قرأت لك … القهر المبلسم  

المسائية العربية

لحسن كجديحيGoujdihi

إن تضليل عقول البشر هـو عـلـى حـد قـول باولو فرايري «أداة للقهر». فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى «تطويع الجماهير – لأهدافها الخاصة – فباستخدام الأساطير  التي  تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجود، بل وتضفي عليها أحيانا طابعا خلابا يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية. وعندما يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح، تنتفي الحاجة إلى اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة. على أن تضليل الجماهير لا يمثل أول أداة تتبناها النخب الحاكمة من أجل الحفاظ على السيطرة الاجتماعية. فالحكام لا يلجأون إلى التضليـل الإعلامي- كما يوضح فرايري – إلا : عندما يبدأ الشعب في الظهور (ولو بصورة فجة) كإرادة اجتماعية في مسار العملية التاريخيـة – أمـا قـبـل ذلـك فـلا وجود للتضليل (بالمعنى الدقيق للكلمة)، بل نجد بالأحرى قمعا شاملا. إذ لا ضرورة هناك لتضليل المضطهدين عندما يكونون غارقين لآذانهم في بؤس الواقع .

والواقع أن القمع- أي كبت الفرد وإخضاعه كلية- لم يقتصر على أي كيان جغرافي أو سياسي منفرد. فأغلب البشر تعرضوا للقمع على مر العصور وفي كل أرجاء العالم من خلال وضع من الإفقار الكامل يطرح نفسه على أنه «طبيعة» (ويكون ذلك صحيحا في حالات قليلة)، على أنه لا يعدو في أغلب الحالات أن يكون النتيجة المترتبة على التـقـسـيـم الاجـتـمـاعـي غـيـر المتكافئ. فحتى وقت قريب لم يكن هناك سوى قلة نادرة من البلدان التي شاء لها حظها السعيد أن تجمع بالموقع الجغرافي وكفاية المصادر الأولية والأسبقية التاريخية المواتية مما وفر لها وسيلة الإفلات من مخاطر الندرة والكوارث الاقتصادية المتكررة. ومع ذلك فقـد ظـل الـقـمـع حـتـى فـي تـلـك المواقع المتميزة نسبيا قدر أغلب الناس حتى أواخـر الـقـرن الـثـامـن عـشـر وأوائل القرن التاسع عشر.

إن وسائل التضليل عديدة ومتنوعة لكن من الواضح أن السيطرة على أجهزة المعلومات والصور على كل المستويات تمثل وسيلة أساسـيـة. ويـتـم تأمين ذلك من خلال إعمال قاعدة بسـيـطـة مـن قـواعـد اقـتـصـاد الـسـوق. فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها، شأنه شأن أشكال الملكية الأخرى متاح لمن يملكون رأس المال. والنتيجة الحتمية لذلك هي أن تصبح محطات الإذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات وصـنـاعـة الـسـيـنـمـا ودور النشر مملوكة جميعا لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية. وهكذا يصبح الجهاز الإعلامي جاهزا تماما للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل.

كذلك يفترض أن أجهزة الإعلام تتسم بالحياد. صحيح أن الـصـحـافـة  تعترف بأن العديد من التحقيقات الصحفية لا يتوخى الإنصاف والموضوعية، إلا أنها تؤكد لنا على أنها نتيجة للخطأ الإنساني لا يمكن أن تـفـسـر عـلـى أنها عيوب جوهرية في نظم نشر المعلومات السليمة بصفة أسـاسـيـة. أمـا حقيقة أن وسائل الإعلام (الصحافة، والدوريات، والإذاعـة والـتـلـيـفـزيـون) هي جميعا وبلا استثناء مشروعات تجارية، تتلقى دخولها مـن الاسـتـغـلال التجاري لمساحاتها الزمنية،أو المكانية لمصلحة الإعلانـات. فـمـن الـواضـح أنها لا تثير أي مشكلة بالنسبة لهؤلاء الذين يدافعون عن الموضوعية والنزاهة. أما العلم الذي اندمج أكثر من أي نشاط ذهني آخر في اقتصاد المؤسسات العملاقة متعددة الشركات، فيواصل هو الآخر الإصرار على حياده القائم على استقلاله القيمي. ويعزز العلـم الـذي يـأبـى أن يـأخـذ بـعـ الاعـتـبـار المعاني التي تتضمنها طبيعة المصادر الممولة لنشـاطـه واتجـاهـات أبـحـاثـه وتطبيقات نظرياته والطابع المميز للنماذج التي يخلقها  يعزز الفكرة القائلة بانعزاله عن القوى الاجتماعية المؤثرة في كل الأنشطة الأخرى الجارية في البلاد. كذلك يزعم المضللون أن نظام التعليم بدءا من مرحلته الابتدائية حتى مستوى الجامع  يخلو تماما من أي غرض أيديولوجي مقصود. ومع ذلك فلابد من أن يعكس الناتج النهائي للعملية التعليمية ما ˆ تعلمه: ويدهش المرء حين يجد أن أغلب خريجي المراحل التعليمية المختلفة يـظـلـون- عـلـى رغم كل تلك الضجة المثارة حول الثقافة المضادة- عـلـى إيمانـهـم وتـقـيـدهـم بالأخلاقيات التنافسية للمشروع الفردي.                                                

