المحلل السياسي المغربي عمر الزيدي

عمر الزيدي: إن جرأة عبد الرحمان اليوسفي بقبوله تحمل المسؤولية والحنكة التي مارس بها مهامه فتحت الباب لكل التطورات التي جاءت فيما بعد.

المسائية العربية

المحلل السياسي المغربي عمر الزيدي

المحلل السياسي المغربي ذ عمر الزيدي

 

الحلقة الخامسة من الحوار مع المحلل السياسي عمر الزيدي

 

المسائية العربية : فحوى كلامك أن دستور 2011  تضمن ما من شأنه تعزيز الحريات و النهوض بها،و الحال أن السلطات لاتزال تواجه المتظاهرين بالهراوات بدل حماية الأمن و تأمين عق التظاهر السلمي،و لعل ما توجهه اكبر جمعية حقوقية مغربية (ج م ح إ )من تضييق مؤشر جد دال، و لو أضيف إليه مشروع قانون المسطرة الجنائية لطرحنا السؤال:

         إلى اين تمضي هذه الحكومة بالمغرب، و من سول لها القيام بهكذا عمل مفارق للدستور الذي تحددت عنه؟

 

ذ،عمر الزيدي:  لعل ما طرحته من ملاحظات تسائلنا جميعا، كل القوى الديمقراطية واليسارية التي تنشد توسيع فضاءات الحرية وصيانة الحقوق المكتسبة والتقدم أكثر في اكتسابها وجعلها تطال مختلف مجالات الحياة، وهو أمر تتحمل فيه المسؤولية الحكومة بدرجة أولى، التي تبقى في كل الأحوال سلطة تنفيذية خاضعة لمقتضيات الدستور كباقي السلط. ولقد خول لها الدستور صلاحيات واسعة غير مسبوقة. وبالطبع هي محكومة في ممارساتها بالصراع من أجل انجاح تجربتها وتجفيف كل امكانيات التقدم لدى القوى المعارضة للحفاظ على استمراريتها وإعادة جلب الأصوات لصالحها في الانتخابات المقبلة. مستندة في ذلك على التخلف التاريخي السائد ثقافيا وسط الشعب باستخدامها لمرجعيات دينية متخلفة لإبراز نفسها مدافعا عن أخلاق المجتمع ضد من يريد التهجم على قيم المجتمع بالإباحية، يضاف إلى هذا بعض الترتيبات الأمنية والغموض الذي يعتري بعض الملفات حيث تفضل الحكومة دفن رأسها في الرمل مما يؤدي إلى العديد من السلوكات القمعية والتراجعات في العديد من الملفات الحقوقية. وهذا طبعا أمر مرفوض من الناحية الحقوقية والسياسية، ومخالف للدستور نفسه. فالدستور تميز بانفتاح التشريع، وتخلفت السياسة نظرا لسيادة قوى تقليدانية على رأس الحكومة.

القارئ لنص الدستور الجديد لابد وأن تستوقفه ملاحظة أساسية، تتمثل بكون هذا النص خطا خطوات حقيقية نحو هندسة سياسية لنظام الحكم القائم على حد معقول من التوازن في السلطة بين مؤسسات الدولة الأساس، وتوفق في إعادة توزيع السلطة بنقل جوانب لا يستهان بها إلى الحكومة المنبثقة من البرلمان بعد أن كانت في السابق تقع ضمن مشمولات سلطة الملك في الدساتير السابقة، وجاء هذا وفق شروط التوافق العام حسب الممكن التاريخي الذي تفرزه موازين القوى المؤثرة في أي تطور.

ويبدو جديد الدستور كذلك فيما تضمنه من إدماج كامل لتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة وتأكيد للخيار الديمقراطي الذي أصبح من ثوابت المملكة وتوسع في مجال الحقوق والحريات العامة، وحقوق المرأة بالتأكيد على المناصفة في الفصل 19. وتأكيده على اللغة الأمازيغية كلغة رسمية ثانية في المغرب إلى جانب العربية مع ما يتطلبه ذلك من تحمل الدولة للمسؤولية في توفير شروط تحقيق ذلك.

