الناشط الحقوقي والنقابي ّ حميد مجدي

فاتح ماي 2015 ـ عيد…بأي حال عدت يا عيد

المسائية العربية

 

الناشط الحقوقي والنقابي ّ حميد مجدي

الناشط الحقوقي والنقابــــي ّ حميــد مجدي

يتكرر فاتح ماي لهذه السنة 2015، بنفس الحمولة و الوضع الذي تتجرع فيه الطبقة العاملة منفردة آلامها و مآسيها و شقاءها اليومي، المرتبط بغلاء المعيشة وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية – الصحة، التعليم، السكن…إلخ- و فقدان الكرامة و قمع الحريات و محاربة العمل النقابي و تسخير القضاء للتخلص من النقابيين النزهاء الذين يرفضون استعمالهم في” مجرد تأثيث للفضاء السياسي و النقابي المغربي” و يرفضون المتاجرة بحقوق العاملات و العمال و مكتسباتهم و آمالهم.

سياسة الدولة و توجهاتها، تكرس كل جهودها و مؤسساتها الدستورية و غير الدستورية، لحماية أصحاب الرأسمال و التغطية عليهم و حمايتهم و إيجاد مسوغات قانونية و “سياسية” للدفاع عن مصالحهم باسم “الأمن و الاستقرار”. تعمل على الحفاظ على الأمن في ظل الوضع القاتم القائم. و الحفاظ على الأمن في عرفها معناه الحفاظ على نفس التوزيع الغاشم للثروة و الحفاظ ما أمكن على نفس الامتيازات و الفوارق الطبقية و الفئوية المهينة و حماية ذوي الرأسمال من يقظة العمال.

و فقراء البلد- من عمال و فلاحين و موظفين صغار…- بما أنهم قوة الأرض و السبيل الأساسي للتنمية و للزيادة في الإنتاج و الغنى و الرفاه، فهم مجبرون على الكدح و الاستمرار في الكد و العمل بشروط الرأسمالي و بقوانينه و تحت سيطرته المطلقة.عليهم بخدمته و تأدية الضرائب و تحمل أعباء البلد و أزماته الاقتصادية. و على هؤلاء الفقراء، وحدهم أن يتحملوا عبء، ألا يصيب البلد السكتة القلبية أو تصل الأمور إلى حافة الإفلاس.. !

 فقراء هذا البلد و أبناؤهم، هم من عليهم أن يتحملوا مهام حماية الوطن من الأخطار المحدقة به، الداخلية منها و الخارجية. حيث يتوجب عليهم وحدهم التواجد في الصفوف الأمامية لخط النار. أما أغنياؤه فلا يسعهم إلا أن يستثمروا و يغتنوا كيفما شاءوا من خيرات البلد- و على حساب أبناء البلد – في البر و البحر و الصحاري و الجبال. كل المقومات السياسية و الإدارية و الإعلامية و التشريعية و الأمنية تصب لصالحهم.

مما يعني محاصرة المخزن و قمعه لكل من يحاول تحريك الأمور أو خلخلتها أو تغييرها، و هو يتوفر لذلك على الإغراء و المال و القوة و السلطة.

من المشاكل التي تعاني منها الطبقة العاملة – في المقابل – و تقف شبه عاجزة أمامها و أمام تجبر أرباب العمل و سلطة المخزن، هي حالة الضعف و التشرذم و التراجع التي تعيشها النقابات المركزية في المغرب سنة بعد سنة و هي التي كان من المفروض أن تشكل درعا واقيا للعمال. و لكن النقابات أصبحت – بكل أسف- بفعل الخواء الفكري و الفقر النظري النقدي و تغييب المرجع السياسي الذي بنيت على أساسه، و بفعل بيروقراطيتها و غياب الديمقراطية الداخلية، عبئا على الطبقة العاملة نفسها و معرقلة لتطورها و انعتاقها. و أصبحت المركزيات بفعل الريع النقابي و الامتيازات و المواقع و القرب من دوائر الرأسمال المالي و السياسي و الإعلامي، أقرب إلى خصومها منه إلى العمال و مصالحهم.

