لحسن كجديحي

عناد الخريف…

 

لحسن كجديحي

} لحسن  كجديحي

المسائية الثقافية

                                                                                                   لحسن كجديحي

 في تحطيم الباب المتكئ على جدار محله بأمان ووداعة، أخرج ظرف الحبوب المهدئة من جيب سترته الرمادية، ابتلع واحدة دون ماء، شحذ نفساً عميقاً مفعماً ببخار الماء المنساب من الشلال وروائح الصنوبر وأشجار الصنوبر الضاربة في أعماق الزمن. حدق في كراسي القصب  في ركن المحل المظلم، كانت مطلية بدهان الزيت الخشبي، وسرعان ما قفزت إلى ذهنه المعادلة التي تربط بين الكراسي والأبواب المغلقة، فثمة علاقة وطيدة بينها، عدا أنها مصنوعة من الخشب! وعدا أنها من وسائل الكبت والقهر..!

 تخايل شجر الجوز الأخضر وهو يخلع لحاءه . جلس على آخر كرسي صنعه و الذي انتهى الفرّاش من تنجيده، رفع قدماً على قدم، شعر بكبرياء فريدة، صمّ أذنيه عن العالم الخارجي، فكّر في حبة أخرى، بالرغم من أن الطبيب حذّره من الجرعة الزائدة ، تناول الحبة الثانية الداكنة احمرارا، شعر بأنه رجل آخر، لم يعد يسمع الطرق من حوله، نوبة من البكاء المر عصفت به، فبكى وبكى وصرخ بكل قدرته، ولأول مرة سمع صراخ الخشب تحت أردافه، وحوله، الأبواب، الكراسي،القصب، الشبابيك، المكاتب كلها تئن وتصرخ بنشيج محموم!

 ولأول مرة شاهد عيون الخشب على الأبواب الموصدة تدمع، إذ ترى إياب الخائبين دونها، وتغض النظر حين ترى ما يخجل! ثم تتألم حين تزفّ الكراسي إلى الأقبية المظلمة .  كبرت العيون الخشبية في الأبواب، اشرأبت أحداقها خارج المحيط الخشبي، لعنته، شتمته، انفجرت عليه، أرغت وأزبدت غباراً ودوائر غير منتظمة في وجهه، أخرج مشرطه ومزّق أغطية الكراسي المصنوعة حديثاً، تناول الفأس ذا القبضة الحديدية، حطّم أقفال الأبواب، هوى بفأسه على العيون الشاخصة الغاضبة، ولم يستطع تحطيمها، كانت أقوى من فأسه، أقوى من قبضته، أقوى منه.

منذ أن صارحه الطبيب النفساني بأنه مصاب بفصام الشخصية، وعرف أنه من الفرقة غير الناجية من بني أبيه التي تشكو أمراضاً نفسية مختلفة، وعلم كذلك أن نسبة كبيرة من الرفاق يحتاجون إلى علاج نفسي مستعجل، قرر أن يقتات على الخبز والماء وتلك العقاقير داكنة اللون التي تعالج «التريكيل» كما يطلقون عليها و التي من تأثيراتها الدوائية: الانتحار!

  صار يضيق بصحبة من سبقوه إلى المرض، دعاه بعضهم للصلاة  فلم يستجب، لم يستطع أن يشاركهم لعب الأوراق أو ” الضامة”، فهما في نظره لعبتان سخيفتان تصيبانه بالضجر، بعضهم يروي حكايات ساذجة وخيالية عن السياسة و زمن المخزن، والبعض الآخر دائم الشكوى من العلل والأمراض ويتحدث عن الأدوية والأطباء، لكن ما يقتله سأما حديثهم عن أحفادهم في سن الحضانة وأنهم يتمتعون بذكاء خارق وقدرة فائقة على تعلم السباحة واللغات.

  وعندما يطول انتظار الشفاء، ويهد التعب الحيل دونما أي فرصة للاسترخاء أو انفراج الطريق إلى هذا الشفاء، عندما تظل مطحوناً بين أكتاف وأيدي تحاول دفعك إلى النوم، وعندما، وعندما يسيح العرق على وجهك مثلي ومثلهم، وكالعرق تسيح الأفكار هي الأخرى كالعرق مع بعضها البعض في دوامة ملل وتأخذك بعيداً عن هدف مرتقب تناوش الوصول إليه موجات من اليأس والقنوط  كموجات البحر الهائج الذي يرفع الغريق المرة تلو المرة ليقذف به المرة – أيضا – تلو المرة إلى قاع البحر.

   نعم.. الأفكار تسيح، تتداخل ثم تتماهى في دوامة عبثية يحركها الملل وشعور القرف مع طول الانتظار ربما ما يشعر به هو هذيان فكري نتيجة هذا الانتظار الطويل حتى إنه يتصور – في هذيانه – أنه يحلم تارة أو أنه يختنق تارة أخرى. يتفلسف أحيانا فيقول أو يفكر – ولا يجد في وضع المأزوم جداً شيئاً من سعة الصدر يجعله مهتماً حتى بالتمييز بين قوله وتفكيره – أننا ومنذ مولدنا وإلى مماتنا نعيش حالات من الانتظار تلو الأخرى.