ويمكن تركيز هذا الجديد في ثلاث عناصر أساسية:

أولها، حقوق الإنسان والحريات العامة بما في ذلك الحقوق اللغوية وحقوق المرأة. فبالإضافة إلى الديباجة والأحكام العامة التي تثبت العديد من الحقوق من التشديد على أن الدولة “تؤكد تشبتها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا”، وعلى “حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني…مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزيء”. فقد تم تخصيص الباب الثاني بأكمله للحريات والحقوق الأساسية(من الفصل 19 إلى الفصل 40)، مما أصبح يميزه بأنه دستور الحقوق.

ثانيها، حقوق المعارضة. هذه الحقوق تعرفها بعض الديمقراطيات المتقدمة لحمايتها من احتكار السلطة في اتخذ القرار التي قد تغري أية حكومة نابعة من الأغلبية البرلمانية. وإن كانت بعض الحقوق تراكمت فيها الممارسة، تمت شرعنتها بالدستور مثل: الإستفادة من الإعلام وتمويل الأحزاب، حرية الرأي والتعبير والإجتماع، الحق في مراقبة عمل الحكومة في البرلمان وتقديم ملتمس الرقابة إلخ… غير أن الدستور الجديد نص على حقوق أخرى مثل: مساهمة المعارضة النيابية في “اقتراح المترشحين وفي انتخاب المحكمة الدستورية”، و”رئاسة اللجنة المكلفة بالتشريع في مجلس النواب”، فضلا عن النص على حق المعارضة في حق ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي…في نطاق أحكام الدستور”. وغير هذه الحقوق المبينة في الفصل 10. بحيث رفع الدستور الجديد من شأن المعارضة من حرية إبداء الرأي كجسم معارض إلى جسم مشارك في السلطة تجد مواقفه صيرورة لإقرارها.

ثالثها، حاكمية التشريعات الدولية. لم يكتف الدستور الجديد بالتأكيد في ديباجته على التزامات الدولة بحقوق الإنسان، بل ذهب أبعد من ذلك بتنصيصه على أن الدولة ملتزمة ب”جعل الإتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة”. ورغم ما يمكن أن يسود من التباس في التزام الدولة المشروط بالتلاؤم مع أحكام الدستور، إلا أنها تبقى صيغة ضرورية تشترط الإنتباه لأي معاهدة أو اتفاقية في الموضوع قبل المصادقة عليها، وهو الشيء الذي يخضع لموازين القوى السياسي والتقدم الثقافي والمجتمعي. فضلا على أن كل دولة لا تقدم على التوقيع والمصادقة على أي اتفاقية إلا في إطار انسجامها مع سياساتها العامة وثقافتها، ولنا في الولايات المتحدة الأمريكية مثال واضح في عدم تصديقها لحد الآن على العهدين الدوليين الصادرين في 1966 وكذلك في موقفها الحالي من المحكمة الجنائية الدولية. إن هذا الإلتباس لا ينقص من أهمية هذا الإلتزام.

لعل من أهم ما أتى به الدستور الجدد في مجال التوزيع المتوازن للسلط هو تصويبه، بداية، الخلل الذي كان يقوم عليه النظام السياسي المغربي والناشئ من تركيز السلط لدى الملك، وتقييد مساحة الإختصاص والمسؤولية لدى الحكومة، بل تكريس مجلس الوزراء الذي يرأسه الملك ميدانا للسلطة التنفيذية بدلا من مجلس الحكومة الذي يرأسه الوزير الأول. ناهيك عن غياب قاعدة دستورية لتسمية رئيس الحكومة، وهلامية صيغة التنصيب التي توحي بالتنصيب المزدوج للحكومة من قبل الملك والبرلمان. الأمر أصبح واضحا ومضبوطا وفق الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور الجديد “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها”.

ويمكن تلخيص هذا التوازن في ثلاث مستويات أساسية: السلطات الحصرية للملك، والسلطات التشاركية بين الملك والحكومة وبين الملك والبرلمان، والسلطات المستقلة للحكومة والبرلمان.