و قد أثار انتباهي بالفعل القرار الأخير الصادر عن الاتحاد المغربي للشغل و الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و الفدرالية الديمقراطية للشغل بتاريخ 28 أبريل 2015، و المتعلق- كما جاء في البلاغ- “بمقاطعة تظاهرات و احتفالات عيد الشغل فاتح ماي احتجاجا على السلوك الحكومي اللامسؤول تجاه مطالب الطبقة العاملة المغربية” و هو قرار يعبر عن التخبط و الارتجالية… الذي تعيشه هذه النقابات و يعبر عن الكيفية اللاديمقراطية تماما التي تتخذ بها القرارات داخلها. فالقرار حسب البلاغ صدر عن “قيادات المركزيات النقابية الثلاث” و ليس عن هيئاتها التقريرية.. !

ثم إن مقاطعة تظاهرة فاتح ماي و احتفالاتها تعبر عن سوء فهم حقيقي لأهمية هذا اليوم و تاريخيته و موقع النقابات منه.

 فاتح ماي عرس أممي عمالي خالص و لا علاقة للحكومة و لا غيرها به. و هو يوم للتظاهر و الاحتجاج على حكومة المخزن. و مسألة مقاطعة هذا العيد يصب في مصلحة هذه الأخيرة و في مصلحة الرأسماليين و الحكومات الداعمة لهم على الصعيد الوطني و العالمي.

ما قامت به هذه المركزيات الثلاث هو بالتحديد مقاطعتها للاحتجاج على الوضع المتردي و الاستغلال البشع للعمال، و امتناعها من تسجيل المواقف السياسية و الاجتماعية المرتبطة بمصالح الطبقة العاملة. و بالتالي عزلت هذه النقابات نفسها عن الإطار العام الأممي الذي جاء هذا العيد بصدده. و كأننا – بهذه المقاطعة – بصدد الاحتجاج على عمال العالم و ليس على الحكومة ! فهل من المعقول الاحتجاج على الحكومة، بالامتناع عن الاحتجاج عليها.. ! أخشى ما أخشاه أن يخفي هذا القرار المريب – و الذي لا يجد له تبريرا حتى عند أصحابه – أكثر مما يعلن. !             

فاتح ماي هو عيد عمالي أممي. ليس منحة من حكومة المخزن أو قرارا سياسيا و رسميا نابعا منها، بل هو نتاج كفاح مرير و قاس. و قد ناضل النقابيون في العالم و في المغرب و ضحوا بحياتهم و أرواحهم و زج بالعديد منهم في السجن و تعرضوا لأكبر حملة قمع، من أجل تثبيته كيوم وطني و عالمي للعمال.

كان المخزن و لا يزال في عدد من المناطق هو الذي يمنع تظاهرة فاتح ماي و يحاصرها و يهدد المشاركين فيها و يعتقلهم، فهل يليق أن تسير في ركبه و تكون النقابات – ممثلة العمال !– هي من يمتنع و يمنع نقابييها من التظاهر و الاحتجاج و التعبير عن الموقف.. !؟

مما جاء في البلاغ أيضا، “جعل شهر ماي شهرا للاحتجاج و الاستنكار بكل الأشكال النضالية”. و هو أمر متهافت، إذ كيف تلغي تظاهرة و احتجاجا أساسيا و تعلن عن غيره و أقله بعد فاتح ماي.. !؟  ثم إن المفروض أن البرنامج النضالي للنقابات تسطره بمنأى عن تظاهرة فاتح ماي التي تعبر عن موقف احتجاجي سنوي أساسي للعمال.   

فاتح ماي يوم للنضال و الاحتجاج و المطالبة بالحقوق و التعبير عن المواقف السياسية و الاجتماعية للشغيلة. و هو أيضا و أساسا تخليد لذكرى شهداء الطبقة العاملة و تذكير بمعاناتها. و قرار المركزيات الثلاث يعبر فعلا عن أزمة النخبة التي تقود و النخبة التي تساير و تزكي، لتضيع مصالح العمال و المصالح المتعلقة بفقراء هذا البلد بين هؤلاء و أولائك.          

 

حميد مجدي

29 أبريل 2015