قرأت لك…  العلاقات الاجتماعية – 3 –

المسائية العربيةGoujdihi

لحسن كجديحي

إذا كان شكسبير يقول «إن الدنيا مسرح كبير، وأن كل الرجال والنساء ما هم إلا لاعبون على هذا المسرح»، فإن عالم النفس الاجتماعي الحديث يتفق مع هذا القول، ولكـن مـع فـرق وحـيـد: إن عـالـم الـنـفـس الاجـتـمـاعـي الحديث يؤمن بأن كلا منا يقوم بدور مـا ولـكـن لـيـس عـلـى خـشـبـة مـسـرح وهمية، بل في حياة واقعية وفعلية…

أمعن النظر قليلا في الناس من حولك تجد فيـهـم الـطـفـل، والـعـجـوز، والجار والغريب، والطالب، والأستاذ، والمريض، والمعافى، والمتزوج، والعازب، والجندي والبائع… الخ لكل منهم دور يشكل سلوكـه نـحـو الآخـريـن، ولـكـل منهم في ذهن الآخرين توقعات مرسومة، من شأنها في النهايـة أن تحـكـم سلوك كل منهم نحو الأخر.

والحقيقة أن أسلوب الشخص وطرقه في التصرف مع الآخرين لا تمليها في كثير من الأحيان خصائصه الشخصية وسماته بقدر ما تمليها توقعاته عن الدور الذي يقوم به، وتوقعات الآخريـن عـن هـذا الـدور أيـضـا. فـالأب يسلك مع الابن بحسب ما يمليه إدراكه لدوره كأب، وبحسب توقعات الابن عنه. وقد يقوم الفرد في اللحظة الواحدة بأكثر من دور: فالرجل في المنزل هو أب بين أبنائه وزوج بالنسبة للزوجة.. ولهذا فهو ينتقل في تفـاعـلـه مـع الطرفين بيسر حسب ما تمليه التوقعات الاجتمـاعـيـة بـالـنـسـبـة لـكـل دور. وعندما يطرق عليه الباب وافدون جدد أو ضيوف يبدأ في أداء دور ثالـث هو دور المضيف. وقد يتم أداء هذه الأدوار بانـسـجـام، وقـد يـحـدث صـراع عندما يجد نفسه مضطرا لأداء أدوار تتعارض متطلبات كل منها مع الأخرى، كأن يبدأ أحد الأطفال في البكاء والـصـيـاح بـيـنـمـا يـحـاول هـو أن يـنـصـت لضيوفه. هنا يبدأ الصراع بين الدورين دور الأب ودور المضيف. وسنتحدث عن الآثار السلوكية لصراع الأدوار عما قليل. ولكي يؤدي كل فرد دوره المطلوب منه بنجاح، فإنه يحتاج معرفة الأدوار المرسومة للآخرين- ودون هذا التبادل في فهم الأدوار يصعب على الفرد أداء دوره دون صراع. فمن الـعـسـيـر عـلـى الأب أن يـقـوم بـدوره دون وجـود أبناء، ولا يمكن للمعلم أن يـكـون أسـتـاذا دون متعلمين، أو رئـيـس دولـة دون شعب. ربما لهذا السبب نجد أنفسنا-عنـد لـقـاء شـخـص غـريـب- مـرغـمـين شعوريا أو لاشعوريا على وضعه في فئة اجتماعية معينة. وحالما نفعل هذا نجد أنفسنا قادرين على أداء أ…نماط وتصرفات سلوكيـة مـلائـمـة، أي أنـنـا نستطيع رسم الدور المطلوب منا القيام به نحوه. ولعل من أقوى الدلائل على تأثير الدور في تشكيل السـلـوك تـوقـعـاتـنـا الجنسية أو توقعاتنا من الرجل والمرأة. ففي غالبية الحضارات يتوقع الناس من الـرجـل أن يـكـون أكثر جـرأة مـن المـرأة. عندما تكون الأدوار الجنسية غير محددة بعد، كما في سن الطفولة، فإن الفروق بين الجنسين في سمات الشخصية المرتبطة بالجرأة كالميل لحب المغامرة والمجاوفة تختفي، بينما تبرز هذه الـفـروق فـي صـالـح الذكر بعد سن العاشرة، مما يدل على أن الفرق بينهما في هذه الخاصية أمر تمليه توقعاتنا عن الدور الاجتماعي لكل منها. يحدث صراع الأدوار في أي موقف تثار فيه توقعات متعارضة لدورين أو أكثر، وتكون نتيجته التوتر والقلق. فالفـتـاة الـتـي نـتـوقـع مـنـهـا أن تـكـون محافظة وتقليدية، قد تشعر بصراع الأدوار عندما تجد نفسها مرغمة على التخلي عن هذا الدور في سبيل جذب انتباه شخص تأمل أن يـكـون زوجـا في المستقبل- لهذا يعتبر النساء أكثر عرضة لصـراع الأدوار بـكـل أعـراضـه المرضية كالاكتئاب، والإرهاق السريع، والتوتر كذلك يحدث الصراع بين الأدوار عندما يوجد فرق واضح بين ما يتوقعه الآخرون من الشخص، وما يتوقعه الشخص من نفسه. وأكثر الناس عرضة لهذا النوع من الصراع: الرؤساء، والمشرفون على الهيئات العامة والمنظمات الاجتماعية والسياسية، والمؤسسات. فمدير المدرسة الذي يجد نفسه مرغما على إرضاء المتعلمين، والآباء، و الشركاء الاجتماعيين، ومتطلبات الوزارة، قد يعاني من هذا الصراع بشدة مما يؤثر في ثقته بنفسه ورضاه عن عمله. وتدل البحوث على أن المديرين ورؤساء المؤسسات العامة من بين أكثر الناس عرضة للقلق والتوتر بحكم المتطلبات التي يفرضها عليهم دورهم لإرضاء أطراف متعددة في الموقف الواحد، وغالبا ما يواجهون هذا الصراع بحل من الحلول الأربعة الآتية وهي :