السلطة الحصرية وهي السلطة التي يتمتع بها الملك طبقا لأحكام الفصل 41 من الدستور، هي سلطة إصدار الظهائر المتعلقة بالشأن الديني بوصفه أمير المؤمنين، وهو من هذا الموقع يرأس المجلس العلمي الأعلى المخول له إصدار الفتاوى المعتمدة رسميا، ولا يشاركه أحد في التوقيع بالعطف على هذه الظهائر. وسلطة الظهير الملكي تمتد كسلطة حصرية للملك إلى حالات أخرى ينص عليها الفصل 44 المتعلق بمجلس الوصاية، والفصل 47 في الفقرة الأولى منه بتعيين رئيس الحكومة والفقرة السادسة المتعلقة بإعفاء الحكومة عند استقالة رئيسها. والفصل 51 الخاص بحق الملك في حل مجلسي البرلمان أو أحدهما في الحالات المنصوص عليها في الفصول 96 و97 و98 والفصل 57 المتعلق بموافقة الملك على تعيين القضاة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية والفصل 59 الخاص بإعلان الملك حالة الإستثناء بعد التشاور مع رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، والفصل 130 المتعلق بتعيين المحكمة الدستورية، ثم  الفصل 174 الخاص بعرض مشاريع ومقترحات مراجعة الدستور على الشعب قصد الإستفتاء.

السلطة التشاركية بين الملك والحكومة والبرلمان ومنها سلطة إصدار الملك ظهائر توقع بالعطف من قبل رئيس الحكومة ما عدا الحالات التي سبق الإشارة إليها، لكن هذه الشراكة في السلطة تكاد تشمل المجالات كافة ما عدا ما يدخل في نطاق الشأن الديني الخاص بالملك، ومنها الشراكة في السلطة التنفيذية من خلال مجلس الوزراء – الذي تقلصت اختصاصاته بمقتضى الفصل 49 وأنيط معظمها بمجلس الحكومة – . وفي قرار حل مجلس النواب أصبح رئيس الحكومة يتمتع بهذا الحق بناء على الفصل 104، فحسب هذا الفصل “لرئيس الحكومة حل مجلس النواب بعد استشارة الملك ورئيس المجلس ورئيس المحكمة الدستورية بمرسوم يتخذ في مجلس وزاري”. وبمقتضى الفصل 54 يمكن للملك أن يفوض لرئيس الحكومة صلاحية رئاسة اجتماع المجلس…الخ. ومن هذه السلطة التشاركية كذلك ما بين الملك والبرلمان مثل مشاركتهما معا في تأليف المحكمة الدستورية طبقا للفصل 130 حيث يعين الملك ستة أعضاء وينتخب مجلس النواب ثلاثة ومجلس المستشارين ثلاثة. أو مناقشة البرلمان كل اتفاقية أو معاهدة يعرضها عليه الملك قبل المصادقة عليها.

السلطة المستقلة للحكومة والبرلمان ونقصد بها ما تقرره أحكام الدستور من اختصاصات حصرية للسلطتين لا تتخللها سلطة الظهير الملكي، وهي زادت منسوبا ونطاقا – وعلى نحو لا سابق له – في الدستور الجديد. ولعل ما أصبحت تتمتع به السلطة الحكومية من اختصاصات وما يتمتع به رئيس الحكومة من سلطة نافذة بشكل غير مسبوق في النظام السياسي المغربي يؤهل لإنتقال حقيقي نحو توازن أوسع في السلطة ويخرج البلاد لأول مرة من التوزيع الصوري للسلطات. وعلى النحو نفسه بات التشريع محصورا في البرلمان ومساحته أوسع من ذي قبل. وسار الدستور الجديد في اتجاه الحد من ندية مجلس المستشارين لمجلس النواب لصالح تعزيز سلطات هذا الأخير، مثلما باتت سلطاته الرقابية على العمل الحكومي أوسع مما كانته في الماضي.

