعماء اللاحقين لمقاومة الاحتلال الفرنسي؟                          

 

وهكذا تكشف الدراسة أن حصار مدينة الجزائر عام 1827 بواسطة الأسطول الفرنسي تمهيدا لاحتلالها لم يثر قلقا بالغا لدى سلطان المغرب ورجال دولته في بداية الأمر. غير أنه بحكم الجوار والروابط والمصالح التي كانت تجمع المغرب بالجزائر، كان لابد لتطورات هذه الأزمة أن تمس المغرب وتدفعه إلى القيام بردود أفعال واتخاذ مواقف من الأحداث والقضايا المتصلة بالحصار بعد ذلك. وفي هذا السياق نلاحظ أن السلطان اختار أسلوب المماطلة والتسويف إزاء طلبات المساعدة الفرنسية حتى حسم أمر احتلال مدينة الجزائر· وقد كان هذا الموقف المزدوج – والمتناقض – هو ما ميز سلوك السلطان المغربي ومخزنه بصفة عامة أثناء مرحلة الحصار والحملة الفرنسية ضد الجزائر؛ التعاطف مع الجزائريين ومحاولة مساعدتهم جهد الإمكان سرا، دون تعريض استمرار السلم مع فرنسا للخطر، بل والتظاهر بالاستعداد لإرضاء مطالبها، وبالحفاظ على موقف الحياد في نزاعها مع أتراك الجزائر.

وكان تقدم القوات البحرية الفرنسية بسرعة نحو مدينة وهران لاحتلالها هو الحدث الذي أثار مخاوف جدية لدى سلطان المغرب ورجال مخزنه، ودفعه رغم حذره الكبير إلى قبول فكرة التدخل مباشرة في شؤون غرب الجزائر.

وقد جاء قبول سلطان المغرب تولي أمر غرب الجزائر نتيجة لرغبة عدة أطراف جزائرية في الدخول في طاعة السلطان، وتجاوب أطراف مغربية معها بتأثير بواعث دينية وربما تجارية، فضلا عن خطورة الفراغ الذي أدى إليه السقوط المفاجئ للحكم التركي مع عجز الفرنسيين عن ملئه بسرعة، وما نتج عن ذلك من اضطراب الأحوال خاصة بالغرب الجزائري. هذا الاضطراب الذي كان من المتوقع أن ينتقل إلى قبائل شرق المغرب ما لم يوضع له حد عاجل·

وفي الواقع لم يكن السلطان عبد الرحمان بن هشام بحاجة إلى إلحاح ممثلي تلمسان عليه لقبول بيعتهم إلا من أجل تخفيف معارضة بعض علماء الدين. فقبل بيعة إخل تلمسان ونواحيها وشرع في تجهيز المحلة التي توجهت مع الوفد المبايع إلى تلمسان، وعين على رأسها كخليفة له فتى من أبناء عمه السلطان سليمان·

ورغم الموقف السلبي لأتراك تلمسان من الخليفة الجديد، فإن وصول المغاربة إلى تلمسان بعث الآمال في النفوس، ومالت أغلبية سكان إقليم وهران إلى طاعة ممثل سلطان المغرب في بداية الأمر؛ فتوفرت لرجاله كثير من شروط النجاح في مهمتهم، خاصة بعد تدفق الإمدادات المتنوعة عليهم من المغرب ·

على أنه رغم استخدام قوات كبيرة نسبيا من المغاربة والقبائل الجزائرية ضد أتراك تلمسان، فإن الحامية التركية بها تمكنوا من الصمود في وجه المهاجمين وردهم. وكان هذا الفشل أول نكسة كبيرة تعرضت لها السلطة المغربية في إقليم وهران، مما أثر سلبا على علاقة هذه السلطة ببقية الأطراف في الإقليم.

ومن جهة أخرى شكلت عودة القوات البحرية الفرنسية إلى احتلال وهران والمرسى الكبير للمرة الثانية في أواخر سنة 1830 نكسة ثانية للسلطة المغربية بتلمسان، وأدخلت الخوف والفشل في صفوف بعض القبائل. غير أنها في نفس الوقت كان من شأنها أن تدفع قبائل أخرى إلى الانحياز إلى صف المغاربة؛ وخاصة قبيلتا المخزن التركي القويتان الدواير والزمالة· غير أننأأا الفشل في الحفاظ على ولاء هاتين القبيلتين مثل النكسة الثالثة للسلطة المغربية بهذا الإقليم.

ولما فشلت المحاولات المتهورة لحاكم الجزائر الجنرال كلوزيل لإجبار المغاربة على إخلاء غرب الجزائر بالتهديد باستعمال القوة، وجهت فرنسا إنذارا إلى سلطان المغرب لسحب رجاله من تلمسان ونواحيها في أجل 15 مارس 1831· وفي الواقع لم يكن الفرنسيون بحاجة إلى تنفيذ تهديدهم، لأن تدهور أحوال الجيش المغربي المرابط في غرب الجزائر حملت سلطان المغرب على سحب رجاله من تلمسان قبل الأجل المذكور. مع أن قرار السلطان لم يكن يعني لديه التخلي كلية عن غرب الجزائر.

