قانون الكراء 67.12: رصد للمستجدات واستحضار للأهداف

المسائية العربية

بقلم ذ محمد الحمياني،

نسخا لمقتضيات ظهير 25 /05/1980 التي لم تعد مواكبة لتطلعات طرفي العلاقة الكرائية ولا تستجيب لما تتطلبه التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا، صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 6208 بتاريخ 28 نوفمبر 2013 القانون رقم 12.67 يتعلق بتنظيم العلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري للمحلات المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.13.111 وهو القانون الذي دخل حيز التطبيق بتاريخ 28 فبراير 2014.

ويروم هذا القانون في مجمله إلى دعم مبدأ الاستقرار القانوني في العلاقات الكرائية من خلال إعادة التوازن بين طرفي العلاقة الكرائية وترسيخ الثقة بينهما وتوفير ضمانات كافية لهما، مع تقليص النزاعات الكرائية وتراكم القضايا المطروحة أمام المحاكم، كما سعى هذا القانون إلى استرجاع ثقة المستثمرين في قطاع السكن وإنعاش المهن الحرة.
انسجاما مع ذلك فقد أكد المشرع على إجراءات جديدة بشأن إبرام وتعديل وإنهاء عقود الكراء، وضمان السرعة في حل المنازعات بتحديد آجال معقولة وإجراءات  مضبوطة، كما توصل إلى إيجاد حلول ملائمة استطاعت في مجملها الإجابة عن عدة إشكاليات كانت مثار جدل واجتهاد أمام المحاكم، مؤكدا على مقتضيات قانونية جديدة تهدف إلى سد بعض الثغرات والتي وجد القضاء المغربي صعوبات جمة في التعامل معها.

تبعا لذلك نحاول الإسهام في دراسة هذا القانون والتعريف به عبر رصد  مستجداته وأهم مضامينه وإبراز غاياته وأهدافه باتباع نسق ترتيبي لمختلف فصوله.

أولا: اعتماد شكلية الكتابة:

تعتبر “شكلية الإنعقاد” المستجد الأبرز الذي جاء به قانون 67.12 والذي سيساهم حتما في توفير المجهودات المضنية التي تبدلها المحكمة فقط في إثبات العلاقة الكرائية بين الطرفين في حالة المنازعة في وجودها قبل التعرض لجوهر النزاع !! حيث نص المشرع صراحة على أن عقد الكراء يبرم وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ يتضمن عدة بيانات تتعلق بالطرفين، وبالمحل المكترى والمرافق التابعة له، والغرض المخصص لها، وبيان مبلغ الوجيبة الكرائية المتفق عليها ودورية أدائها، بالإضافة إلى طبيعة التكاليف الكرائية التي يتحملها المكتري، والوسيلة المتفق عليها لأداء الوجيبة والتكاليف الكرائية وكذا الالتزامات التي يتحملها كل طرف.

بل إن المشرع حرص على إثبات جميع المعاملات الناتجة عن عقد الكراء كتابة، فألزم إنجاز بيان وصفي للمحل موضوع العقد في محرر ثابت التاريخ (المادة 8)، واشترط الحصول على  الموافقة الكتابية للمكري في حالة رغبة المكتري في إدخال تغييرات على المحل والتجهيزات المكتراة، تحت طائلة إلزامه عند إفراغه للمحل بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، أو احتفاظ المكري بالتغييرات المنجزة دون أن يحق للمكتري المطالبة بالتعويض عن المصاريف المؤداة (المادة 15)، كما استلزم بالنسبة للمحلات المعدة للاستعمال المهني ضرورة الحصول على الموافقة الكتابية للمكري في حالة تولية الكراء أو التخلي عنه جزئيا (المادة 41)، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة اتباع إجراءات كتابية مضبوطة كحالة إشعار المكتري بانتقال ملكية المحل (المادة 4)، وحالة إشعار المكري بالقيام بالإصلاحات التي تقع عليه (المادة 10) وحالة إنذار المكتري المتخلف عن أداء الوجيبة الكرائية(المادة 23)، وكذا في حالة التعبير عن الرغبة في مراجعة الوجيبة الكرائية (المادة 37).

ثانيا:  وجوب توفر المحل المكترى على المواصفات الضرورية للسكن اللائق.

سعيا نحو محاربة السكن غير العشوائي وغير الائق تم النص في المادة 05 على ضرورة توفر المحل المكترى المعد للسكنى على: “المواصفات الضرورية من حيث الأجزاء المكونة له وشروط التهوية والمطبخ ودورة المياه والكهرباء والماء”.
حيث يتم إعداد بيان الوصفي يتضمن وصف لحالة المحل بكيفية مفصلة ودقيقة، ويكون البيان إلزاميا وقت تسلم المحل ووقت استرجاعه، بحيث يتم إرفاقه بالعقد وينجز في محرر ثابت التاريخ، مع تجنب استعمال بعض الصيغ الواسعة والفضفاضة من نوع “حالة جيدة” أو “حالة متوسطة” أو ما شابههما   ( المادة 08).
وإذا لم يتوفر المحل على هذه المواصفات، فإن المشرع نص خلال المادة 06 على إمكانية الاتفاق بين الطرفين على الأشغال التي يمكن للمكتري القيام بها، وكيفية خصم مصاريفها من الوجيبة الكرائية، ومدة الخصم وكيفية تعويض المكتري في حالة إفراغه قبل نهاية العقد ….  و يتم تضمين ذلك كله في اتفاق مكتوب بين الطرفين المتعاقدين مؤرخ وموقع ومصادق على توقيعهما لدى الجهات المختصة.