أحال الدستور الجديد العديد من المقتضيات القانونية على القوانين التنظيمية الكثيرة التي ألزم الحكومة بعرض مشاريعها على البرلمان قصد المصادقة قبل انتهاء الولاية التشريعية الأولى وفق منطوق الفصل 86 الذي ينص بشكل واضح بأن “تعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”. وفي هذا الإطار أسوق ملاحظتين أساسيتين قد يساعدا على فهم سلوكات الحكومة الحالية :

الأولى، هي أن حماية العديد من الحقوق أو تنظيم هيآت ومؤسسات لحمايتها تم ربطه بالقوانين التنظيمية وهي قوانين خاضعة باستمرار للتطوير والتفاعل وفق شروط الوضع السياسي والتطور الثقافي والإجتماعي، مما فتح الدستور على إمكانية التطور الدائم والمستمر حسب تفاعلات كل مرحلة ووفق الأغلبيات المشكلة للبرلمان والحكومة. إن انفتاح التشريع بهذه الطريقة يجعل الدستور مواكبا لتطورات المجتمع من حيث تقدم ثقافته ووضوح سياساته المهيمنة.

الثانية، يبدو أن غموض الخريطة السياسية وضبابية المشاريع المجتمعية البديلة و”التأخر التاريخي”(التقليدانية والبراغماتية الساذجة) للفريق المهيمن على الأغلبية الحكومية يجعل الحكومة خارج الزمن الذي أتى فيه الدستور الجديد. إنه دستور توافقي بإرادة ملكية قوية وواضحة، وبالتالي فإن الصيغة التوافقية التي أتى بها الدستور هي التي يجب أن تهيمن في مرحلة الحكومة الحالية لإعداد القوانين التنظيمية في إطار واسع من الحوار والنقاش والتداول مع كل الطيف السياسي الممثل في البرلمان أو غير الممثل. وكذا الجمعيات المهنية والنقابات والجمعيات المهنية والنقابات والجمعيات المدنية وغيرها. إلا أنه على ما يبدو أن الحكومة ذهبت في منهجية أخرى تتسم بضعف قاتل في التشريع مما يقتل روح الدستور الجديد من حيث المستوى التراجعي في مجالات الحريات الفردية والمساواة وغيرها، ولعل الحوار مع جمعيات المجتمع المدني ومصير هيئة المناصفة ومشروع القانون الجنائي لأحسن مثال على ذلك، في نفس المنحى تسير العلاقة المرتبكة والصراعية مع النقابات وحفلات العنف ضد التظاهرات في الشارع من حين لآخر، والإجراءات الأخيرة ضد حرية التعبير والإبداع.

الصراع بين مختلف القوى السياسية والإجتماعية أصبح مفتوحا بين الجميع، وهذا يتطلب التجنيد وسط الشعب على أسس برامج ملموسة قابلة للإنجاز والقياس، فالتقليدانية والسياسة الدعوية غير قادرة على التعبئة المستمرة، وإلا ما كان لها أن تلجأ إلى تحويل نظر الناس للقيم والأخلاق تهيئا للإنتخابات المقبلة، حيث تريد محورة الحملة الإنتخابية حول من يدافع على أخلاق المجتمع ومن يدافع عن الإباحية، نسوق في هذا الإطار ثلاثية : قضية الإجهاض، مشروع القانون الجنائي، فيلم عيوش وغيرها…. ولعل بعض القوى التي تظاهرت في الرباط في نفس موضوع الفيلم تريد أن تقول للشعب بأنها تدافع عن قيم المغاربة أكثر من الحزب الحاكم وبذلك يكون البالون التجريبي للانتخابات المقبلة قد نجح.

 

المسائية العربية :  من يقف على يسار من؟ ز من يخالف من في الرأي المطابق للواقع، فما تسميه الان “انتقال توافقي” يبقى مجرد

       “توافق مخزني” برأي بعض مكونات اليسار الجدري، فأين هي الحقيقة التاريخية و السياسية بين تفاصيل يقيم بها

      الشيطان؟ ما الذي جرى انتقاله توافقيا ؟ أليس حكم مالك كان إلى مالك كائن؟  و ما الذي يجعل من عملية سياسية