 ثمة بريق منطفئ في العيون وشفاه مضمومة على تعبير بائس وتجاعيد محفورة على الجباه المقطبة وممتدة على الخدود تحيط بالشفاه المضمومة، أما العيون ذات البريق المنطفئ فيبرق فيها بين الحين والحين وميض ساخط محمل بسؤال استنكاري، حاول بفراسته مرارا فض السؤال فوجده في كل مرة هو ، هو نفسه السؤال المعلق برأسه منذ سنين طويلة، سؤال يجأر بداخله قائلا: هل يتقدم المرض ككل أمراض العالم خطوات إلى الأمام، أم هو في كل مرة يتقدم خطوة واحدة للأمام كي يتراجع بعدها خطوات إلى الوراء؟

أنساه الملل وطول الانتظار وعبثية الأفكار هدفه. لم هو هنا إذا كان حقيقة يقف في هذا المكان؟ يعرف أنه ومنذ زمن يقف فيه ، ربما من ساعة أو ساعتين وربما من أسبوع أو شهر، وربما من سنة أو سنتين، لم يعد يحسب الوقت فتكرار مشهد الزمان الممتد كتكرار أي شيء يفقد الرغبة في حساب الزمن أو تحديد المواقيت. لم يعد يهم إن كان يقف أو يمشي في هذا المكان أو ذاك  أم في غيرهما، فلكم وقف في المكان الطويل نفسه، ووقف كثيراً وكثيراً، هو مكان يعرفه والله منذ وعى على وجوده في هذه الدنيا.

  معقول هذا الذي يحدث له ولكم يا رفاق الدرب؟ لا.. هو بالتأكيد يحلم في منامه، يعايش كابوسا ليلياً، وما شعوره اليقيني والتام بأنه داخل هذا القبو المظلم المتكاثف إلا شعور النائم يحلم متيقنا في حلمه أنه يعايش حقيقة وليس مناماً، وهل يدرك النائم أنه يحلم أو أنه لا يعايش فعلياً ما يراه إلا بعد أن يصحو من نومه؟

  أشعل سيجارة، دقائق وينجلس الضباب أمام ناظره، شجرة التوت أمامه ممدّدة ككومة حطب،والعصافير لتوها غادرت الدار إلى غير رجعة بعد أن كان صوتها يعشش في أذنه كلّ صباح، حتى أولاد الحارة لم يعد يجدهم في منزله عند أولاده كما كانوا دوما ،حتى ابتسامة أولاده تغيّرت وربما شعر أنها ضاعت مع غياب تلك الشجرة العظيمة، وها هو طيف والده الذي تعود أن يراه في حلمه كلما شعر أنه في حاجة إليه قد هجره إلى غير رجعة.  في الصباح صحا مبكرا كسابق عهده، بحث عن بطاقة التأمين الصحي ” الرميد”بين أوراقه القديمة حتى وجدها، وضعها بجيب سترته، ثم مشى إلى المستوصف القريب من سكناه مستمتعا بشمس الصباح، كان عليه أن يقف في طابور طويل قبل أن يتسلم دواءه. ربما كانت الرحلة، من دون أن يدري، من أجل إيجاد زمن أبعد لحياته، أن يصل لهذه الحياة الخاصة، ويمنحها قدماً وتعتيقاً، حتى تكتسب تلك المرونة والتعددية والصلابة التي كان يبحث عنها، ولا سبيل لحصوله عليها داخل جدران البيت أو المدينة التي يحيا بها.

ظل ينتقل بجسده وبعقله بعيداً عن نقطة الأصل، حيث يحيا، تلك النقطة التي تعقدت من كثرة ما حدق فيها، ليبحث عن نقطة جديدة في الطريق العام. بالتأكيد كان يمكن أن يكون هناك مكان آخر له طبيعة مختلفة يذهب إليه، وكان من الممكن كذلك أن يمنحه هذا الهدوء الذي يبحث عنه، وبالتالي ستكون هناك خريطة أخرى للذكريات. كل هذا يدفعه لأن يفكر في مدى العلاقة التي تربطنا بمكان ما، فبجانب هذا المكان الذي نحبه، هناك مكان آخر يمكن أن يمنحنا أيضاً هذا الحب أو الهدوء النفسي المنتظر، والصدفة فقط هي التي اختارت لنا. هل يمكن أن ننظر لحياتنا من هذا الجانب، أن هناك عشرات الاختيارات كانت تصلح لأن نعيشها، وأن قداسة حياتنا واختياراتنا، هي قداسة مجروحة باستمرار، لا يقويها سوى إيماننا

اضف رد