محمد السعيد مازغ

فاتح ماي وأعوان السلطة

المسائية العربيةPhoto 1497

بقلم : محمد السعيد مازغ

جرار الباطرونا تقوَّى وتجبَّر، مقابل نقابات تنخرها البيروقراطية ويأكلها الفساد، وتنال منها الانشقاقات والخلافات والاستهتار بالمسؤوليات.

 أقبل فاتح ماي وسرعان ما أراح وارتحل، لم يكن يوما مميزا عن باقي أيام الله، فالمسيرات الشعبية،والتجمعات والوقفات، والاعتصامات، والإضرابات وكل أشكال التعبير الشعبي تمارس بشكل شبه يومي بالمدن والقرى المغربية، بعضها يجد طريقه إلى الحل عن طريق الحوار والتراضي، وأغلبها يصرف بالتسويف والتجاهل، أو بالتهديد والقمع ، أو ينتهي بالاعتقال والمساءلات القانونية بتهم تدخل في إطار التجمهر في الشارع العمومي بدون ترخيص، والتحريض على العنف، والسب والقذف..

 في فاتح ماي وكالعادة، نقابات عمالية وهيئات تجنَّد أعضاؤها من اجل التهييء والاستعداد للاحتفاء بعيد الاممي للعمال او الشغل، بعضها امتنع وقرر عدم المشاركة، و بعضها اكتفى بالمشاركة الرمزية، ودعا إلى تجمع خطابي داخل مقرات خاصة،او قاعات عمومية، والاقتصار على إصدار بيانات وبلاغات، وحدهم أعوان السلطة يحضرون قبل انطلاق المسيرة، ولا يغادرون مواقعهم إلا بعد انتهاء المراسيم وتفرق الجموع، بعضهم يطالب بالحق في الانخراط في هذه النقابات والمطالبة بتسوية أوضاعه المالية والإدارية، والبعض الآخر يتخوف من هذا الخيار، ويعتبره خطا احمر يمكن ان يدفع بوزارة الداخلية إلى التشطيب على “الحائط القصير “، أو الشخص الوحيد الذي لا يملك ما يثبت أنه فعلا إطارا و موظفا بوزارة  الداخلية، يخضع كباقي الموظفين إلى سلم أجور متحرك، يشتمل على المرتب والتعويضات العائلية، والمنح المحدثة بمقتضى النصوص التشريعية أو النظامية، والترقيات والترسيم، ويحمل رقما ماليا في قانون الوظيفة العمومية.

أعوان السلطة: من مقدمين وشيوخ بالدرجة الأولى مهضومو الحقوق، تمارس عليهم شتى الضغوطات، وأجرتهم لا تسد الرمق، وكأن المستخدم يتعمد أن يترك هذه الفئة تحت ضغط الحاجة، لتمد يدها إلى غيرها، وتعرض كل انواع السخرة الإدارية من اجل الحصول على فتات يجعلها طعما سهلا اقتناصه في أية لحظة، وخطرا يمكن أن يعصف بكل سنوات الخدمة في جرة قلم، وأداة يمكن استعمالها وتطويعها لخدمة مصالح شخصية للباشا والقائد وخليفته، ولا يحق لها ان تخالف الأوامر، أو تتخذ موقفا ، أو تتباطأ في إنجاز المطلوب.

أعوان السلطة من مقدمين وشيوخ هم اكبر ضحايا المجتمع، فهم محرومون من الإدماج في سلك الوظيفة العمومية، ولا ينطبق عليهم قانونها ولا مقتضياتها، لا يستفيدون من السكن الاقتصادي  ولا من الزيادة في الأجور، بل ممنوعون من العمل النقابي ومن أبسط الحقوق التي يخولها القانون للمواطنين. علما أن فئة المقدمين يمثلون المجهر الذي تطل من خلاله وزارة الداخلية على ما يجري داخل المجتمع، والشموع التي تحترق في صمت ولا تجد من يستمع إلى آهاتها ومعاناتها الحقيقية.

بالنسبة لفاتح ماي، فهي مطالبة بتدوين الشعارات ، وتسجيل أدق الملاحظات وعدد الحضور ونوعيتهم، وأسماء بعض الشخصيات المشاركة والمهام الموكولة لها…وليس من حق المقدم ان يمرض أو يتمارض، او تغيب عينه عن حدث أو حركة بسيطة ولو كانت غمزة بين عاشقين، او عطسة من فم ساهد. وتلك مهمة واحدة ضمن مجموعة من المهام التي يعتمد فيها على المقدمين والشيوخ بدءا بشهادة السكنى، ومراقبة البناء والتعمير، ومعرفة كل ما يجري في الدائرة الترابية التابع لها، والأنكى من ذلك، ان أغلبهم لا يتوفر على مكتب خاص يتواصل فيه مع المواطنين.

لندع المقدم جانبا ونتساءل: هل تستحق المسيرات العمالية، و الشعارات المرفوعة ذلك الاهتمام المبالغ فيه، وهل ما تصدح به حناجر الشغيلة يشكل خطورة على السلم الاجتماعي، ويتطلب تجييش أعوان السلطة إلى جانب الجهات الأمنية والاستعلامات العامة وغيرها من المصالح المهتمة!؟، أليس أعلى السقف في تلك المطالب يتلخص في شعارات تندد بتلكؤ الحكومة واستهتارها بالمطالب العادلة للأجراء والدفاع عن الحريات النقابية.. الحوار الاجتماعي وتجاهل مقترحات ومطالب العمال المطروحة، الإجراءات المعلنة الهزيلة التي لا تستجيب للحد الأدنى من المطالب العمالية أمام الزيادات المهولة في الأسعار، الزيادة العامة في الأجور وتطبيق السلم المتحرك للأسعار والأجور والزيادة في التعويضات وتنظيم الترقيات الاستثنائية ثم مراجعة منظومة الترقي وإصلاح نظام التقاعد وكذا تطبيق قانون الشغل إضافة إلى مراجعة النظام الضريبي.

مطالب تتكرر سنة بعد سنة، ومشهد باهث يدعو إلى الشفقة على ما انتهى إليه العمل النقابي ، خفوث وبرودة وعزوف ولا مبالاة، مسيرات قصَّت أطرافها وقل مريدها من الشغيلة والمنخرطين، بعد ان ملَّ العديد الحوارات البطيئة والتسويفية، والنتائج العكسية، حيث ترفع الاسعار بدلا من الأجور،ويطرد العامل بدلا من الحفاظ على مكتسباته، ولا  تنفع تدخلات مكاتب الفروع النقابية في رأب الصدع أو إعادة الضحايا إلى عملهم، زيادة على عدم قدرتها على تحمل الأعبائهم المادية، فيجد المطرودون من العمل تعسفا، والمشردون انفسهم في مواجهة جرار الباطرونا الذي تقوَّى وتجبَّر، مقابل نقابات تنخرها البيروقراطية ويأكلها الفساد، وتنال من كبريائها الانشقاقات والخلافات والاستهتار بالمسؤوليات.