وحيثما نظر المرء في الحقل الاجتماعي فسيجد أن الحياد والموضوعية يتم اللجوء إليهما لوصف الأداء الوظيفي للأنشطة المحملة بقيم وأغراض محددة والتي تقدم الدعم للنظام المؤسساتي السائد. ومن العناصر التي لا غنى عنها للحفاظ اليومي على نظام السيطرة  تلك الأسطورة التي تحظى برعاية فائقة والتي تقول بأنه لا سيطرة لأي مجموعات أو آراء خاصة على عمليات صنع القرارات المهمة في البلاد. يمكن القول: إن التمنيات الإنسانية تسـهـم بـشـكـل مـلـمـوس فـي شـحـذ التغيير الاجتماعي. وعندما تكون تلك التمنيات متـواضـعـة  فـإن الـسـلـبـيـة تسود. ومن الممكن بطبيعة الحال أن توجد ألوان مختلفة من التصورات في ذهـن أي فـرد حـول الحـقـائـق الـسـيـاسـيـة والاجـتـمـاعـيـة والاقـتــصــاديــة والشخصية. على أن القاسم المشترك في كل تلك التـصـورات هـو الـنـظـرة التي يتبناها الناس للطبيعة الإنسانية. وتؤثر ماهية الطبيعة الإنسانية كما يفهمها الناس  تؤثر في النهاية في الطريقة التي يتصرفون بها  ليس نتيجة لأنه يتعين عليهم أن يتصرفوا على هذا النحو، ولـكـن لأنـهـم يـعـتـقـدون أنـه يتوقع منهم أن يتصرفوا على هذا النحو. ويصور أحد الكتاب ذلك المعـنـى على النحو التالي: «لا ينفصل السلوك الإنسانـي عـن الـنـظـريـات المـتـعـلـقـة بالسلوك الإنساني التي يتبناها الناس.. فما نؤمن به من أفكار فيما يتعلق بالإنسان يؤثر في سلوكنا الإنساني وذلك لأنها تحدد ما الذي يتوقعـه كـل إنسان من الآخر..   إن الإيمان أو الاعـتـقـاد يـسـاعـد عـلـى تـشـكـيـل الـواقـع الفعلي.. إن الاعتقاد بأن عدوانية الإنسان أو نزعته التوسعية تمثل أشياء كامنة في طبيعته الحيوانية يؤدي بنا إلى الخلط ب بعض الناس  وكل الناس  بين المجتمع المعاصر  وكل المجتمعات المقبلة كما يؤدي  من خلال عملية تحويل بارعة  إلى تبرير ما هو قائم على أنه ما تفرضه الاحتياجـات الإنـسـانـيـة ، وهكذا يصبح القهر الاجتماعي رد فعل بدلا من أن يكون السبب الأساس للعنف الإنساني. إن النزعة التشاؤمية فيما يتعلق بالإنسان تؤدي إلى تكريس الوضع القائم. فهي نوع من الترف بالنسبة للغني وهي العزاء لمن يشعرون بالذنب من المتقاعس عن المشاركة الفعالة في النشاط الـسـيـاسـي وهـي الراحة بالنسبة لهؤلاء الذين يواصلون الاستمتاع بأسباب الامتيـاز المادي. وتكلف هذه النزعة المحروم من أي حقوق الكثير فهم يسـتـسـلـمـون لـهـا على حساب خلاصهم…إن على الرجال والنساء أن يؤمنوا بأن في مقدور الإنسانية أن تصبح إنسانية تماما حتى يتسنى بالفعل للجنس البشـري أن يحقق إنسانيته  أو بعبارة أخرى إن النظرة التفاؤلية الـتـي لا إفـراط فـيـهـا لقدرات الإنسان الكامنة               – المبنية على الاعتراف بإنجازاته  والإدراك الواعي في الوقت ذاته لنواحي ضعفه – هي شرط لا غنى عنه من أجل فعل اجتماعي يحول ما هو ممكن إلى واقع فعلي. 