ثالثا:  تحديد معايير التعويضات المستحقة

في إطار الحرص على المعرفة المسبقة بالضمانات التي يستفيد منها أحد طرفي عقد الكراء قبل التعاقد أكد المشرع على معايير تحديد التعويض المستحق لكلا الطرفين حسب الحالة، ومن ذلك مثلا:
–  إذا انتهى عقد الكراء ولم يغادر المكتري المحل حيث يجب عليه أن يدفع للمكري تعويضا عن شغله للمحل لا يقل عن ضعف الوجيبة الكرائية باعتباره محتلا بدون سند (المادة 13).
– حالة حرمان المكتري لأكثر من ثلاثة أيام بفعل إجراء المكري لإصلاحات مستعجلة بالمحل، حيث يكون للمكتري الخيار أن يفسخ العقد أو يلجأ للقضاء للمطالبة بخصم جزء من مبلغ الوجيبة الكرائية بما يتناسب والمدة التي حرم خلالها من المحل المكترى (المادة 17).
– حالة الإفراغ لسبب غي صحيح، يكون للمكتري الحق في مطالبة المكري بتعويض يساوي قيمة الضرر الذي لحقه نتيجة الإفراغ ، على أن لا يقل عن الوجيبة الكرائية لمدة سنة ( المادة 51).

رابعا: تحمل المكتري لنفقات الصيانة.

استثناء من أحكام الفصل 639 من قانون الالتزامات والعقود، الذي ينص على أن إصلاحات الصيانة البسيطة لا يلزم بها المكتري إلا إذا كلف بها بمقتضى العقد أو العرف.
فقد حدد القانون الجديد الإصلاحات التي يتحملها المكتري ولا يلزم بها المكري ما لم يكن مكلفا بها بموجب العقد، وهي  أشغالُ الصيانة المألوفة والإصلاحات البسيطة التي يقتضيها الاستعمال الطبيعي للمحلات ( المادة 19)،

خامسا:- إمكانية الاتفاق على تغطية مبالغ الكراء.

تضمنت المادة 20 أنه يمكن للمكري أن يلزم المكتري بتقديم “ضمانة” لتغطية مبالغ الكراء والتكاليف الكرائية غير المؤداة، وكذا الأضرار التي قد تلحق بمحل الكراء والتي يتسبب فيها المكتري، بشرط ألا يزيد مبلغ الضمانة عن واجب شهرين من وجيبة الكراء، كما يمكن للأطراف تخصيص الضمانة لتغطية الأشهر الأخيرة من الكراء، وفي جميع الأحوال ترد الضمانة في أجل شهر ابتداء من تاريخ إرجاع المحل.
 وهي محاولة جادة من طرف المشرع نحو قطع الطريق أمام بعض السماسرة والانتهازيين الذين يستغلون حاجة الراغبين في الكراء فيعمدون إلى فرض “ضمانة” بمبالغ باهظة على مكترين اضطرتهم الحاجة إلى الكراء.

سادسا: ضبط التولية والتخلي بشأن المحلات المعدة للاستعمال المهني:

إذا كان الأصل أنه لا يجوز تولية المحل المكترى أو التخلي عنه إلا بموافقة المكري، فإنه في حالة المحلات المعدة  للاستعمال المهني جاءت المادة 40 بالعكس، بحيث لا يحق للمكري أن يعترض على التولية أو التخلي إذا ما التزم المتولى له أو المتخلى له باستعمال المحل المكترى لمزاولة نفس النشاط المهني الذي كان يزاوله المكتري الأصلي، أو لمزاولة نشاط مهني مماثل، شريطة أن لا يترتب عن ذلك إدخال تغييرات على المحل، أو إحداث تحملات إضافية بالنسبة للمكري أو تغيير طبيعة عقد الكراء.
 وفي هذا الإطار نصت الفقرة الثانية من المادة 40 على أنه يتم استدعاء المكري من طرف المكتري ليشارك في العقد ويشعره بنيته في تولية الكراء أو التخلي عنه للغير، على أن تتم الموافقة كتابة في محرر ثابت التاريخ(المادة 41) انسجاما مع تهج المشرع في ترسيخ شكلية الانعقاد.
وإذا كان مبلغ الوجيبة الكرائية في حالتي التولية أو التخلي يفوق وجيبة الكراء الأصلية للجزء الذي وقعت توليته أو التخلي عنه فقد أكدت المادة 42 أنه للمكري الحق في طلب زيادة الوجيبة الكرائية الأصلية بقدر ذلك.