 غير أن أوضاع إقليم وهران بعد سحب السلطان لخليفته وقواته من تلمسان لم تتطور كلها لصالح الفرنسيين وحلفائهم. الأمر الذي مهد لإقدام السلطان على محاولة جديدة للتدخل في غرب الجزائر، بأسلوب مختلف عن المحاولة الأولى. وقد ساعد على ذلك تحوُل موقف زعيمي قبيلتي الدواير والزمالة، مصطفى بن إسماعيل ومورسيلي المحتجزيْن بفاس، ومساهمتهما في إقناع السلطان بالإقدام على هذه المحاولة الجديدة، بعد أن التزما بدعم عامله الجديد محمد بن العامري· ومع ذلك ظل السلطان شديد الحذر – كعادته – من الخطوة الجديدة، وأوصى عامله الجديد أن لا يمكث بغرب الجزائر إلا إذا ظل سكان تلمسان والبلاد المجاورة لها متمسكين ببيعة بسلطان المغرب.

وقد ركز ابن العامري جهوده في المرحلة الأولى من وجوده بغرب الجزائر على إعداد شروط إخراج الفرنسيين من وهران عن طريق إحكام طوق الحصار عليها أولا ثم محاولة كسب أهل مدينتي مستغانم ومزغران إلى صفه. لكن أتراك مستغانم قاوموا المغاربة وأنصارهم وأسرعوا بوضع أنفسهم ومدينتهم تحت الحماية المباشرة  لحاكم وهران الفرنسي.

ومع ذلك حقق ابن العامري في مجال تأليف أغلب مكونات غرب الجزائر حوله ما لم يحققه سلفه، رغم هشاشة ما تحقق. وتيسر له أن يمد نفوذ سلطانه إلى إقليم التيطري الواقع جنوب ضاحية مدينة الجزائر. بينما عادت الحالة في تلمسان – بعد هدوء استمر بضعة أشهر – إلى وضعية الاضطراب التي كانت عليها بعد انسحاب الخليفة السابق للسلطان منها.

وفي هذه الظروف التي تشابكت فيها بالنسبة للسلطة المغربية في غرب الجزائر التطورات الإيجابية في إقليم التيطري مع تطورات سلبية في إقليم وهران، أبرزها فشل خطط الاستيلاء على وهران؛ انتقلت حكومة فرنسا إلى تصعيد أشكال الضغط على سلطان المغرب. وضمن ثمار هذا الضغط، كانت النتيجة الأكثر أهمية لسفارة دي مورني إلى مكناس في مارس 1832، هي حمل سلطان المغرب على الاعتراف لأول مرة لفرنسا رسميا بأن احتلالها لمدينتي الجزائر ووهران وغيرهما يعطيها الحق في ادعاء امتلاك كل الجزائر التي كانت بأيدي الأتراك قبل الغزو الفرنسي· وهو اعتراف ظل السلطان يمانع بعناد في الانجرار إليه.

ويتضح من مجموع العوامل المذكورة أن سحب ابن العامري بدوره من إقليم وهران لم يكن من النتائج المباشرة لسفارة الكونت دي مورني· إلا أن السلطان ربما أراد أن يُظهر ذلك الانسحاب للفرنسيين كتنازل لهم لتجنب المطالبة بتنازلات أخرى·

لقد كان سحب محمد بن العامري، مثل سحب الأمير علي بن سليمان، يعود  قبل كل شيء إلى فشل مهمتهما؛ فقد فشلت سياسة التوفيق بين العناصر الثلاثة المختلفة بغرب الجزائر – وهي حضر تلمسان والقبائل الجزائرية والأتراك – للمرة الثانية· ولم يكن سلطان المغرب قادرا ولا مستعدا لأن يصل تدخله بغرب الجزائر إلى درجة رصد جيوش كبيرة وأموال باهضة لتحقيق أهدافه، بل كان يريد أن يتجنب التورط في النزاعات التي كانت تقسم المسلمين في الجزائر إلى أنصار للأتراك وخصوم لهم، من أجل التركيز على مواجهة المحتل المسيحي.

وقد ظلت الأهداف الثلاثة للسلطان من تدخله بغرب الجزائر ثابتة لم تتغير؛ تمثلت في القضاء على حالة الاضطراب والفتن؛ وتوحيد المسلمين حول رجاله؛ ومواجهة خطر التوسع الفرنسي، رغم افتقاد الوسائل المناسبة لتحقيق هذه الأهداف· وكان الفشل في توحيد مسلمي غرب الجزائر حول رجاله هو المسؤول الأول عن الفشل في مواجهة تقدم الفرنسيين نحو الغرب.

وعلى ذلك كان التدخل المغربي في غرب الجزائر عملية وقائية قبل كل شيء، جمعت بين محاولة الدفاع عن غرب الجزائر، ومحاولة إيقاف تقدم الفرنسيين نحو حدود المغرب، بدليل أن فشل محاولتي التدخل اللتين أتينا على دراستهما في هذا الكتاب، لم يؤد إلى توقف هذه المحاولات بأساليب أخرى، بل أدى فقط إلى تعويض التدخل المباشر بالعمل غير المباشر لتحقيق نفس الهدف، وذلك عن طريق دعم المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري، إلى أن وضعت هزيمة إيسلي حدا لكل تدخل مغربي في غرب الجزائر.

***