      توافقا مخزينا؟  هل المعنى دستوري؟ أم يتعداه إلى حقل يستوجب إدراكه  رفع اللبس؟ 

ذ،عمر الزيدي:   لم أقل بأننا الآن في “انتقال توافقي” وإلا لكان كل ما قلته سابقا مختلفا (تبت معي عفاك)، إن ما قلته هو أن القوى الديمقراطية المشاركة في حكومة اليوسفي اعتبرته كذلك، ولم يكن “توافقا مخزنيا” بالمعنى الذي تريد أن تعطيه لكلمة “مخزن” في سؤالك. وهذا يفتح لنا نقاشا طويلا عريضا حول طبيعة الدولة السائدة في المغرب: هل هي دولة عصرية مع استمرار بعض مظاهر الثقافة المخزنية المتجسدة أساسا في بعض التقاليد البروتكولية التي مافتئت تتراجع، أم هي دولة مخزنية لم يفعل فيها التاريخ رغم التغيرات الكبيرة التي حدثت منذ بداية القرن الماضي إلى الآن؟؟؟ إنه جدير بنا خوض هذا النقاش لأنه يشكل إحدى مداخل طرح المشروع البديل، إذ التحديد العلمي للعمل السياسي ضرورة حيوية، وبدون الإرتكاز على العلم والمعرفة لا مجال لممارسة السياسة. في غياب ذلك تتحول السياسة إلى ديماغوجية وشعبوية عاجزة.

نأتي الآن إلى مسألة “الانتقال التوافقي”، أعتقد أن القوى الديمقراطية وعلى رأسها اليوسفي كانت محقة في هذا الوصف، فتعيين اليوسفي جاء بعد شوط طويل من المفاوضات والرسائل المشفرة ومذكرات الكتلة الديمقراطية، فجاء تعيين اليوسفي نتيجة لتوافق بين الملك والكتلة. صحيح أنه وفر شروط الإنتقال بشكل سلس للحكم من ملك إلى ملك، ولكن ليس فقط، إذ لا يمكن تحجيم الأدوار التي قامت بها حكومة اليوسفي، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى تأهيل البلاد ماليا واقتصاديا، أو على تسوية العديد من ملفات المعتقلين السياسيين والمنفيين لاسترجاع وظائفهم، أو في حقوق المرأة (مدونة الأسرة) أو غيرها. إن الجرأة التي تحلى بها السيد عبد الرحمان اليوسفي بقبوله تحمل المسؤولية والحنكة التي مارس بها مهامه فتحت الباب لكل التطورات التي جاءت فيما بعد.

المسائية العربية :  و بماذا تفسر ما سمي ” غضبة” الوزير الأول حينذاك الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي ,،و محاضرته ببروكسيل؟

         ما الذي رجي فهمه من المواقف التي عبر عنها في مدينة ترمز للوحدة الأوروبية و مقر برلمانها المشترك؟  

السياسي والتقدمي عبد الرحمن اليوسفي

السياسي والتقدمي عبد الرحمن اليوسفي

ذ،عمر الزيدي:  لم يفسر السيد اليوسفي سبب غضبته، لكنه استقال من مسؤوليته الحزبية واعتزل السياسة، وبالرجوع إلى تلك الظروف، نستحضر ثلاث معطيات: الأول هو أن الإتحاد الإشتراكي حصل على أول ترتيب في الإنتخابات البرلمانية وكان “مبدئيا” وفق شروط الوضع السياسي آنذاك أن يتحمل الوزارة الأولى، ولم يكن الاتحاد غير مرغوب فيه بدليل مشاركته الوازنة في الحكومة. الثاني وهو دخول السيد عباس الفاسي في المنافسة ورفعه شعار “أمولى نوبة”، بل أكثر من هذا أصبح الإستقلال يعقد تحالفات مع أحزاب مثل الحركة وغيرها للضغط في البرلمان في حال تعيين اليوسفي، وأصبح الإتحاد يفعل نفس الشيء مع الأحرار وغيرهم. جاء التدخل الملكي بتعين ادريس جطو وزيرا أول للحفاظ على الاتحاد والاستقلال في نفس الحكومة. الثالث هو أن الاتحاد الإشتراكي أصدر بيان حول “المنهجية الديمقراطية” وشارك في الحكومة بدعوى اتمام الأوراش التي بدأها، ولم يلتزم ببيانه. هذه العناصر الثلاث : الدولة – الكتلة – الحزب، جعلت اليوسفي يبتعد دون مراجعة موقفه من تحمل المسؤولية في حكومة “التناوب” كما كان يسميها.