        ومن أجل منع أي فعل اجتماعي (ويستوي في هذا الصدد ما إذا كانت النية مبيتة أم لا)  يتم تكريس هذا الكم الهائل من الدعاية ولفت الأنـظـار لكل تقويم تشاؤمي لقدرات الإنسان الكامنة. فإذا كان مقدرا لنـا أن نـظـل محكومين بعوامل الوراثة إلى الأبد ، فليس هناك ما يمكـن عـمـلـه فـي هـذا السبيل. كما أن هناك في الوقت ذاته أسبابا قوية واحتياجا ملحا للتقليـل من شأن القدرات الإنسانية. فالنظام الاجتماعي يعتمد  تـعـزيـزا لمواقـعـه  على إبقاء العقل الشعبي والعقـل – المـسـتـنـيـر – بـوجـه خـاص،  فـي حـالـة مـن انعدام الثقة والشك فيما يتعلق بإمكاناته الإنسانية.

إن الطبيعة الإنسانية  عند مضللي العقول  ثابتة لا تتغير وكذلك الحال  بالنسبة للعالم. ويلاحظ فرايري أن «… المضـطـهدين (بكسر الهاء) يطـورون سلسلة من المناهج تستبعد أي تصوير للعالـم بـوصـفـه قـضـيـة أو مـشـكـلـة وتركز على إظهاره في صورة الكيان الثابت أو بوصفه شيئا معطى ،شيئـا يتعين على الناس بوصفهم مجرد متفرج أن يتكيفوا معه» ولا يستلزم ذلك بالضرورة تجاهل التاريخ ،بل عـلـى الـعـكـس فـالـسـرد الذي لا ينتهي لما حدث في الماضي يرافق التأكيدات المستمرة حول التغير الكبير الحادث أمام أعيننا. إلا أن هذه التغيرات عـلـى اخـتـلافـهـا لا تـعـدو كونها تغيرات فيزيائية: وسائل نقل جديدة ،تكييف هواء ،صواريخ فـضـاء ،أطعمة معلبة… إن سائسي العقول يسهبون في الحديث عن هذه المسائل إلا أنهم يحجمون بحرص بالغ عن التعرض للتغيـرات الحـادثـة فـي الـعـلاقـات الاجتماعية أو في الـبـنـى المـؤسـسـاتـيـة الـتـي تـشـكـل الـدعـامـة الأسـاسـيـة للاقتصاد.

يتفق الجميع بوجه عام على أن التلفزيون هو أقوى وسيلة إعلامية. ولا ريب في أن تأثيره بوصفه أداة رئيسة لتعميم قيم النظام لا يماري فيه أحد. ومع ذلك فإن التلفزيون وأيا كانت قوته يـعـتـمـد هـو ذاتـه عـلـى غـيـاب أي حوافز مخالفة في وسائل الإعلام الأخرى. إن كل قناة من قنوات الإعـلام تصنع إسهامها الخاص لكن النتيجة واحدة في النهاية: تعزيز ودعم الوضع القائم. وفضلا عن ذلك فإن من السذاجة  أن نتصور أن الجهاز الإعلامي أخطر أدوات السيطرة في يد النظام سوف يكشف عامدا عن الكيفية التي تمارس بها السيطرة. فلننظر على سبيل المثال إلى الطريقة التي يـتـم بـهـا توضيب أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي عادي أو الصفحة الأولى لأي صحيفة يومية كبيرة. سنجد أن السمة المشتركة بينها جميعا هـي الـتـبـايـن الـكـامـل للمادة والإنكار التام للترابط بين الظواهر الاجتماعية التي يتناولها الحديث أو التعليق. وتمثل برامج الحوار التي تتكاثر في المحيط الإذاعي والتلفزيوني النموذج المثالي للتجزيء بوصفه شكلا عاما. فالإقحام الـعـرضـي لموضـوع خلافي أو لشخصية مثيرة للجدل في برنامج متعدد الفقرات يـؤدي إلـى تهدئة وتسطيح أي جدل يمكن أن يثار. وسرعان ما يتوارى كل ما قيل من آراء خلف ما يعرض بعد ذلك من إعلانـات ونـكـات ودردشـات أو أخـبـار اجتماعية خفيفة. لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فبرامج هذه طبيعتها يتم تمجيدها بوصفها شاهدا على التسامح المطلق للنظام وتتباهى وسائل الإعلام والمسيطرون عليها بانفتاح الجهاز الإعلامي الذي يسمـح بـإذاعـة تلك المادة النقدية على الأمة. ويقبل جمهور المشاهدين بهذا الكلام ويقنـع تماما بأنه يحصل على تدفق حر للآراء. إن أحد المبادئ المنهجية للعلم الصالحة تماما للتطبيق فيما يتعلق بالنشاط الإنساني هو الحتمية البيئية المتعلقة بالاعتراف بالترابط الداخلي. وعندما يتم تجاهل كلية قضية اجتماعية ما عمدا وتقدم نقاط متفرقة متعلقة بها بوصفها «معلومات» فإن النتائج مضمونة مقدما وهي في أحسن الأحوال العجز عن الفهم والجهل وفتور الشعور واللامبالاة بالنسبة لأغلب الناس.

يتبع…