1- الاستجابة للضغط بالاستسلام.

2- التمسك بمعايير  و قوانين المهنة ومتطلباتها.

3- محاولة التوفيق بين الآراء المتعارضة وتقديم بعض التنازلات.

4- تجنب اتخاذ قرارات حاسمة أو هامة.

ومن الأشياء التي تيسر التفاعل الاجتماعي السليم، وتحدد لك دورك جيدا في علاقاتك بالآخرين قدرتك على الإدراك الجيد لمشاعرهم وسلوكهم بحيث تعرف من منهم يختلف معك ويعترض عليك، ومن منهم يتفق معك؟ وتتشوه القدرة على إدراك مشاعر الآخرين وتفسير سلوكهم عند البعـض، مؤدية إلى تطوير سلسلة من الاضطرابات الشخصيـة حـتـى بـين الماديين. ومن المعتقد أن المشكلات النفسية التي تظـهـر لـدى الـصـم، والـغـربـاء إنمـا ترجع في جانب من جوانبها إلى الصـعـوبـة فـي وضـع أحـكـام دقـيـقـة عـلـى سلوك الآخرين، وبالتالي العجز عن السلوك بشكل ملائم نحوهم. الإنـسـان المـادي يـسـتـطـيـع أن يـشـكـل سـلـوكـه عـلـى حـسـب المـواقــف الاجتماعية المختلفة، وبالتالي يشكل قدراته ويطور مهاراته على التعبير عن المشاعر، والحرية الانفعالية. وأقصد بالحرية الانفعالية التعبير الـطـلـيـق عن المشاعر الإيجابية (الحب والرضا والإعـجـاب) والـسـلـبـيـة (الـغـضـب والضيق والألم والحزن) على السواء. ولأسباب مـخـتـلـفـة قـد نـعـجـز عـن التعبير عن مشاعرنا في مواقف تتطلب اتصالا إيجابيا بـالآخـريـن بـشـكـل يقودنا في النهاية إلى قمع رغبتنا في التعبير عن بعض أفكارنا أمام الآخرين، أو نكتم معارضتنا عند الاختلاف مع الناس والأصدقاء، أو نرغم أنـفـسـنـا على البقاء في جماعة مملة، أو حتى نعجز عن التعبير عن حبنا واستمتاعنا بالأشخاص أو الأشياء. وهذه الصعوبـات فـي الـتـعـبـيـر عـن المـشـاعـر أمـام الآخرين غالبا ما تحول الشخص إلى شخص باهت، يسهل تخطيه وتجاوزه، ويبدأ الشخص تدريجيا فقدان الثقة بنفسه. ومع فقدان الثقة تتكون المتاعب العصابية ومن بينها الخوف من الآخرين. ومثل هذه الخصائص غالـبـا مـا نجدها تنتشر بكثرة في الزائرين للعيادات النفسية والعصابيين والمنعزلين اجتماعيا من الأفراد. فـمـن الـنـادر إذن أن يـخـلـو اضـطـراب نـفـسـي مـن مـظـهـر مـن مـظـاهــر الاضطراب في السلوك الاجتماعي والتفاعل. فتصرفات الفرد- الشاذ منها والسوي- تعبر بزاوية ما عن اتجاهه نحو الآخـريـن واتجـاه الآخـريـن نـحـوه على حد سواء.