أما ندوة بروكسيل، فلا أعتقد أن اليوسفي كان له دور في تحديد المكان، لأنه كان مدعو وليس منظما، وقدم عرضا عن التجربة المغربية في مسألة “الانتقال الديمقراطي” ووقف على العديد من الاجابيات حسب وجهة نظره وتعرض إلى المعيقات وجوانب القصور وضعف الصلاحيات التي يتمتع بها الوزير الأول مما يعوقه في المبادرة خارج موافقة الملك، وطبعا الدستور السابق (1996) لم يكن يتيح ذلك مما وجب تغييره، وهذا أمر تمت معالجته بشكل واضح في الدستور الجديد حيث أصبح رئيس الحكومة يتمتع بصلاحيات واسعة كما أسلفت في توضيح ذلك. بحيث تجاوز بشكل كبير مذكرة الكتلة الديمقراطية المقدمة في 1996 التي قال عنها اليوسفي في حينها “لا يوجد اقتراح واحد من اقتراحاتنا يرمي إلى التقليص أو التعديل من اختصاصات جلالة الملك” وأن “كل ما نريده هو تقوية المؤسسات الموجودة أي البرلمان والحكومة، إن سلطات جلالة الملك غير قابلة للمساس بها”.

السؤال: ألا يصح النظر إلى موقف الأستاذ اليوسفي على أنه احتجاج سلمي،خارج مؤسسات حزبه؟ و مؤشر خطوة إلى

        الوراء غايته خطوتان إلى الإمام؟  سواء خلال حكومة عباس الفاسي أو بعد نهاية و ولايته ؟ 

ذ،عمر الزيدي: أعتقد أن التاريخ قال كلمته ونحن على مشارف تطورات كبرى ولم يعد فيه مجال لخطوتا اليوسفي أو عباس؟؟؟

 

المسائية العربية :   ليس هناك ما يدعو لإعمال منطق الثما تل و التفاضل بين النظامين الملكي و الجمهوري، فلهذا المبحث أناسه من

         ذوي الاختصاص. لذا، دعنا نتفق على أن الديمقراطية في الغرب قائمة ضمن ملكيات ،كما أن ديكتاتوريات كثيرة  

        حكمها الدوتشي و الفوهرر و الرئيس مدى الحياة..وزعيم الحزب الوحيد أيضا.

              فلمن الأولوية في بناء الديمقراطية؟ هل للنظام ؟ أم للسلطة السياسية ؟

ذ،عمر الزيدي:  إن كنت في حاجة لذوي الإختصاص فهذا شأنك، أما بالنسبة لي فالأمر واضح، فأنا من ذوي الإختصاص الذي يضع معرفته وعلمه في الممارسة وليس الأكاديمية، فهناك تمييز واضح بين الدولة والنظام السياسي والسلطة، وعليك الرجوع إلى كتابي “الديمقراطية أولا، الديمقراطية ثانيا، الديمقراطية أبدا” الصادر سنة 1995، للتوسع في الموضوع. أما الديمقراطية فهي كل متكامل يطال المؤسسات المشكلة للدولة (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، والسلطات المختلفة المخولة لها صلاحية نفاذ القوانين وصيانة الحريات، إضافة إلى السلوكات والثقافة الديمقراطية التي يجب أن تسود في المجتمع. وقبل ذلك وبعده لا يمكن للديمقراطية أن تسود في الدولة بمفهومها الواسع حسب التعريفات السوسيولوجية الحديثة في تعريف الدولة (كل الأشكال التنظيمية في المجتمع من جمعيات وأحزاب وغيرها…إنها جزء من الدولة) دون أن تسود في المجتمع، وهي لا تأتي مكتملة بقرار سياسي ونص قانوني وإنما تتحقق بالتدريج وعبر صيرورة تاريخية طويلة لا تخلو من تراجعات أحيانا وطفرات تاريخية أحيانا أخرى، بناء على تطورات الشروط الاقتصادية وتطور الثقافة والمعتقدات الخ…..