سابعا: توسيع قائمة الفروع المستفيدين من العلاقة الكرائية:

أضافت المادة 45 الأشخاص الموصى إليهم بموجب الوصية الواجبة والمكفولين إلى قائمة الفروع المباشرين للمكري، والممكن استفادتهم من السكنى في المحل المكترى كسبب لإفراغ المكتري من المحل، أو الفروع المباشرين للمكتري الممكن استفادتهم من استمرار الكراء بعد وفاة هذا الأخير (المادة 53).
وبذلك يكون المشرع قد لائم المقتضيات المتعلقة بالكراء مع مجموعة من المستجدات التي عرفتها قوانين أخرى منها قانون مدونة الأسرة لاسيما المادة 369 منه وما يليها، ومقتضيات القانون رقم 01.15 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين.

ثامنا:  ترسيخ ضمانات المكتري في الرجوع إلى المحل بعد الهدم و إعادة بنائه.

أدخل المشرع بعض التعديلات بخصوص هدم المحل من طرف مالكه المكري، وإدخال تغييرات عليه  اقتضتها وضعية البناء، فأوجب على هذا الأخير إخبار المكتري خلال أجل 15 يوما من تاريخ تسلمه رخصة السكن أو شهادة المطابقة، كما أصبح بإمكان المكتري أن يطلب من المحكمة تحديد أجل للمكري يتعين خلاله تنفيذ سبب الإفراغ (المادة 50).

تاسعا: إسفادة الأم الحاضنة لأطفالها من استمرار عقد الكراء المبرم من طرف مفارقها:

باستحضاره للبعد الإنساني للمطلقة الحاضنة لأطفالها المشرع فقد أدرجها المشرع ضمن الفئات التي يمكن أن يستمر مفعول الكراء  لفائدتهم، ذلك أنه -بالإضافة إلى الفروع والأصول والأزواج- فقد أصبح بإمكان الأم الحاضنة لأطفالها أن تستفيد من استمرارية عقد الكراء المبرم من طرف مطلقها مع المكري بنفس شروط  عقد الكراء الأصلي ( المادة 54)، حيث كان في ظل قانون 25/05/1980 بقاء المطلقة في المحل المكترى الذي كانت تسكنه مع مطلقها بعد انفصام العلاقة الزوجية وانقضاء العدة بمثابة احتلال بدون سند، يكفي اللجوء بشأن إفراغها إلى قاضي المستعجلات.

عاشرا: النص على مسطرة استرجاع حيازة المحلات المهجورة أو المغلقة

كان ظهير 25 ماي 1980 يعاني من فراغ بخصوص التأطير القانوني لمحلات الكراء المغلقة أو المهجورة، وهو الفراغ الذي اختلف الاجتهاد القضائي في كيفية التعامل معه، وانقسم الرأي حوله بين اتجاه يرى إعمال القواعد العامة لقانون الالتزامات والعقود، واتجاه آخر يلجأ إلى تطبيق مقتضيات الفصل 450 من قانون المسطرة المدنية، كما وقع خلاف حول الجهة المختصة أصلا هل مؤسسة الرئيس أو قضاء الموضوع.

إلا أن المشرع أفرد  لهذه النقطة الباب التاسع من القانون 67.12 الجديد، حيث تعرض لحالات اعتبار المحل مهجورا والشروط الشكلية والموضوعية لتقديم طلب الإسترجاع، والجهة المختصة (رئيس المحكمة) والمسطرة المتبعة، وكذا الوثائق المطلوبة ( المواد من 57 إلى غاية المادة 66).

 كما تعرض المشرع أيضا لحالة ظهور المكتري أو ذوو حقوقه بعد إسترجاع الحيازة، حيث أجاز تقديم الطلب مجددا لرئيس المحكمة الابتدائية بصفته قاضيا للمستعجلات قصد إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه ( المادة 67 إلى غاية المادة 70).

ختاما لا يسعنا إلا نبدي تأييدنا لهذه المقتضيات الجديدة والتي نعتبرها تصب في مصلحة المكري والمكتري معا، ونأمل أن تساهم في حل أزمة السكن التي تعاني منها شريحة عريضة من الأسر المغربية، وتنعش الأنشطة المهنية التي تشكل مصدر رزق لمجموعة عريضة من الحرفيين والمهنيين، والحد من المزايدات والمضاربات العقارية… وهي أهداف بلا شك لها ارتباط وثيق بكل مسعى نحو ضمان ” الأمن القضائي”.

 ذ محمد الحمياني،

قاض بالمحكمة الإبتدائية لفجيج ببوعرفة عضو بنادي قضاة المغرب

 

المصدر :

7257060-11150381عن موقع : العلوم القانونية

                  www.marocdroit.com

 

 

اضف رد