المسائية العربية :  نعود إلى “لنخدم الشعب” كيف أجرأتم هذا الشعار الذي تحول إلى اسم خاص بتنظيم ؟ ما هي حصيلة  نضال عمر

        ينيف عن عقد و نصف من الزمن على اعتقال القيادات التاريخية ل(ح م ل م ) ومحاكمة التنظيمين “أ” و”ب”بما يشل

        قدرتهما على الاستمرار، سواء في النضال الجماهيري أو الثوري- السري؟ 

ذ.عمر الزيدي:  أعتقد أنك تعني اعتقالات فبراير 1972، بالفعل طالت مناضلي “أ” و”ب”، وفيما يخص “ب” الذين طالهم الإعتقال هم رفاق “صوت الكادح” الذين شكل “لنخدم الشعب” استمرارا لهم، أما باقي قيادة “ب” فقد لجؤوا إلى فرنسا، وعادوا بعد عفو 1980 بمشروع تأسيس “منظمة العمل الديمقراطي الشعبي”. مجموعة أخرى اعتقلت في 1972، وهي مجموعة “أنيس بلافريج”، إنها مجموعة متميزة ولها خططها وممارساتها ولم تكن مرتبطة لا ب”أ” أو “ب”، وقد برز تقارب قوي بينها وبين مناضلي “صوت الكادح” مما أسفر عن إخبارنا من طرف رفاقنا بضرورة ربط عناصر تنظيم بلافريج وهو الشيء الذي وقع لأن الانسجام كان كبيرا.

يبقى أوضاع هذه التنظيمات في منتصف الثمانينات، أي 15 سنة بعد أول اعتقالات، لا يجب أن ننسى أن الحملات لم تتوقف وللتذكير، بعد اعتقالات 1972 جاءت 1974، 1975، 1976، 1977، 1979، 1984، 1985، 1986. الشيء الذي إلى تدمير الهياكل التنظيمية وإمكانياتها اللوجستيكية. وطبعا هذا لم يستطع قتل جدوة النضال اليساري في كل المواقع التي تواجد فيها المناضلون والمناضلات، سواء الجمعوية أو الحقوقية أو المجلات أو الجامعة، إلى أن انطلقت صيرورة التجميع سنة 1990 وتلك حكاية أخرى.

المسائية العربية :  كل من سلم من الاعتقال و لجأ إلى أوروبا سعى للاستمرار في النضال السياسي بما في ذلك التواصل و التعريف

         بمواقف منظمته، لهذا السبب عاودت نشرتا “إلى الأمام” و “23 مارس ” الإصدار بباريس، و ارتفعت في

        التظاهرات السياسية،و في اللقاءات و المناظرات ، أصوات التنظيمية،فبما تفسر سكون صوت “لنخدم  الشعب”؟

ذ.عمر الزيدي:  لا شك أن العمل في الخارج له أدوار لدعم الداخل، لكن المحدد هو التوجه والخط السياسي، بغض النظر عن الصراعات بين التنظيمين وكذا الصراعات داخل كل واحد منهما، فإن العمل استمر كما كان في الداخل في الوسط الطلابي مع ما كان يستدعيه من صراعات مع طلبة الأحزاب الديمقراطية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية). بالنسبة لمنظمة “لنخدم الشعب” لم تكن صامتة، لكنها كانت تسير وفق استراتجيتها، لم يكن من عادتها الدعايات المجانية وهي تنظيم كان يعمل وسط الناس، هناك تجارب كثيرة لمعارك عمالية وفلاحية كانت “لنخدم الشعب” حاضرة فيها. كانت في انتفاضة الفلاحين “بأولاد يسف” بالغرب التي دامت أربعة أشهر، كانت في معارك العمال بالدار البيضاء “بروسور كيوط” “كابلام” والنسيج بالرباط وغيرها. أما بالنسبة للخارج فإن العلاقة مع “حركة العمال العرب” التي أسسها بلافريج بفرنسا قبل دخوله إلى المغرب، تطورت علاقاتنا معها، وهي العلاقة التي يسرت لنا العلاقة مع “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” لتدريب شباب “لنخدم الشعب” بجنوب لبنان، لذا أقول بأنه ليس مهم التواجد في الخارج، ولكن الاستراجية السياسية للتقدم في تحقيق أهداف التنظيم.